ضعف التمثيل وغياب الإرادة التشريعية يعرقلان إقرار قوانين حماية المرأة في مصر
رغم تزايد النقاش العام حول أوضاع النساء في مصر، لا تزال مجموعة من القوانين المرتبطة مباشرة بحياتهن اليومية تنتظر الحسم داخل البرلمان، وسط آمال بأن تشهد الدورة التشريعية الجديدة تحركاً فعلياً نحو إقرار تشريعات طال انتظارها.
أسماء فتحي
القاهرة ـ تتصدر القوانين العالقة في البرلمان المصري والتي تنتظر الحسم مشروع القانون الموحد لمناهضة العنف ضد النساء، إلى جانب تعديلات قانون الأحوال الشخصية، وهي قضايا تمس قطاعات واسعة من النساء والأسر، لكنها ظلت لسنوات عالقة بين المقترحات البرلمانية والنقاشات غير المكتملة.
يرى متابعون للشأن التشريعي أن أحد العوامل المؤثرة في بطء إقرار هذه القوانين يتعلق بضعف التمثيل النسائي داخل البرلمان، الأمر الذي قد يحد من قدرة النائبات على الدفع بملفات تمس النساء بشكل مباشر داخل المؤسسة التشريعية.
قوانين تنتظر المناقشة تحت قبة البرلمان
تقول المحامية بالنقض زينب أبو طالب، إن البرلمان أمامه فرصة مهمة لإعادة فتح ملفات تشريعية قديمة تمس حياة النساء، مشيرة إلى أن هذه القضايا لا تتعلق بالنساء فقط، بل تؤثر في بنية الأسرة والمجتمع ككل.
تطرح منظمات حقوقية وقانونيون منذ سنوات عدة مقترحات تشريعية تهدف إلى تعزيز حماية النساء داخل الأسرة والمجتمع، إلا أن العديد من هذه المقترحات لم تصل بعد إلى مرحلة المناقشة البرلمانية الكاملة.
وتشير زينب أبو طالب، إلى أن أبرز التشريعات المطروحة منذ سنوات مشروع القانون الموحد لمناهضة العنف ضد النساء، وهو قانون جرى تقديمه أكثر من مرة، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة المناقشة النهائية داخل البرلمان.
وتوضح أن القانون غالباً ما يحصل على عدد من الموافقات الأولية، لكنه يظل بحاجة إلى جمع توقيعات إضافية من النواب حتى يُدرج ضمن جدول المناقشات التشريعية.
وتضيف أن قانون الأحوال الشخصية يمثل بدوره أحد الملفات المهمة، إذ قُدم مشروع لتعديله منذ فترة، لكنه لم يُطرح حتى الآن للنقاش المجتمعي أو البرلماني بشكل واسع، رغم تأثيره المباشر في حياة ملايين الأسر.
قانون قديم يثير إشكاليات معاصرة
تعد مسألة الوصاية على أموال القُصر من القضايا التي تثير جدلاً واسعاً بين القانونيين، خاصة في ظل استمرار العمل بنصوص قانونية قديمة تعود إلى بدايات القرن الماضي.
ومن بين القضايا الأكثر إثارة للجدل، تبرز مسألة الوصاية على أموال القُصّر، وهي قضية تعكس تعقيدات تشريعية ممتدة منذ عقود طويلة.
فوفقاً للقانون الحالي، تنتقل الوصاية على تربية الأبناء وشؤونهم المعيشية إلى الأم بعد وفاة الأب، بينما تؤول إدارة أموال القُصّر إلى الجد من جهة الأب، ما لم يوجد مانع قانوني.
وترى زينب أبو طالب أن هذا الوضع يخلق إشكاليات عملية كبيرة، خاصة في ظل التغيرات الاجتماعية، إذ تكون الأم أكثر قدرة على إدارة أموال أبنائها والحفاظ عليها، في حين قد يكون الجد متقدماً في السن أو غير قادر على متابعة هذه المسؤولية.
وتشير إلى أن القانون المنظم لهذه المسألة يعود إلى ما يقارب قرن من الزمن، ولم يشهد تعديلات جوهرية رغم التحولات الاجتماعية الكبيرة التي شهدها المجتمع.
العنف الأسري وثغرات تشريعية قائمة
يمثل العنف الأسري أحد أبرز التحديات القانونية والاجتماعية المرتبطة بحماية النساء، خاصة مع وجود نصوص تشريعية تسمح باستخدام ما يعرف بـ "حق التأديب" كظرف مخفف في بعض القضايا.
وفيما يتعلق بقضايا العنف ضد النساء، ترى زينب أبو طالب، أن إحدى الإشكاليات القانونية الأساسية تكمن في استمرار العمل بنصوص تشريعية تسمح باستخدام ما يُعرف بـ "حق التأديب" كظرف مخفف في بعض القضايا.
وتوضح أن هذه النصوص قد تُستند إليها في قضايا الضرب والعنف داخل الأسرة، سواء بين الأزواج أو بين الآباء والأبناء، الأمر الذي قد يخفف من العقوبة في بعض الحالات، مضيفةً أن هذه الثغرة القانونية تُستخدم أحياناً بشكل واسع لتبرير ممارسات عنيفة قد تصل إلى حد التعذيب أو الإيذاء الجسيم، وهو ما يستدعي إعادة النظر في هذه النصوص التشريعية.
وترى زينب أبو طالب أن المطلوب ليس فقط إلغاء هذا الظرف المخفف، بل إعادة صياغة القوانين بحيث تصبح جرائم العنف الأسري ظرفاً مشدداً للعقوبة، نظراً لوقوعها داخل إطار يفترض أن يقوم على الحماية والرعاية.
تمثيل النساء في البرلمان وتأثيره على التشريعات
يرتبط مسار التشريعات المتعلقة بالنساء إلى حد كبير بحجم تمثيلهن داخل البرلمان، إذ يرى مراقبون أن زيادة عدد النائبات قد تسهم في دفع هذه الملفات إلى مقدمة النقاش التشريعي.
إلا أن الواقع الحالي، بحسب زينب أبو طالب، يشير إلى أن ضعف التمثيل النسائي قد يحد من قدرة النائبات على تمرير بعض القوانين أو جمع التوقيعات اللازمة لطرحها للنقاش، لافتة إلى أن النائبات قد يواجهن صعوبات في جمع التوقيعات اللازمة لطرح بعض القوانين، خاصة إذا لم تحظ هذه القوانين بدعم واسع داخل المجلس.
وتضيف أن زيادة تمثيل النساء داخل البرلمان قد تساعد في تعزيز فرص تمرير تشريعات مرتبطة بقضايا النساء، خاصة إذا ترافقت مع دعم مجتمعي أوسع لهذه الملفات.
الإعلام والوعي المجتمعي… قوة ضغط لتحريك التشريعات
لا تقتصر عملية تطوير التشريعات على العمل البرلماني وحده، إذ يلعب الإعلام والوعي المجتمعي دوراً مهماً في دفع النقاش العام حول القضايا القانونية والاجتماعية.
وفي كثير من الأحيان يؤدي تسليط الضوء الإعلامي على قضية معينة إلى خلق ضغط مجتمعي يدفع المؤسسات المعنية إلى التحرك.
وترى زينب أبو طالب أن للإعلام دوراً مهماً في تحريك النقاش العام حول القضايا التشريعية، مشيرة إلى أن تسليط الضوء على بعض الملفات يمكن أن يدفع المؤسسات المعنية إلى اتخاذ خطوات إصلاحية.
وتوضح أن تناول قضايا اجتماعية في الأعمال الدرامية أو التغطيات الإعلامية قد يسهم أحياناً في تسريع الإجراءات أو إعادة النظر في بعض الممارسات القانونية، مضيفةً أن زيادة الوعي المجتمعي بقضايا النساء والحقوق القانونية يمكن أن يخلق ضغطاً إيجابياً على المؤسسات التشريعية للتحرك نحو إصلاحات قانونية أكثر استجابة لاحتياجات المجتمع.
وفي ظل هذه التحديات، يبقى مستقبل التشريعات المتعلقة بالنساء مرتبطاً بمجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها الإرادة السياسية، التمثيل البرلماني، مستوى الوعي المجتمعي بالقضايا المرتبطة بالحقوق الأسرية والاجتماعية.
وبينما تنتظر هذه القوانين دورها على جدول الأعمال التشريعي، يرى خبراء قانونيون أن فتح نقاش عام حولها قد يشكل خطوة أساسية نحو تحديث المنظومة القانونية بما يتماشى مع التحولات الاجتماعية ويعزز حماية النساء داخل الأسرة والمجتمع.