"اقتُلعنا من جذورنا"... نساء مهجرات يروين حكايات الفقد

كشف النزوح من قرى مدينة السويداء حجم المعاناة التي تعيشها النساء المهجرات، بين فقدان الأرض وتضاعف الأعباء والخوف من مستقبل مجهول.

روشيل جونيور

السويداء ـ لم يكن التهجير بالنسبة لنساء قرى مدينة السويداء السورية مجرد انتقال قسري من مكان إلى آخر، بل كان اقتلاعاً كاملاً من الجذور، من الأرض التي احتضنتهن، ومن البيوت التي شهدت تفاصيل أعمارهن، ومن حياة بسيطة لكنها كانت مليئة بالاستقرار والرضا رغم بساطتها.

شهدت مدينة السويداء في جنوب سوريا واحدة من أكبر موجات النزوح في تاريخها الحديث، بعد الهجمات العنيفة التي شنتها جهاديي هيئة تحرير الشام في منتصف تموز/يوليو 2025، هذه المواجهات تحولت إلى أزمة إنسانية خانقة دفعت عشرات الآلاف إلى الفرار.

 

"لم نترك بيتاً فقط… تركنا حياتنا كاملة" 

تبدأ فداء المحيثاوي حديثها من عمق الألم، واصفة ما جرى بأنه ليس مجرد نزوح، بل "اقتلاع قاس" من كل ما يشكل معنى الحياة، تنحدر فداء من قرية "ريمة حازم" واحدة من عشرات القرى التي أُجبر سكانها على مغادرتها، تاركين خلفهم بيوتهم وأراضيهم ومصادر رزقهم.

وتقول إن الأشهر الثمانية التي قضتها بعيداً عن أرضها لم تمر كأيام عادية، بل كانت ثقيلة مليئة بالقلق والتفكير المستمر بما تركوه خلفهم، تضيف وهي تستحضر صورة البيت والحاكورة (قطعة أرض صغيرة ومحاطة بسياج) التي كانت تجمع العائلة "لم نترك حجارة فقط، تركنا ذكرياتنا، تعبنا، تفاصيل حياتنا اليومية".

وتوضح أن الأرض لم تكن مجرد مورد اقتصادي، بل كانت تمثل الاستقرار النفسي والاجتماعي، وكانت مصدر رزق لكثير من العائلات خاصة النساء الكبيرات في السن اللواتي لم يكن يملكن أي مصدر دخل آخر "كنا نزرع، نحصد، ننتظر الموسم… كنا نعيش من تعبنا".

وتشير إلى أن النزوح لم يقتصر على فقدان المكان، بل أدى إلى تشتت العائلات حيث أصبح الأقارب متباعدين، ولم تعد اللقاءات ممكنة كما في السابق "كنا مجتمعين دائماً، الآن كل واحد في جهة"، مؤكدة أن هذا التباعد زاد من الشعور بالوحدة.

وعن أكثر ما يؤلمها، فهو حال كبار السن الذين عاشوا حياتهم كاملة في تلك القرى "كيف يمكن لامرأة عاشت عمرها كله في مكان واحد أن تتأقلم فجأة مع حياة جديدة؟ هذا انسلاخ عن الحياة نفسها".

وتختم فداء المحيثاوي حديثها بالتعبير عن خوفها على الأطفال، من أن ينسوا أرضهم مع مرور الوقت، مؤكدة أهمية الحفاظ على الذاكرة الجماعية، ولو بالكلمات والذكريات.

 

"كنا نعيش من الأرض… واليوم لا نملك شيئاً"

أما ناديا نصر من قرية "نجران" فتروي قصة مختلفة في تفاصيلها، لكنها متشابهة في الألم. منذ سنوات اعتمدت على الأرض لتربية أطفالها وتأمين حياتهم. وتقول إن الزراعة كانت مصدر قوتها واستقلالها ومن خلالها استطاعت أن تكبر أبناءها وتعيش بكرامة.

"كنا نزرع ونأكل من خير أرضنا"، مستذكرة أيام كانت فيها العائلة تجتمع حول مائدة واحدة، من إنتاج تعبهم. وتضيف إن تلك الحياة رغم بساطتها كانت مليئة بالرضا والطمأنينة، لكن النزوح قلب كل شيء. لم تعد الأرض متاحة، ولم يعد هناك مصدر دخل.

وتروي بحزن حادثة مأساوية عندما حاول بعض الشبان العودة لزراعة أرضهم، فانفجر بهم لغم، ما أدى إلى مقتل اثنين منهم "منذ ذلك اليوم أصبح الخوف أكبر من الحنين".

وتصف شعور الخروج من المنزل بأنه لا يمكن وصفه "أغلقت باب المنزل وأنا أشعر بأني لن أتمكن من العودة إليه أبداً"، لافتةً إلى أن تلك اللحظة لا تزال عالقة في ذهنها.

وتعيش ناديا نصر حالة من التشتت حيث لم تعد تعرف مكان بعض أفراد عائلتها، وتخشى أن تموت بعيداً عن أرضها.

 

"تعب 30 عام ضاع… لكن لن نتخلى عن أرضنا"

سلوى يوسف كمال كانت تملك بيتاً وأرضاً عاشت منها مع عائلتها لعقود. تقول إن الأرض كانت كل شيء بالنسبة لها "كانت بيتنا، رزقنا، حياتنا"، موضحة أنها وزوجها عملا لسنوات طويلة لبناء حياة مستقرة، وزوجا أبناءهم، واعتمدوا بالكامل على ما تنتجه الأرض.

لكن بعد النزوح، لم يعد هناك شيء "تعب 30 عام ضاع"، وتضيف سلوى يوسف كمال، أن زوجها يعاني من وضع صحي يمنعه من العمل، ما يزيد من صعوبة الوضع "حالياً أعيش في مدرسة، في ظروف صعبة، دون أي مصدر دخل أو فرصة عمل". لكنها تؤكد رغم ذلك تمسكها بحقها في العودة.