كيف تصنع جمعية "النساء أولاً" فرقاً في حياة نساء سيدي بوزيد؟

تقدم جمعية "النساء أولاً" نموذجاً رائداً في تمكين نساء سيدي بوزيد عبر برامج شاملة تجمع بين الدعم النفسي والقانوني والتكوين المهني، مانحةً المستفيدات فرصاً حقيقية لبناء حياة مستقلة واستعادة الثقة والكرامة.

إخلاص الحمروني

تونس ـ في منطقة سيدي بوزيد الداخلية حيث تنفذ فرص الدعم وتضعف شبكات الحماية الاجتماعية، تبرز جمعية "النساء أولاً" كمؤسسة فاعلة، تقدم خدمات شاملة للنساء بهدف تمكينهن، ومساعدتهن على مواجهة الصعوبات، استعادة حقوقهن وتحقيق استقلاليتهن الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

 

تقديم خدمات متكاملة

في هذا الإطار، تقول رئيسة جمعية "النساء أولاً" حياة القادري "بدأت الجمعية، المكونة من ناشطات وناشطين تبنّوا فكرة الدفاع عن حقوق النساء في الجهة، وتقديم الدعم لهن في شتى المجالات، عملها بسنة كاملة من النشاط التطوعي المجاني، وقدمت أكثر من عشرين نشاطاً موجهاً للنساء، خاصة العاملات في القطاع الفلاحي والنساء ضحايا العنف، كما أطلقت مركزاً لمحو الأمية ساهم في توضيح أولويات التدخل".

وبينت أن مرحلة جائحة كورونا كانت نقطة تحول أساسية، إذ انتقلت الجمعية إلى تنفيذ مشاريع ممولة من منظمات دولية، مما مكّنها من تطوير عملها، وتوسيع نطاق تدخلها من المحلي إلى الجهوي، ثم الوطني، قبل أن تنفتح على شراكات دولية في إفريقيا وأوروبا، خاصة مع جمعيات في المغرب ومصر.

وفيما يخص تصميم البرامج، أوضحت حياة القادري أن فلسفة الجمعية تقوم على تقديم خدمات متكاملة، بحيث ترافق المرأة في كل مراحل حياتها، وتشمل هذه الخدمات الدعم النفسي والاجتماعي، والتوجيه القانوني، والتعليم، والتكوين المهني، والرعاية الصحية، والتمكين الاقتصادي، فالمستفيدة التي تلجأ إلى الجمعية تجد فضاءً آمناً للاستماع والدعم، وتوجيهاً قانونياً لاسترجاع حقوقها، وإحاطة نفسية تساعدها على تجاوز الصدمات، فضلاً عن فرص التعليم والتكوين المهني التي تضمن استقلاليتها وقدرتها على العمل.

وأشارت إلى أن الجمعية أنشأت مركزاً لمحو الأمية يستقبل سنوياً أكثر من 40 امرأة، مكّن العديد منهن من تعلم القراءة والكتابة، والانخراط في سوق العمل. كما أطلقت الجمعية مركزاً للتدريب المهني في اختصاصات متعددة، استفادت منه عشرات النساء ضحايا العنف، وتم تمكين عدد منهن من أنشأت مشاريع صغيرة وتوفير المواد الأولية اللازمة.

 

فتح آفاقاً جديدة

نورة خليفي، إحدى المستفيدات، تحدثت عن تجربتها موضحة أن الجمعية غيرت حياتها بالكامل "حرصت على المشاركة الدائمة في الدورات التدريبية التي تنظمها الجمعية في مختلف المشاريع، وعملت ضمن العمل الميداني، وتواصلت مع نساء أخريات، مما أتاح لها اكتساب خبرة عملية ومهارات تعليمية، خاصة في تعليم الكبار ومحو الأمية".  

وأكدت أن المشاركة في هذه البرامج فتحت أمامها آفاقاً جديدة، حيث أصبح بإمكانها تعليم النساء داخل الجمعية وتقديم خدمات متعددة لهن.

وباعتبارها خريجة جامعية كانت عاطلة عن العمل لأكثر من عشر سنوات، وجدت في الجمعية فرصة للعمل واكتساب الخبرة، وفي الوقت نفسه مساعدة نساء أخريات على تحسين أوضاعهن، مؤكدة أن التعلم والتدريب مكنها من الانفتاح أكثر على الناس، واكتساب مهارات اجتماعية وعملية، فضلاً عن حصولها على مصدر رزق ثابت أعاد لها الاستقرار النفسي والاجتماعي، كما انعكس إيجاباً على حياتها الأسرية.

من جانبها، أكدت بديعة قادري، وهي أيضاً مستفيدة من خدمات الجمعية، أن التدخلات القانونية والنفسية كانت لها أثر بالغ في حياتها "الجمعية وفرت لي محامية ترافقني في الإجراءات القانونية، مما منحني شعوراً بالأمان والطمأنينة، كما قدمت لي إحاطة نفسية من خلال مختصين، ساعدتني على تجاوز الاكتئاب والخوف والانطواء، واستعادة ثقتي بنفسي".

وأوضحت أنها بعد هذه المرافقة باتت أكثر قدرة على رعاية أبنائها، وتحقيق الاستقلال المادي، وتلبية احتياجاتهم اليومية، لا سيما المتعلّقة بالدراسة، مما منحها شعوراً بالقوة والكرامة.

واكتسبت بديعة قادري من الدورات التدريبية مهارات عملية مكنتها من العمل وتقديم الدعم للأطفال والنساء الآخرين، وأصبحت أكثر قدرة على التواصل والتحكم في انفعالاتها، واستعادة نشاطها الاجتماعي، مؤكدة أن هذه التدخلات ساعدتها على بناء حياة مستقلة وآمنة لها ولأطفالها.

 

تحديات وإصرار

بالرغم من أن الجمعية تواجه تحديات مستمرة، أبرزها صعوبة الحصول على التمويلات بسبب توقف الدعم الدولي وتعقيدات النفاذ إلى التمويلات الوطنية، أوضحت بديعة القادري أن الجمعية اعتمدت على استراتيجيات بديلة عبر توفير موارد ذاتية من خلال تقديم خدمات مدفوعة داخل مراكز التدريب، إضافة إلى البحث المستمر عن تمويلات وشراكات جديدة خارج تونس.

وبتجاوزها هذه الصعوبات، تواصل جمعية "النساء أولاً" لعب دورها الأساسي في تمكين النساء بسيدي بوزيد، من خلال برامج شاملة تعيد للمرأة ثقتها بنفسها، تزودها بالمعرفة والعمل وتفتح أمامها آفاقاً جديدة لحياة كريمة ومستقلة.