السويداء… وحدة المكونات تتجاوز جراح الأحداث

أكدت ياسمين أمين أن مشاهد التضامن التي عاشتها في السويداء من فتح البيوت وتقاسم الموارد إلى دعم المشاريع المتضررة، أعادت لها الثقة بقدرة المجتمع على التعافي.

روشيل جونيور

السويداء ـ رغم التنوع الديني والطائفي الذي يميز مدينة السويداء، حيث يشكل أبناء الطائفة الدرزية الغالبية إلى جانب وجود مكونات سنية ومسيحية، وعرفت المنطقة تاريخياً بحالة من التعايش والاستقرار الاجتماعي. ولم يكن هذا التماسك وليد اللحظة، بل هو نتاج عقود طويلة من العلاقات الإنسانية المتينة التي تجاوزت الانتماءات الضيقة، وأسست لنسيج اجتماعي متماسك.

مع الأحداث الأخيرة وما رافقها من عنف وخطاب طائفي، برزت تساؤلات حول مدى تأثير هذه التطورات على وحدة المجتمع المحلي، خاصة في ظل ما شهدته مدينة السويداء من اعتداءات دموية استهدفت المدنيين على خلفيات طائفية، إلا أن شهادات من داخل السويداء تعكس صورة مختلفة، تؤكد تمسك الأهالي بقيم التضامن والتكاتف، حتى في أصعب الظروف.

في هذا السياق، تروي ياسمين أمين وهي امرأة تقيم في السويداء منذ سبع سنوات، تجربتها التي تقدم نموذجاً حياً عن طبيعة العلاقات داخل المجتمع، تقول إنها ذهبت إلى مدينة السويداء برفقة ابنة عمتها وافتتحتا مشروعاً صغيراً، لتندمج سريعاً في بيئة لم تسألها يوماً عن دينها أو انتمائها، بل تعاملت معها على أساس إنساني بحت.

وتوضح أن ما تغير بعد الأحداث الأخيرة لم يكن سلوك الناس، بل فقط الوعي بالانتماءات التي لم تكن مطروحة سابقاً في الحياة اليومية "أصبحنا نعرف من هو السني ومن هو الدرزي، لكن ليس لأن الناس تغيرت، بل لأن الظروف فرضت هذا التصنيف"، مؤكدة أن العلاقات بقيت قائمة على الاحترام ذاته.

خلال ذروة التوتر، وجدت ياسمين أمين نفسها أمام اختبار حقيقي، إلا أن ما عاشته بحسب وصفها، كشف عمق الروابط بين المكونات. فقد بادرت عائلات درزية إلى استضافتها وتأمين الحماية لها داخل منازلها، رغم معرفتهم بانتمائها السني، خشية تعرضها لأي أذى. وتقول "في وقت الخوف، كانوا هم من يطمئنونني، ويؤكدون أني واحدة منهم".

ولا تقتصر هذه التجربة على بعدها الفردي، بل تعكس تاريخاً طويلاً من العلاقات بين العائلات السنية والدرزية في السويداء، حيث استقرت عائلات سنية منذ عقود، ونسجت علاقات جيرة وعمل مع المجتمع المحلي ومشاركة الأفراح والأتراح، لتصبح جزءاً أصيل من نسيجه. وتؤكد ياسمين أمين أن هذه الروابط لم تضعف بفعل الأزمة، بل ازدادت قوة وتماسك.

وأضافت "يبرز دور النساء في السويداء كركيزة أساسية في الحفاظ على هذا التماسك الاجتماعي"، واصفة المرأة في السويداء بأنها "عمود المجتمع"، لما تؤديه من أدوار متعددة، بدء من رعاية الأسرة، وصولاً إلى إدارة الأزمات وتعزيز روح التضامن، مشيرة إلى أن النساء لعبن دوراً مهماً في تهدئة النفوس، واحتواء المخاوف، ونقل قيم التعايش إلى الأجيال الجديدة.

 

التعايش ممارسة يومية تتجلى في أوقات الأزمات

ولفتت إلى أن التربية السائدة في المجتمع المحلي تقوم على احترام الإنسان وأخلاقه، بعيداً عن التصنيفات الدينية، وهو ما ساهم في ترسيخ ثقافة قبول الآخر "الناس هنا تربي أبناءها على كيفية التعامل، وليس الانتماء".

ورغم الألم والخسائر التي خلفتها الأحداث، تؤكد ياسمين أمين أن مشاهد التضامن التي عاشتها، من فتح البيوت وتقاسم الموارد إلى دعم المشاريع المتضررة، أعادت لها الثقة بقدرة المجتمع على التعافي. فقد ساهم جيرانها وأصدقاؤها في مساعدتها على إعادة افتتاح مشروعها، في صورة تعكس عمق التكاتف بين الأهالي.

وفي ختام حديثها تقول ياسمين أمين إن السويداء رغم الجراح، ما تزال متمسكة بوحدتها الداخلية. فالتاريخ المشترك، والعلاقات العائلية الممتدة، والدور الفاعل للنساء، كلها عوامل عززت من صمود المجتمع، وأكدت أن التعايش ليس مجرد شعار، بل ممارسة يومية تتجلى بوضوح في أوقات الأزمات.