سوريون خارج مظلة الحماية في جنوب لبنان... نزوح يتكرر وملاذات تُغلق
مع تصاعد الهجمات في جنوب لبنان وازدياد موجات النزوح، يجد آلاف السوريين المقيمين منذ سنوات أنفسهم خارج مراكز الإيواء التي فُتحت للنازحين اللبنانيين، لتطفو إلى السطح معاناة مضاعفة لعائلات تُركت بلا حماية ولا مأوى.
فاديا جمعة
لبنان ـ مع اتساع رقعة الهجمات في جنوب لبنان وتزايد موجات النزوح من القرى والبلدات الحدودية، امتلأت مراكز الإيواء بآلاف العائلات اللبنانية النازحة من الجنوب وضاحية بيروت.
غير أن الهجمات كشفت أيضاً عن طبقة أخرى من المعاناة يعيشها السوريون المقيمون في الجنوب منذ سنوات طويلة، والذين وجد كثير منهم أنفسهم خارج معادلة الحماية والمساعدة.
فبينما تُفتح المدارس والمراكز العامة لإيواء النازحين اللبنانيين، يتحدث سوريون عن قرارات أو تعليمات تمنع استقبالهم في هذه المراكز، ما يترك عائلات كاملة في العراء، بلا مأوى ولا مورد.
معاناة تتجدد بعد قرار بإخلاء مراكز الإيواء
في مدينة صيدا، تروي صبوحة محمد علي، وهي سورية مقيمة في لبنان منذ نحو عقدين، قصة نزوحها الأخيرة، بعدما طُلب منها مغادرة مركز إيواء كانت تأمل أن يحمي عائلتها من الشارع. وتقول "أنا أقطن في النبطية منذ عام 2006. أسست حياتي في هذه المدينة، وأولادي الثلاثة وُلدوا جميعاً في النبطية. لم يعد لدي أي شيء في سوريا، ولا أملك هناك حتى حبة تراب".
وتروي أن الحرب في سوريا سلبتها آخر ما كانت تملكه "ملكي الوحيد كان بيتاً في سوريا، خسرته في الحرب قبل عام ونصف، ولم أتلق أي تعويض عنه".
ومنذ سنوات تعتمد على العمل في تنظيف المنازل لتأمين لقمة العيش لعائلتها "أعمل في البيوت لأعيل عائلتي. زوجي رجل مسن ومريض، وأنا أيضاً مريضة قلب، وأنا المسؤولة عنه وعن أولادي الثلاثة"، لكن الهجمات الأخيرة في الجنوب أجبرت العائلة على النزوح من النبطية "بعد اندلاع الحرب نزحنا إلى صيدا. توجهنا إلى مركز إيواء، لكن للأسف طُلب منا نحن السوريين إخلاء المركز"، قائلة "لا أعرف ما ذنبنا نحن السوريين ليتم رميُنا في الشارع من دون إيواء".
اليوم، تجد العائلة نفسها بلا مأوى ولا مورد "ليس لدي أي طلبات سوى سقف يأويني مع عائلتي. لا أملك المال لنأكل، ولا لأدبر أمور عائلتي"، موضحة أن وضعها القانوني كان مستقراً لسنوات، قبل أن تتعقد ظروفها "كانت أوراقي نظامية، وكنت مسجلة لدى الأمم المتحدة وأستفيد من تقديماتها الصحية. لكن بعد زيارة قصيرة لسوريا تزامنت مع دخول الجيش الحر، اضطررت لمغادرتها تهريباً والعودة إلى لبنان".
وتضيف "اليوم لم يعد لدي أي تواصل مع هيئة الأمم المتحدة، ولا أحد يدعمنا"، وتختصر واقعها بكلمات قليلة ولكنها ثقيلة "نحن اليوم في الشارع بلا مأوى ولا مال. كل ذنبنا أننا سوريون".
ورغم كل ذلك، لا تخفي ارتباطها بالمكان الذي عاشت فيه معظم حياتها "عشت في هذا البلد 19 سنة، ولم أفرق يوماً بين طائفة وأخرى"، مناشدة من اتخذ هذا القرار أن يعيد النظر فيه "عليهم أن ينظروا إلى وضعنا. بلدي هو جنوب لبنان، ولي الشرف أن أموت فيه".
مصير معلق لعائلات على هامش الحرب
قصة صبوحة محمد علي ليست سوى واحدة من آلاف القصص فمع احتدام الحرب في جنوب لبنان، يجد عدد من السوريين المقيمين منذ سنوات أنفسهم خارج شبكات الحماية الرسمية وغير الرسمية، في ظل قرارات أو ممارسات تمنع استقبالهم في بعض مراكز الإيواء وتعتبر الأولوية للمواطن اللبناني.
وبينما يهرب الجميع من القصف ذاته، يبقى مصير هؤلاء معلقاً بين شارع لا يحميهم، ومراكز نزوح لا تستقبلهم، وموارد شحيحة لا تؤمن لهم البقاء.
ففي زمن الحرب، تتحول الجنسية أحياناً إلى خط فاصل بين من يجد سقفاً يحتمي تحته، ومن يُترك لمواجهة النزوح وحده.