كبار السن في زمن الحرب... الهشاشة المنسية ودروس الصمود
في خضم مشاهد الحرب التي تركز على الجنود والنازحين، تهمش فئة كبار السن التي تعيش الصراع ببطء أشد قسوة، فهم لا يملكون إمكانية إعادة بناء حياتهم، ويواجهون انهيار الرعاية الصحية، وتراكم الأحزان، وفقدان السيطرة على تفاصيل يومهم.
شيلا قاسمخاني
مركز الأخبار ـ في السرديات الرسمية والإعلامية للحرب، ولا سيما في ظل التصعيد القائم بين إسرائيل وإيران، تهيمن صورة الشباب على المشهد: الجنود، والضحايا، والنازحون. لكن على هامش هذه الصور السريعة، توجد فئة أقل وضوحاً؛ أولئك الذين لا يملكون القدرة على الفرار ولا إمكانية إعادة بناء حياتهم بسرعة، ألا وهم كبار السن. بالنسبة لهم، الحرب ليست مجرد أزمة خارجية، بل هي تآكل تدريجي للحياة اليومية؛ تآكل يحدث في صمت ونادراً ما يتم التحدث عنه.
انهيار سلسلة الرعاية الصحية
يواجه كبار السن في المقام الأول مشكلة "النزوح" في الحرب. تقول سيما. ق، من طهران "أشعر بخوف شديد من الحرب. عندما تبدأ الهجمات الصاروخية، أسرع إلى الزقاق. وبعد انتهاء الهجمات، أخشى العودة إلى المنزل. زوجي وأبنائي يصرون على إعادتي. يقول لي أبنائي أن أذهب إلى المدينة، لأنه إذا ساء الوضع، سأكون عبئاً عليهم، لكنني لن أذهب إلى أي مكان بدونهم".
بالنسبة للكثيرين منهم، لا يقتصر الوطن على كونه مكاناً مادياً فحسب، بل هو "ذاكرة حية"؛ مجموعة من الذكريات والأشياء والأصوات والعادات التي شكلت هويتهم. إن مغادرة هذا الوطن، حتى لإنقاذ حياتهم، تحدث شرخاً نفسياً عميقاً. فبينما قد يتمكن الشاب من إعادة تعريف نفسه في مدينة أو بلد آخر، غالباً ما يكون المسن عاجزاً عن التأقلم مع هذا التغيير. فهو لا يتعلم لغة جديدة بسهولة، ولا يتكيف مع نمط حياة جديد، ولا يبني شبكة اجتماعية جديدة. والنتيجة هي نوع من العزلة المزدوجة، فقدان الوطن وفقدان إمكانية بناء وطن جديد.
من جهة أخرى، تُعطل الحرب بشدة إمكانية الحصول على الرعاية الصحية، وهي ضرورية لكبار السن. فالأمراض المزمنة كالسكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب تتطلب رعاية مستمرة. وفي حالات الحرب، قد تنهار هذه السلسلة بسهولة. إذ تصبح الأدوية شحيحة، وتُدمّر المستشفيات أو تُكتظ، وتصبح طرق الوصول غير آمنة. بالنسبة لكبار السن، حتى انقطاع قصير عن تناول الدواء قد يشكل أزمة خطيرة.
تقول سارة. ل "ذهبت والدتي إلى أختي، حيث المكان آمن. لكننا لم نتمكن من إقناع والدي بالذهاب. فهو يعاني أيضاً من مشكلة في القلب. في كل مرة أسمع فيها أخبار الهجمات الصاروخية، ينتابني قلق شديد على والدي. أخشى أن يتسبب صوت الانفجارات في توقف قلبه أو أن ينسى تناول دوائه"، هكذا يمكن للحرب أن تُفاقم الأمراض أو حتى أن تودي بحياة الناس دون قصف مباشر.
حزن متراكم وعودة جراح قديمة
لكن الضرر لا يقتصر على الجانب الجسدي فحسب. فكبار السن أكثر عرضة من غيرهم لتراكم الأحزان. ربما يكونون قد مروا بتجارب حرب أو نزوح أو فقدان في وقت سابق من حياتهم. الحرب الجديدة تُعيد إحياء هذه الجراح القديمة. بالنسبة لهم، فقدان الأبناء أو الأحفاد أو الجيران أو الأصدقاء ليس مجرد خسارة جديدة، بل هو طبقة أخرى تُضاف إلى مجموعة من الأحزان التي لم تُشفَ. وهذا قد يؤدي إلى اكتئاب حاد، أو قلق مزمن، أو حتى نوع من النفور من الحياة.
في كثير من الحالات، يهمش كبار السن أيضاً في بنية الأسرة. في أوقات الأزمات، تُجبر الأسر على اتخاذ قرارات سريعة وصعبة: من يستطيع السفر؟ من يستطيع إيجاد عمل؟ من يستطيع التأقلم مع الظروف الجديدة؟ غالباً ما تكون الإجابات لصالح الشباب.
تقول شيدا. ف "تضطر والدتي المسنة للبقاء في المنزل لرعاية زوجها المسن والمريض. عندما أُطلق صاروخ بالقرب من منزلهم، سقط زوج والدتي من فراشه، ولأنه مصاب بمرض الزهايمر، اتهمها قائلاً: أنتِ من دفعتِني عن السرير".
تشعر شيدا. ف بالذنب والإحباط لعدم قدرتها على التواجد مع والدتها خلال هذه الأيام الصعبة. هذه الخيارات، رغم ضرورتها، تؤدي بطريقة ما إلى تجاهل كبار السن. قد يتركون في منازل متهالكة، أو ينقلون إلى مراكز تفتقر إلى المرافق المناسبة، وفي أحسن الأحوال، قد يصبح شعورهم بأنهم عبء على الآخرين واقعاً يعيشونه.
فقدان السيطرة على الحياة
ثمة مشكلة أخرى تتمثل في انهيار الشعور بالسيطرة. لطالما كافح كبار السن للحفاظ على استقلاليتهم من إدارة منازلهم، وتخطيط حياتهم اليومية، واتخاذ القرارات المتعلقة بها. لكن الحرب تدمر هذا الشعور تماماً. فجأة، يصبح الآخرون هم من يتخذون القرارات نيابةً عنهم؛ إلى أين يذهبون، وماذا يأكلون، ومتى ينتقلون. هذا الفقدان للقدرة على اتخاذ القرارات قد يؤدي إلى شعور بالعجز والإذلال، وهي مشاعر قد تكون أحياناً أشد وطأةً من الخطر الجسدي نفسه.
في العديد من الأزمات المعاصرة، يُتاح الوصول إلى المعلومات والمساعدة عبر الأدوات الرقمية، لكن كبار السن الذين لا يجيدون استخدام هذه الأدوات يُستبعدون فعلياً من الشبكة. فهم لا يعرفون أين تُوزع المساعدة، أو كيفية التسجيل، أو كيفية التواصل مع الآخرين. هذه الفجوة الرقمية، في الواقع، تُصبح شكلاً من أشكال الإقصاء الهيكلي.

دور كبار السن في الصمود الجماعي
لا ينبغي حصر صورة كبار السن في الحرب في صورة الضحايا فقط. فالكثير منهم حاملون للذاكرة التاريخية، ويحملون معهم تجاربهم الحياتية في الأزمات السابقة، ويمكن أن يكونوا مصدراً للصمود الجماعي. قصصهم عن النجاة والتكيف، بل وحتى الأمل، قادرة على إلهام الأجيال الشابة، شريطة أن يصغي المجتمع إليهم.
في مجال السياسات الإنسانية، يجب أن ينتقل الاهتمام بكبار السن من الهامش إلى صلب السياق. ومن بين التدابير التي يمكن أن تحدّ من بعض هذه الأضرار؛ إنشاء ملاجئ مصممة خصيصاً لتلبية احتياجاتهم الجسدية، وضمان حصولهم على الأدوية الأساسية، وتصميم أنظمة معلومات بسيطة وسهلة الاستخدام، وتقديم دعم نفسي خاص. والأهم من ذلك، على الجميع تجنب النظر إليهم كأداة، ووضع كرامتهم الإنسانية في صميم عملية صنع القرار.
الحرب عموماً زمنٌ للظلم الشديد، لكن هذا الظلم يتضاعف بالنسبة لبعض الفئات، بما في ذلك كبار السن. فهم في وضعٍ هشٍ ومُهمل. ولعلّ من أكثر الأسئلة إلحاحاً "ماذا تفعل الحرب بمن لم يعد بإمكانهم الفرار؟" إن الإجابة على هذا السؤال، إن أُجيبت بصدق، تجبرنا على إعادة النظر ليس فقط في الحرب نفسها، بل أيضاً في طريقة تعاملنا مع أكثر فئات المجتمع ضعفاً.