واقع الإعلاميات في اليمن... تحديات تتضاعف في بيئة شديدة الخطورة

تشير تقارير دولية إلى أن الصحفيين في اليمن باتوا يعملون تحت تهديد مستمر، ما دفع كثيرين إلى مغادرة البلاد، بينما اضطر آخرون إلى تقليص نشاطهم أو الانسحاب من العمل الميداني، خشية التعرض للاستهداف.

رحمة شنظور

اليمن ـ في بلدٍ تحوّل فيه العمل الإعلامي إلى ساحة مفتوحة للخطر، جاءت جريمة اغتيال الصحفية رشا الحرازي لتكشف حجم العنف الذي يطوّق الصحفيات في اليمن. حادثة واحدة من سلسلة طويلة من الانتهاكات التي جعلت حضور المرأة في الإعلام مغامرة يومية، تتقاطع فيها التهديدات الأمنية مع القيود الاجتماعية، في بيئة لا تعترف بحق الصحفيات في العمل بأمان.

في مساء 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، لم تكن الصحفية رشا عبد الله الحرازي (27 عاماً) في طريقها إلى تغطية جريمة أو فضح فساد، بل إلى مستشفى الولادة لتضع طفلها المنتظر. لكن العبوة الناسفة التي زرعت في سيارتها حولت لحظة الولادة إلى مشهد اغتيال مزدوج، أودى بحياتها وحياة جنينها الذي لم ير النور، وأصاب زوجها الصحفي محمود العتمي بجروح خطيرة.

هذه الجريمة، التي هزت الوسط الإعلامي اليمني، لم تكن حادثة معزولة، بل تجسيداً لواقع مرير تعيشه الإعلاميات اليمنيات: صراع يومي مع الخوف من الموت، وحملات تحريض تحول الجسد إلى ذريعة للاستهداف، وغياب تام للعدالة في بلد بات فيه الصحفيون أهدافاً مباشرة للقمع والتصفية الجسدية.

 

حضور محدود... ومخاطر متزايدة

تكشف البيانات المتاحة عن حجم التحديات التي تواجهها الصحفيات في اليمن، في ظل بيئة إعلامية غير مستقرة ومخاطر متزايدة. فبحسب استبيان أجرته نقابة الصحفيين اليمنيين، لا تتجاوز نسبة النساء العاملات في المجال الصحفي 20% من إجمالي الصحفيين، ما يعكس ضعف تمثيل المرأة في هذا القطاع.

ولا يقتصر التحدي على محدودية الحضور، بل يمتد إلى طبيعة البيئة التي تعمل فيها الصحفيات. إذ تشير تقارير حقوقية إلى تسجيل مئات الانتهاكات سنوياً بحق الصحفيين والصحفيات، تشمل الاعتقال، والتهديد، والمحاكمات، ومنع العمل، إضافة إلى الاعتداءات المباشرة.

 

"أكثر من 2000 انتهاك"

خلال سنوات الصراع، تصاعدت وتيرة هذه الانتهاكات بشكل لافت، فقد وثقت نقابة الصحفيين اليمنيين، بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحفيين، ما مجموعه 2014 حالة انتهاك للحريات الإعلامية منذ اندلاع الحرب عام 2015 وحتى نيسان/أبريل الماضي، في مؤشر وصفته النقابة بأنه "الأوسع منذ إعادة تحقيق الوحدة عام 1990".

ويعكس هذا الرقم مساراً تصاعدياً من التضييق على العمل الصحفي، حيث تنوعت الانتهاكات بين 482 حالة احتجاز (اختطاف واعتقال وملاحقة)، و244 حالة اعتداء مباشر على صحفيين ومؤسسات إعلامية، إلى جانب 223 حالة تهديد وحملات تحريض.

كما سجل التقرير 212 حالة حجب لمواقع إلكترونية، و175 حالة محاكمات واستجوابات، و125 حالة إيقاف رواتب ومستحقات، إضافة إلى 74 حالة تعذيب، و72 حالة منع من التغطية.

وفي جانب أكثر خطورة، وثق التقرير 55 حالة شروع بالقتل، و46 حالة قتل لصحفيين، فضلاً عن 165 حالة إيقاف لوسائل إعلام، و41 حالة فصل تعسفي، و38 حالة مصادرة لممتلكات مؤسسات إعلامية.

في هذا السياق، تبدو الصحفيات أكثر عرضة لهذه المخاطر، نظراً لتقاطع التحديات الأمنية مع القيود الاجتماعية، ما يجعل تجربتهن في العمل الإعلامي أكثر تعقيداً، ويضاعف من حجم التحديات التي يواجهنها يومياً.

 

استهداف مضاعف

وفيما يعاني الصحفيون عموماً من بيئة عدائية، تواجه الصحفيات تحديات إضافية. فقد أشار 128 مشاركاً إلى أن الصحفيات يتعرضن بشكل أكبر للتهديدات والعنف اللفظي، خاصة عبر وسائل التواصل الافتراضي.

هذا الاستهداف لا يقتصر على العمل المهني، بل يمتد إلى الحياة الشخصية، حيث تتحول الصحفية إلى هدف لحملات تشويه، غالباً ما تستند إلى النوع الاجتماعي، في محاولة لإسكاتها أو دفعها للانسحاب.

فإلى جانب النظرة المجتمعية التقليدية التي لا تزال تقيد حضور المرأة في المجال الإعلامي، وتضع أدوارها ضمن أطر ضيقة، تفرض الأوضاع الأمنية غير المستقرة واقعاً أكثر تعقيداً، حيث يتحول العمل الصحفي، خصوصاً الميداني، إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر، قد تعرّض الصحفية للتهديد أو الاستهداف في أي لحظة.

ولا تتوقف هذه التحديات عند هذا الحد، بل تمتد إلى بنية العمل الإعلامي نفسها، من محدودية الفرص، إلى ضعف الحماية، وصولاً إلى صعوبات الوصول إلى المعلومات، ما ينعكس بشكل مباشر على أداء الصحفيات واستمراريتهن في المهنة.

 

"نعيش وكأننا في غابة"

في هذا الإطار، تقول الصحفية اليمنية ريناد العمراني إن "الواقع مؤلم جداً، فنحن نعيش وكأننا في غابة، ولا يوجد أي قانون يحمينا كنساء أو كإعلاميات".

وتضيف "لا نستطيع ممارسة حقوقنا كإعلاميات على أرض الواقع بوضوح. لا أستطيع التعبير عن ميولي السياسية أو عن نفسي بحرية، لأن ذلك قد يعرضني للأذى. هناك حوادث كثيرة تجعل أي إعلامية تشعر بالخوف، خصوصاً من تعملن في الميدان ويتنقلن بين المناطق. قد تذهبين إلى مكان فتحسبين ضد فئة معينة، وفي مكان آخر تصنفين ضد فئة أخرى، ما يدفعنا للصمت والتكيّف مع واقع اجتماعي وثقافي قاسٍ".

وتؤكد ريناد العمراني أن غياب الحماية القانونية يفرض قيوداً قاسية على حرية التعبير، قائلة إن "الحكومة لا تتحمل مسؤولية حمايتنا، ولا توجد قوانين تحمينا، لذلك لا يمكنني التصريح بأي ميول سياسي"، مشيرة إلى أن فرص العمل نفسها أصبحت مرتبطة بالانتماءات "غالباً ما ترتبط الفرص بميولك السياسية، وإذا لم يكن لديك انتماء واضح، فمن الصعب أن تجدي عملاً".

 

"واقع أكثر قسوة من الإقليم"

من جهتها، ترى الدكتورة ورئيسة قسم علم الاجتماع بجامعة تعز ذكرى العريقي، أن واقع الإعلاميات في اليمن يتجاوز التحديات المهنية المعتادة، ليعكس أزمة أعمق يعيشها المجتمع ككل "قد يبدو واقع الإعلاميات في اليمن مشابهاً لنظيره في العالم العربي، لكنه في الحقيقة أكثر قسوة، بسبب غياب الوعي المجتمعي بدور المرأة في الإعلام، وضعف اهتمام الجهات الرسمية بدعمها".

وتوضح أن البيئة المحيطة بالإعلاميات "مليئة بالمخاطر الأمنية والتحديات الاجتماعية المعقدة الناتجة عن الحروب والنزاعات"، ما يجعل العمل الإعلامي مهمة شاقة، رغم قدرة كثير من الإعلاميات على الاستمرار وتجاوز هذه الظروف.

 

الانهيار الاقتصادي... ضغط إضافي

أما ليبيا سعيد وهي دكتورة لغة عربية في قسم الإعلام، فتسلط الضوء على الجانب الاقتصادي والمهني، مشيرة إلى أن "أوضاع الإعلاميات، خصوصاً خلال سنوات الحرب، تدهورت بشكل كبير، في ظل انقطاع الرواتب وغياب الاستقرار الوظيفي". وتضيف أن "الصحفيين يفتقرون إلى أي شكل من أشكال الحماية، كما أن التنقل بين المحافظات أصبح صعباً وخطراً، ما يحد من فرص العمل الميداني".

ولفتت إلى أن "قول كلمة الحق بات محفوفاً بالمخاطر، في ظل بيئة لا تتسامح مع الأصوات المستقلة"، مشيرة إلى أن "السنوات الماضية شهدت مقتل عدد من الصحفيين بطرق مختلفة، فقط لأنهم حاولوا نقل الحقيقة". وتؤكد أن هناك من يسعى لمحاربة حرية الصحافة ومنع نقل الصورة بوضوح.

ورغم هذا الواقع القاسي، لم تغب محاولات الصمود فقد لجأت العديد من الصحفيات إلى العمل في منصات إعلامية، بحثاً عن مساحة للتعبير بعيداً عن القيود المفروضة، وسعياً لنقل صوت المجتمع وقضاياه.

مع استمرار التحديات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية، يبقى مستقبل الإعلاميات في اليمن مرهوناً بمدى توفر بيئة أكثر أماناً وعدالة. وبين واقع قاسٍ لا يخلو من المخاطر، وإصرار لا ينكسر، تواصل الصحفيات اليمنيات كتابة قصصهن، ليس فقط كناقلات للخبر، بل كصانعات للأمل في واحدة من أكثر البيئات تعقيداً.