نزيف دم النساء مستمر دون رادع... ضحية أخرى والوجع الصامت
لا يكاد يمر يوم دون أن تتصدر الأخبار جريمة قتل جديدة لامرأة على يد زوجها بطرق متعددة، وهو ما يعكس واقعاً مقلقاً في تونس، وتعزي النسويات هذا الوضع إلى غياب رؤية وطنية شاملة لمعالجة هذه الظاهرة.

زهور المشرقي
تونس ـ أصبح مقتل النساء في تونس واقعاً مؤلماً يتصدر نشرات الأخبار بشكل متكرر، وآخر هذه الحوادث كان مقتل امرأة في العقد السادس من عمرها داخل منزلها في ولاية قابس، ومقتل شابة في ولاية منوبة على يد زوجها، الذي وجه إليها طعنات قاتلة إثر خلاف بسيط.
هذه الحوادث تأتي في سياق أزمة مستمرة من العنف والقتل ضد النساء، في وقت يغيب فيه تفعيل استراتيجية وطنية فعالة للحد من هذه الظاهرة، رغم وجود القانون 58 لسنة 2017 الذي يهدف إلى مكافحة العنف ضد النساء، وبالرغم من التشريعات، تظل آلة العنف تسحق الأرواح دون رادع.
ففي العام الماضي قتلت 27 امرأة وفق إحصائيات المجتمع المدني وأغلبهن على يد أزواجهن، وكن ضحايا حقيقية لمنظومة اختارت المواجهة بوضع القانون فقط لا بالدفع بتنفيذه وإجبار الجهات القضائية على محاكمة الجناة به لاعتبار صرامته في المحاكمة.
وبحسب الإحصائيات 38% من النساء قتلن طعناً بالسكين، و29% باستعمال آلة حادة، و13% حالة خنقاً، و8 ذبحاً، و4% دهساً وحرقاً، وتجدر الإشارة إلى أن 27% من جرائم قتل النساء والفتيات هن من الفئة العمرية ما بين 26 إلى 35 عاماً، تليها الفئة العمرية ما بين 36 و45 عاماً بنسبة 26%.
وعن الأسباب الكامنة وراء زيادة جرائم قتل النساء في تونس تقول المختصة في علم الاجتماع والرئيسة السابقة للجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات نايلة الزغلامي، أن المجتمع الذكوري الذي يستضعف النساء دافع للتقتيل لكن الإشكال الحقيقي لمناهضة الآفة تتمثل في تقصير وزارة العدل في مسألة حماية النساء.
وأوضحت أن المكافحة تتطلب ميزانية ورؤية وتصور وسن قوانين من أجل حمايتهن في الفضاءات الرقمية، معتبرة أن المرسوم عدد 54 لا يمكن أن يفي بهذا الغرض لاعتباره قمعي وعليه يجب إلغائه بشكل عاجل ووضع تشريعات تقي النساء من العنف السيبراني قبل أن يصل إلى فقدان حياتهن لاعتبارهن في خانة الناجيات من الموت.
من جانبها أكدت رئيسة جمعية حراير بلادي فضيلة محمد الدشراوي، على أن عدم التوازن الاجتماعي والفقر والبطالة والتهميش وانهيار المنظومة الصحية والتربوية وندرة الموارد والانقطاع المبكر عن الدراسة، كلها أسباب تخلق توتر اجتماعي يضر النساء لاعتبارهن تعانين هشاشة كبرى تؤدي إلى خلق صراعات داخل الأسرة، مشيرةً إلى أن حوالي 70% من حالات العنف وقتل النساء ارتكبت على يد الأزواج والبقية من قبل أحد الأقرباء.
ونوهت إلى أن طرق القتل باتت مرعبة ووصلت أحياناً حد القتل بتشفي وغل، وقد عاشت رفقة الشارني التي قتلها زوجها الأمني بست رصاصات، تلك التجربة، لافتةً إلى أن نسب القتل تزداد عاماً بعد آخر، ففي عام 2023 قتلت حوالي 25 امرأة في تونس، وشهد عام 2024 مقتل 27 امرأة، وفقاً للحالات التي توثيقها والإعلان عنها.
وحذرت من استمرار التزام النساء الصمت تجاه العنف الذي يبدأ بمناوشات ومن الاستهانة بالفعل المرتكب أحياناً من قبل رجال الأمن حين تختار الضحية تقديم الشكوى وهو ما يشجع المعتدي ويشعره بالراحة ويأخذ حريته في استمرار العنف إلى أن يصل للقتل.
ودعت النساء إلى عدم الخوف من تقديم الشكاوي حتى لا يكون المشهد أبشع وتكن الضحايا القادمات، محذرة من التهاون بقتل النساء من قبل السلطات وبطول الإجراءات القانونية والقضائية وتكلفتها التي تدفع الضحية أحياناً إلى التراجع والتخلي.
وألقت فضيلة محمد الدشراوي باللوم على وسائل الإعلام على طريقة التعاطي مع جرائم اختطاف وقتل الأطفال حيث باتت وسيلة للـ "البوز" وكسب نسب مشاهدة أكثر لا غير، وعدم الاهتمام بهذه القضية من قبل الإعلام العمومي الذي لا يريد إحراج السلطة وكشف الحقيقة لها وللعامة لمعالجتها ووقفها عبر دراستها وتحليلها للخروج بنتائج تفهم الآفة وتحد منها.
و"البوز" ظاهرة انتشرت خلال السنوات الأخيرة، وهي قيام وسائل الإعلام أو الوسائل الرقيمة بتسليط الضوء على شخصية أو حدث أو تصريح لنجوم أو مواطنين، ويتم تسويقه عبر مقاطع فيديو بشكل سريع على مختلف وسائط التواصل الافتراضي، للحصول على المشاهدات والإعجاب.
أما الناشطة النسوية والحقوقية وعضوة منظمة مساواة ضحى قلال، ترى أن القوانين لم تعد كافية لمجابهة قتل النساء، مشيرة إلى أن جريمة القتل شُرع لها من قبل السلطة مع عدم تفعيل القوانين وضعف الآليات التي شجعت المعنف.
وأوضحت "يومياً تقريبا نسمع أن جريمة قتل استهدفت امرأة، ويكون عادة قد ارتكبت الجريمة من قبل الزوج، فالأمر بات سهلاً خاصة مع عدم محاسبة الجاني بشكل صارم وتطبيق القانون بشكل فعلي، علاوة على أن المناخ الاقتصادي والاجتماعي والعقلية الذكورية والأبوية الطاغية تُغيب آليات المقاومة".