فرض أيديولوجية السلطة الجديدة يفقد القطاع التعليمي في سوريا حياده

تغيير اسم المدرسة ورموزها حسب كل سلطة يجبر الطالب للتفكير وفق أيديولوجية السلطة، ليتأثر بمنظومة فكرية محددة، تجعله تابعاً لا مبدعاً، فتتحول المدرسة من مساحة تعليمية محايدة إلى أداة توجيه سياسي وفكري.

روشيل جونيور

السويداء ـ سارعت الحكومة السورية المؤقتة عبر وزارة التربية إلى تغيير أسماء المدارس بما يتوافق مع أيديولوجيتها، وادعت أن التغيير شمل الأسماء المرتبطة بحزب البعث، لكن الحقيقة أن التغيير اتجه لإلغاء رموز وطنية وثقافية تمثل جزءاً من تاريخ سوريا.

في ظل التحولات السياسية التي شهدتها سوريا خلال العام الأخير برزت عدة قضايا تحد من تطور التعليم في سوريا، مثل إدخال تغييرات على المناهج لتأخذ طابعاً دينياً، وفصل آلاف المعلمين والمعلمات، وأخيراً قضية تغيير أسماء المدارس.

وهذه التغييرات تطرح سؤالاً مجتمعياً حول أيهما أولى تغيير أسماء المدارس التي تحمل رموزاً تاريخية ووطنية، أم إصلاح البنية التحتية المتهالكة لهذه المدارس؟ 

إن قضية تغيير أسماء المدارس أثارت الجدل، لما تحمله من أبعاد تتجاوز القرار الإداري إلى صراع رمزي يمسّ الهوية الوطنية، والذاكرة الجمعية، ومستقبل الأجيال القادمة.

ناشطون ومدنيون ومعلمون خاصة من مدينة السويداء حذروا من خطورة هذه الخطوات، معتبرين أنها تأتي في سياق تسييس التعليم وفرض أيديولوجيات دينية وسياسية تخدم السلطة الحالية، على حساب حيادية القطاع التعليمي ووحدته الوطنية.


قرار إداري أم معركة رمزية؟

توضح جيهان العوام معلمة وناشطة مدنية من مدينة السويداء جنوب سوريا أن "تغيير أسماء المدارس خلال فترة حكم سلطات الأمر الواقع لا يمكن اعتباره إجراءً إدارياً عادياً، بل معركة رمزية تهدف إلى إضفاء طابع سلطوي وأيديولوجي على المؤسسة التعليمية".

وأشارت إلى أن الدوافع الأساسية لهذه التغييرات تتمثل في "سحب الشرعية الرمزية من الحكومات السابقة، واستبدالها برموز دينية أو سياسية تخدم السلطة الحالية، ما يساهم في تثبيت أيديولوجية التبعية لدى الطلاب منذ سن مبكرة".

وأوضحت أن الطالب، مع تغيير اسم المدرسة ورموزها، يصبح عرضة للتأثر بمنظومة فكرية محددة، تجعله تابعاً بشكل شبه كامل للسلطة الجديدة الأمر الذي يحول المدرسة من مساحة تعليمية محايدة إلى أداة توجيه سياسي وفكري.


تفكيك الفسيفساء السورية

من أخطر الانعكاسات السلبية لهذه السياسات، بحسب ما قالت جيهان العوام هو تغيير أسماء المدارس باتجاه ديني أو أيديولوجي واحد ضمن مناطق محددة "هذا التوجه يهدد وحدة الجغرافيا السورية، ويدفع نحو تقسيم المجتمع وربط كل منطقة بهوية دينية أو سياسية معينة".

وحذرت من أن هذا المسار يضرب جوهر التنوع السوري، الذي شكل على مر التاريخ فسيفساء دينية وثقافية غنية، ويبعد المجتمع عن روح المواطنة الجامعة وأسس الوحدة الوطنية، ما ينعكس سلباً على السلم الأهلي.


قطاع تعليمي فقد حياده

وخلال العقد الماضي، عانى قطاع التعليم السوري بشكل كبير نتيجة الظروف السياسية والصراعات، رغم أنه من المفترض أن يكون قطاعاً محايداً وبعيد عن التجاذبات السياسية.

وأشارت جيهان العوام إلى أن التعليم تأثر سابقاً بسياسات النظام السابق، ويواجه اليوم شكلاً جديداً من التسييس حيث يتم فرض توجهات سياسية ودينية داخل المدارس، ما يفقد العملية التعليمية جوهرها القائم على المعرفة والتفكير النقدي.


أولويات غائبة

وترى جيهان العوام أن الجدل الدائر حول تغيير الأسماء يلهي عن قضايا أكثر إلحاحاً تمس صلب العملية التعليمية، وتحدد ثلاث أولويات أساسية وهي أولاً تطوير المناهج التعليمية حيث تعاني المناهج الحالية من ضعف واضح، وابتعاد كبير عن المعايير والمناهج التعليمية العالمية، فضلاً عن إدخال تعديلات ذات طابع أيديولوجي على حساب الجودة العلمية.

وثانياً ترميم وإعادة تأهيل المدارس لا سيما في المناطق التي تضررت بنيتها التحتية نتيجة الحرب، إذ تحتاج المدارس إلى إعادة بناء وتأهيل لاستيعاب أعداد أكبر من الطلاب وتأمين بيئة تعليمية آمنة، وثالثاً حقوق المعلمين التي أكدت جيهان العوام أنهم  حجر الأساس في العملية التعليمية، إلا أنهم يعانون من تدهور الأوضاع المعيشية، وتأخر أو انقطاع الرواتب منذ أشهر، ما يستدعي تحسين الأجور وضمان الحقوق المادية والمعنوية "كان الأجدر بالسلطات التوجه نحو هذه المحاور الجوهرية بدل الانشغال بتغيير أسماء المدارس وفرض طابع ديني أو سياسي يهدد بتفتيت المجتمع".


التدخلات الخارجية وتشويه الذاكرة الوطنية

وأشارت جهان العوام إلى أن التغييرات السياسية خلال العام الماضي انعكست بشكل مباشر على الشعب السوري، مؤكدة أن تغيير أسماء المدارس لم يعد شأناً داخلياً فحسب، بل دخلت فيه محاور سياسية إقليمية، موضحةً أن عدد من المدارس في سوريا تم تغيير أسمائها إلى أسماء تركية، ما يشكل مساساً مباشراً بالهوية الوطنية السورية، وينفي تاريخاً حافلاً بالنضال والبطولات.

وتستشهد جيهان العوام بـ "حرب تشرين التي كانت مواجهة ضد الاحتلال الإسرائيلي وقدم فيها السوريون شهداء"، معتبرة أن تغيير أسماء المدارس التي تحمل أسماء هؤلاء الشهداء هو طمس للتاريخ وإلغاء للذاكرة الوطنية.


التلاعب بالمناهج والحقائق التاريخية

ولا يقتصر التغيير على أسماء المدارس، بل امتد إلى المناهج التعليمية نفسها، حيث طالت التعديلات الحقائق التاريخية، والإنجازات الحضارية، والانتصارات المرتبطة بتاريخ سوريا القديم والمعاصر.

وتؤكد أن هذا الواقع يستدعي إعادة نظر شاملة بالمناهج السورية، بما يضمن توافقها مع التاريخ الحقيقي لسوريا وحضارتها، بعيداً عن التشويه أو التوظيف السياسي.


التعليم… أساس بناء المجتمع

واختتمت المعلمة والناشطة المدنية جيهان العوام حديثها بالتشديد على أن الصمت تجاه هذه القضايا يشكل خطراً حقيقياً "التعليم هو القطاع الأهم الذي يبنى عليه مستقبل سوريا وعملية التنمية الشاملة. من الضروري تنظيم ندوات، وفتح نقاشات عامة، والاعتراض على السياسات التي تفرضها سلطات الأمر الواقع، دفاعاً عن حيادية التعليم، وحماية لهوية سوريا ووحدة مجتمعها".