من يوم المرأة العالمي إلى ملحمة روج آفا...المرأة في ساحات النضال (3)

في الثامن من آذار تستعيد النساء حول العالم تاريخاً طويلاً من النضال، غير أن لهذا اليوم معنى أعمق في شمال وشرق سوريا، حيث قدّمت ثورة المرأة في روج آفا نموذجاً مميزاً لمشاركتها في بناء مجتمع ديمقراطي قائم على الحرية والعدالة.

سيلفا الإبراهيم

كوباني ـ يمثّل يوم الثامن من آذار إرثاً نضالياً للمرأة في مواجهة التهميش والظلم، وهو مناسبة لتأكيد حقوقها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وبعد عقود من الكفاح والمقاومة، أصبحت المرأة شريكاً أساسياً في بناء مجتمعات ديمقراطية، خاصة في مناطق مثل شمال وشرق سوريا، حيث أثبتت ثورة المرأة في روج آفا أن النضال لا يقتصر على الساحات العسكرية، بل يمتد ليشمل السياسة والقانون والتعليم والمجتمع المدني.

رغم الإنجازات التاريخية التي حققتها النساء، ما زال واقعهن يواجه تحديات كبيرة على الصعيدين القانوني والسياسي، نتيجة صعود قوى ذات توجهات راديكالية حاولت تهميش دور المرأة وإقصاءها من مواقع صنع القرار. لذلك بات من الضروري تعزيز مكتسبات الثورة النسائية عبر خطوات قانونية واضحة تضمن حقوق المرأة في مختلف المجالات، وتحويل الاحتفال بيوم المرأة العالمي إلى فعل مؤسسي مستدام يحمي إنجازاتها من محاولات الإلغاء أو الانتكاس.

 

الثامن من آذار وإرثه النضالي

يعود الاحتفال بيوم الثامن من آذار إلى النضال والتضحيات التي قدّمتها النساء دفاعاً عن حقوقهن في العمل والكرامة والمساواة. وقد شكّل الاعتراف الدولي بهذه المسيرة محطة مفصلية في تاريخ الحركة النسوية. وتعود جذور المناسبة إلى احتجاجات عاملات النسيج في نيويورك مطلع القرن العشرين، حين طالبن بتحسين ظروف العمل والأجور. ومع توسّع الحراك النسوي عالمياً، اعتمدت الأمم المتحدة عام 1977 هذا اليوم مناسبة رسمية للاحتفاء بإنجازات المرأة وتعزيز حقوقها.

وفي هذا السياق، أكدت نائبة الرئاسة المشتركة للمجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية الديمقراطية في مقاطعة الفرات، مزكين خليل، أن يوم الثامن من آذار يشكّل ميراثاً نضالياً للنساء، موجهة التهنئة لنساء الشرق الأوسط ونساء كردستان.

وقالت إن "المقاومة التي بدأت في المعامل وانتشرت بين النساء في مختلف الساحات كانت ثورة في وجه الظلم والإنكار، وإن هذا النضال هو ما صنع اليوم العالمي للمرأة"، مشيرةً إلى أن المسيرة لم تتوقف، بل استمرت بروح نساء أصبحن أيقونات في تاريخ النضال النسوي، مثل روزا لكسمبورغ وكلارا زيتكين، واقتدت بهن نساء في الشرق الأوسط والعالم.

وعلى صعيد كردستان، استحضرت مزكين خليل سيرة المناضلة ساكينة جانسيز التي اغتيلت في باريس مع رفيقتين لها، معتبرةً أنها من الرائدات اللواتي سلكن نهج حرية المرأة وسعين لترسيخ العدالة والمساواة في مجتمع همّش دورها، لافتة إلى أن نضال هؤلاء النساء شكّل إرثاً انطلقت منه ثورة المرأة في روج آفا، حيث انخرطت نساء من خلفيات ومكوّنات متعددة، ما أسهم في إحياء الزخم النسوي وترسيخ رمزية يوم الثامن من آذار بوصفه يوماً للنضال المتجدد.

وأكدت أن "لكل ثورة قادتها، وأن قيادة ثورة روج آفا كانت نسائية بامتياز، إذ لم يقتصر نضال المرأة على الجانب العسكري، بل شمل السياسي والمجتمعي والدبلوماسي والأكاديمي"، لذلك ترى أن إحياء يوم المرأة يجب ألا يقتصر على فعاليات رمزية، بل أن يكون امتداداً لنضال النساء حتى ضمان حقوقهن في جميع الساحات.

 

تحولات سياسية ومحاولات لإجهاض تطلعات السوريين

ومع التغيرات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة، برزت قوى مسلحة ذات توجهات راديكالية، من بينها هيئة تحرير الشام التي تعود جذورها إلى جبهة النصرة، الفرع السابق لتنظيم القاعدة في سوريا.، ويُعرف تنظيم القاعدة، الذي تأسس أواخر ثمانينيات القرن الماضي على يد أسامة بن لادن، بتبنّيه فكراً سلفياً جهادياً عابراً للحدود يقوم على رفض الديمقراطية والتعددية وفرض تصور ديني متشدد للحكم والمجتمع.

ومع وصول هؤلاء الجهاديين إلى السلطة عقب سقوط نظام البعث بعد أزمة استمرت أكثر من 14 عاماً، وانتقال هذا الإرث الفكري إلى مناطق من سوريا، تبددت آمال كثير من السوريين الذين كانوا يطمحون إلى بناء دولة ديمقراطية تضمن حرية جميع المكونات الدينية والقومية، بما في ذلك حقوق النساء.

وخلال فترة سيطرتها، وُجّه إلى جهاديي هيئة تحرير الشام اتهامات بفرض قيود صارمة على الحريات العامة، وإقصاء النساء من مواقع صنع القرار، إضافة إلى انتهاكات طالت مكونات دينية وقومية مثل الدروز والعلويين والكرد. وقد انعكس هذا النهج على مجتمع عُرف تاريخياً بتنوعه الثقافي والديني، ما عمّق الانقسام وقلّص مساحة الحريات مقارنة بالتطلعات التي رافقت بدايات الثورة.

 

دعوة إلى تصعيد النضال القانوني

وفي ظل التحولات الراهنة، ومع اعتماد الحوار كمسار للحل، تطرقت مزكين خليل إلى واقع المرأة اليوم، معتبرةً أنه لا يزال يواجه تحديات مشابهة لما عاشته في فترات سابقة، خاصة مع صعود قوى لا تمنح النساء دوراً فعلياً في مؤسساتها أو في مواقع صنع القرار "لا يختلف واقع المرأة الحالي عما كانت عليه في ظل سيطرة حزب البعث، إذ تعيش التهميش ذاته، خصوصاً مع صعود جهاديي هيئة تحرير الشام للحكم"، وترى أن المرحلة الحالية، التي تشهد محاولات للاندماج السياسي، تترافق مع مساعٍ لإقصاء النساء وتهميش دورهن.

وتؤكد مزكين خليل على أهمية اعتماد أساليب جديدة في النضال لضمان صون حقوق المرأة في سوريا المستقبل "نحن بحاجة إلى سوريا يكون فيها حضور المرأة واضحاً بما يليق بإرثها النضالي وتضحياتها، وذلك عبر بناء مجتمع ديمقراطي تتحقق فيه العدالة بين الجنسين ورفع الظلم عن المرأة. ولن يتحقق ذلك إلا عبر خطوات قانونية تضمن حقوقها السياسية والإدارية والاجتماعية والدبلوماسية والعسكرية في الدستور السوري".

وتعتبر أن تجاهل دور المرأة في عملية الاندماج السياسي أمر غير عادل ولا يعكس مبادئ الديمقراطية، ولا ينسجم مع حجم تضحيات النساء خلال سنوات الثورة.

وفي ختام حديثها، دعت نائبة الرئاسة المشتركة جميع النساء من مختلف المكونات إلى المشاركة في النضال "بمناسبة يوم المرأة العالمي، ندعو جميع النساء للانضمام إلى هذا النضال ليكن صاحبات دور فعّال في تحديد مستقبل سوريا".