عام 2025 منعطف تاريخي في تمكين المرأة وصناعة القرار

لعب مجلس المرأة السورية دوراً محورياً كإطار تنظيمي وحقوقي يسعى إلى إعادة ترتيب الصف النسوي السوري، مستفيداً من قاعدة تنظيمية قوية تأسست منذ المؤتمر التأسيسي عام 2017.

أسماء محمد

قامشلو ـ توسيع رقعة العمل النسوي في مختلف المدن السورية، وتنظيم مئات المحاضرات والندوات التوعوية، وكذلك تعزيز الشراكات المحلية والدولية، واستكمال صياغة العقد الاجتماعي ليصبح دستوراً للنساء السوريات، مع التركيز على تمكين المرأة في مواقع صنع القرار والمشاركة الفاعلة في صياغة مستقبل سوريا، أعمال وأخرى قام بها مجلس المرأة السورية خلال عام 2025.

شكل عام 2025 محطة فارقة في مسيرة النضال النسوي السوري في إقليم شمال وشرق سوريا، إذ تمكن مجلس المرأة السورية من توسيع دائرة تأثيره الوطني والدولي، وتوحيد الصف النسوي في مختلف المدن بعد سنوات من القيود والملاحقات التي أعاقت عمل النساء في مناطق النظام السابق.

ولكن مع سقوط النظام في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 حرصت الحركات النسائية على إيجاد موطئ قدم لها في هذه الفترة الحساسة من تاريخ سوريا بغض النظر عن التوجه الذي تحمله الحكومة الجديدة وبذلك انطلقت المبادرات التوعوية، وعقدت المنتديات الوطنية والمحاضرات، من قبل مجلس المرأة السورية وصولاً إلى صياغة العقد الاجتماعي ووضع خطط واضحة لتمكين النساء في مواقع صنع القرار، ليصبح المجلس نموذجاً حياً للرؤية النسوية الجامعة والقادرة على صياغة مستقبل سوريا بما يحفظ كرامة المرأة ويضمن مشاركتها الفاعلة.

 

جبهة نسوية موحدة

وتقول إدارية مجلس المرأة السورية منى يوسف أن عام 2025 شكل منعطفاً مفصلياً في مسار النضال النسوي السوري، في ظل تحولات سياسية واجتماعية عميقة أعقبت سقوط نظام استبدادي، لطالما استخدم خطاباً زائفاً حول حماية حقوق المرأة، بينما أبقى المرأة عملياً خارج مواقع صنع القرار، وحصر مشاركتها في أدوار شكلية لا تعكس حجم حضورها ولا تضحياتها.

وأوضحت أن هذه المرحلة كشفت الحاجة الماسة إلى إعادة النظر في السياسات العامة المتعلقة بالنساء، وتعزيز أطر تمكينهن، بما يضمن دمج المرأة في كل مستويات اتخاذ القرار السياسي والاجتماعي "استلام الحكومة المؤقتة لشؤون البلاد شكل بداية أمل لدى النساء السوريات، غير أن السياسات التي اتبعتها لاحقاً أظهرت توجهات واضحة نحو إعادة المرأة إلى أطر تقليدية ضيقة، مستهدفة الحد من مشاركتها الفاعلة في الشأن العام، من خلال توظيف انتقائي للخطاب الديني في صياغة التشريعات، بعيداً عن مبادئ العدالة والمساواة، وقد انعكس ذلك بشكل ملموس على ضعف تمثيل النساء في المؤسسات الرسمية، حيث لم تتجاوز نسبتهن 4%، ما أضعف قدرتهن على التأثير في السياسات العامة أو الدفاع عن حقوقهن ومكتسباتهن في المجتمع".

وفي هذا الإطار، أكدت منى يوسف أن مجلس المرأة السورية لعب دوراً محورياً كإطار تنظيمي وحقوقي يسعى إلى إعادة ترتيب الصف النسوي السوري، مستفيداً من قاعدة تنظيمية قوية تأسست منذ المؤتمر التأسيسي الأول عام 2017 "هذا الأساس مكن المجلس من التحرك السريع والفاعل فور سقوط النظام، والعمل على توحيد جهود النساء في جميع المدن السورية، بهدف بناء جبهة نسوية موحدة، قادرة على الدفاع عن حقوق النساء ومكتسباتهن، وتعزيز مشاركتهن في صياغة القرارات العامة".

وبينت أن المجلس نظم خلال الأشهر الأولى عشرات المنتديات الوطنية، شاركت فيها نساء من مختلف المكونات الاجتماعية والسياسية، ركزت على التعريف برؤية المجلس وأهدافه، بالإضافة إلى مناقشة القضايا الدستورية الجوهرية، بما في ذلك دور المرأة في صياغة الدستور الجديد وضمان إدماج حقوق النساء ضمن العملية الدستورية "هذه المنتديات لم تكن محصورة في العاصمة، بل شملت مختلف المدن والأرياف، ما ساعد في بناء شبكة واسعة من القيادات النسوية المؤهلة للمساهمة في تطوير السياسات والقوانين بما يضمن العدالة والمساواة".

 

نشاطات المجلس

نشاطات المجلس لم تقتصر على العمل الداخلي، بل تم العمل على فتح آفاق واسعة على الصعيدين الإقليمي والدولي، من خلال مشاركة عضواته في لقاءات خارج البلاد، ولا سيما في أوروبا "التقى المجلس برلمانيين وممثلي أحزاب وشخصيات سياسية وحقوقية مؤثرة، وقدم خلال هذه اللقاءات عرضاً شاملاً عن واقع المرأة السورية والتحديات التي تواجهها، مؤكداً ضرورة دعم المجتمع الدولي للنساء السوريات وتمكينهن من ممارسة حقوقهن كاملة، ونقل صوتهن إلى فضاءات القرار الدولية".

وأشارت إلى أن المجلس عمل أيضاً على نقل تجربة المرأة في إقليم شمال وشرق سوريا، بما حققته من مكتسبات تنظيمية وسياسية واجتماعية، إلى مختلف المدن السورية، باعتبارها نموذجاً حياً يستفاد منه في إعادة بناء الدور النسوي، وتعزيز قدرة المرأة على المشاركة الفاعلة في الحياة العامة وصنع القرار على المستوى الوطني.

وفي المجال المجتمعي، قالت منى يوسف إن مجلس المرأة السورية "أطلق برنامجاً مكثفاً من المحاضرات والندوات التوعوية، تجاوزت مئات الفعاليات، وشملت مختلف المدن والأرياف والضواحي، وركزت على قضايا محورية، منها مواجهة خطاب الكراهية، وفهم العدالة الانتقالية، ودور المرأة في صياغة القوانين والدستور، والصحة الإنجابية، ومناهضة جميع أشكال العنف ضد المرأة، بما يشمل العنف الرقمي، وتعزيز الوعي بحقوق النساء داخل المجتمع.

ولم يقتصر دور المجلس على التوعية والتثقيف، بل اتخذ مواقف سياسية واضحة، من خلال إصدار بيانات رسمية حيال السياسات والإجراءات التي تمسّ حقوق النساء "من أبرز هذه المواقف، رفض المجلس للتعميم الصادر عن الحكومة الجديدة بشأن فرض الوصاية على المرأة، معتبراً إياه انتهاكاً صريحاً للحقوق والحريات الأساسية، وخطوة تراجعية تتناقض مع تطلعات النساء السوريات في المشاركة الحقيقية في الحياة العامة وصنع القرار".

والمجلس عزز حضوره في الفضاء العام طيلة عام 2025 من خلال كتابة المقالات والمشاركة في المنتديات المشتركة مع منظمات المجتمع المدني، وتنظيم فعاليات حساسة مثل مناقشة الحجر القسري على النساء في المناطق المحتلة، مع تسليط الضوء على الانتهاكات الممنهجة بحق النساء هناك، وتعزيز وعي المجتمع بحقوق المرأة وحمايتها من جميع أشكال الانتهاك، بما في ذلك التمييز والإقصاء الاجتماعي والسياسي.

وعلى الصعيد الإنساني، بينت منى يوسف إن المجلس لم يغفل عن آثار الحرب والمجازر على النساء في عدد من المناطق السورية، فبادرت عضواته إلى إطلاق حملات دعم وتضامن مادي ومعنوي مع المتضررات "الدفاع عن حقوق المرأة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمساندتها في أوقات الأزمات، فتمكين المرأة لا يكتمل إلا بتأمين حمايتها وضمان كرامتها وأمنها في كل الظروف".

 

خطط مستقبلية

وأوضحت أنه من بين القرارات التي اتخذها المجلس خلال المؤتمر الأول في مدينة حلب عام 2024، كان عقد مؤتمرات للسلام في جميع المدن السورية، بالإضافة إلى التحضير لعقد مؤتمر حوار وطني نسوي على مستوى البلاد "الهدف من هذا المؤتمر هو جمع النساء من مختلف المكونات الاجتماعية والسياسية، والخروج بتوصيات عملية تمكن المرأة من تثبيت حضورها وإرادتها في الواقع السوري، والمساهمة في بناء مستقبل يضمن حقوقها ومكانتها، إلا أن الوضع الأمني والسياسي الحالي حال دون عقد المؤتمر حتى الآن، غير أن المجلس يواصل التحضير له بالتعاون مع التنظيمات النسوية الفاعلة مثل اللوبي النسوي ونساء سوريات من أجل السلام، وعدد من المبادرات النسوية الأخرى، على أمل تنظيمه في أقرب وقت ممكن".

وفيما يتعلق بلجنة المرأة الشابة بينت منى يوسف أن المجلس سعى لتفعيلها في جميع مكاتبه خلال هذا العام، وقد تم تفعيلها جزئياً في بعض المكاتب فيما لم تسمح الظروف بتفعيلها في مكاتب أخرى، مؤكدة على أهمية هذه اللجنة كونها القوة الديناميكية المرتبطة بمستقبل المجلس، مشددةً على ضرورة تعزيز عملها وتوسيع نشاطاتها خلال الفترة المقبلة "المجلس يخطط أيضاً لتوسيع قاعدة الشراكات مع التنظيمات النسوية داخلياً وخارجياً، بما يشمل فتح مكاتب تمثيلية في ألمانيا، واستمرار التعاون مع ممثلات موجودات في كندا وبعض المدن الأخرى، بهدف توسيع تأثير المجلس على مستوى الوطن العربي والعالم، كما أن المجلس يواصل العمل على العقد الاجتماعي لمجلس المرأة السورية، الذي يجمع آراء النساء السوريات ويشكل إطاراً دستورياً يعكس مطالبهن وحقوقهن ضمن الدستور الجديد، فاستكمال هذا العقد مستمر لضمان تمثيله الكامل للواقع والتطلعات النسوية في سوريا".

 

توسيع رقعة العمل

مجلس المرأة السورية نظم خلال هذا العام أكثر من 300 محاضرة استفادت منها الآلاف من النساء في مختلف المدن السورية، بما فيها دمشق وضواحيها، حيث عقد كل مكتب من مكاتب المجلس أكثر من 15 إلى 20 محاضرة شهرياً لضمان وصول التوعية والتمكين إلى أكبر عدد ممكن من النساء "عمل المجلس في السنوات السابقة كان محدوداً بسبب القيود الأمنية والملاحقات، رغم وجود ممثلات في دمشق وحلب وحمص، لكن سقوط النظام أتاح للمجلس توسيع رقعة عمله، وزيادة مشاركة النساء في الفعاليات، ورغم أن الحكومة المؤقتة منحت الأريحية للعمل النسوي نسبياً، إلا أن بعض القرارات اعتمدت على الفقه الإسلامي، ما حد من حرية العمل بشكل كامل، لكنها لم تضع عراقيل مباشرة أمام نشاط النساء".

وأكدت منى يوسف أن المجلس نجح في بناء قيادات نسوية قادرة على المطالبة بحقوقها، وكان له حضور واضح على أرض الواقع، جامعاً النساء من مختلف المدن "التوسع الأخير أتاح الوصول إلى مناطق كانت مغلقة سابقاً مثل عفرين وجرابلس وإدلب، وعقد محاضرات وندوات حوارية، ما ساعد على التعرف على طبيعة النساء في كل محافظة، واكتشاف أن جميع النساء يشتركن في المطالب الأساسية نفسها، ما مكن المجلس من توحيد الصف النسوي وتعزيز تأثيره مقارنة بالسنوات السابقة".

وترى أن التوسع الأخير في عمل مجلس المرأة السورية سمح بالتعرف على طبيعة النساء في مختلف المدن السورية وفهم اهتماماتهن وطموحاتهن "المرأة في درعا على سبيل المثال، أظهرت قوة كبيرة ومطالب واضحة بحقوقها، ورغبة في التطور والتمكين السياسي وزيادة الوعي، وهذا يمثل فرقاً واضحاً بين العمل السابق والعمل الحالي، حيث توسعت رقعة المجلس ليشمل جميع النساء في مختلف المناطق والمدن السورية ومن جميع المكونات الاجتماعية، ما يعكس شمولية تأثير المجلس وقدرته على تمكين النساء على أرض الواقع".

كما أكدت منى يوسف إدارية مجلس المرأة السورية في ختام حديثها حول عمل المجلس خلال عام 2025 أن الخطط المستقبلية للمجلس مستمرة وتركز على إنهاء العمل على العقد الاجتماعي ليصبح بمثابة دستور للنساء السوريات، مع الأخذ برأي جميع النساء من مختلف المكونات والتنظيمات النسوية لتوحيد الرؤية "الهدف هو تمكين المرأة لتكون حاضرة في مواقع صنع القرار، بما يشمل المشاركة في لجان التأسيس وصياغة الدستور، وضمان أن يعكس مستقبل سوريا نضال المرأة ويحفظ كرامتها. المجلس يعمل أيضاً على تنظيم المؤتمر الوطني للحوار النسوي بالشراكة مع المنظمات النسوية، ليكون منصة جامعة وواضحة تساعد النساء على توحيد الرؤية وممارسة الضغط على الجهات المعنية لأخذ مكانهن الصحيح في سوريا".