توقيع كتاب سرديات الحرب من وجهة نظر النساء اليمنيات

أطلقت مؤسسة "سطور" عملاً سردياً جماعياً نتج عن تدريب ثلاثين كاتبة يمنية، موثقاً تجارب نسائية حية خلال الحرب، ومقدماً مساحة آمنة للتعبير وتطوير أدوات الكتابة في ظل غياب المنصات الثقافية.

رانيا عبد الله

اليمن ـ شهدت مدينة تعز جنوب غرب اليمن، أمس السبت 23 أيار/مايو، إشهار وتوقيع كتاب "سرديات الحرب من وجهة نظر النساء"، وهو نتاج مشروع ثقافي وأدبي مكثف استهدف توثيق ذاكرة الحرب في اليمن بأقلام نسائية، مسلطاً الضوء على المعاناة، والنزوح، والآثار النفسية والصدمات المنسية التي خلفتها الحرب خلال أكثر من عشر سنوات من الحرب.

المشروع الذي نفذته مؤسسة "سطور" للتنمية الثقافية، ضمن مشروع "مراكز اليمن الإبداعية"، استهدف تدريب وتأهيل نحو 30 كاتبة من مختلف المدن اليمنية، ليثمر في ختامه عن توقيع هذا العمل الأدبي الجماعي الذي يضم أكثر من 20 نصاً سردياً، توثق شهادات حية وتجارب إنسانية للنساء خلال الفترة من 2015 وحتى 2026.

 

دمج الأصوات النسائية

أوضحت حنين الأغواني، مديرة مؤسسة "سطور" للتنمية الثقافية، أن المؤسسة تركز على تمكين النساء ثقافياً وفي مجال الإدارة الثقافية، وإبراز قصصهن ومشاعرهن وتجاربهن عبر الفنون والأدب، وخاصة فن السرد.

وأشارت إلى أن النطاق الجغرافي الأولي للمشروع كان يستهدف مدينة تعز بالتحديد، إلا أن الإقبال المتزايد وشغف الكاتبات قاد المؤسسة لتوسيع الدائرة واستيعاب نحو 30 كاتبة من مدن عدة شملت، تعز، صنعاء، عدن، إب، والمكلا.

وأضافت "وضعنا معايير دقيقة عبر استمارة إلكترونية لاختيار المشاركات، ركزت على أن تكون المتقدمة كاتبة ولديها نص سابق كتبته عن الحرب بين عامي 2015 و2026، وتلقينا نصوصاً تعود بداياتها إلى عامي 2015 و2016، وتتمحور حول قضايا النزوح، القصف، الجوع، والمشاعر الإنسانية المعقدة التي عاشها المجتمع".

وعن التحديات، بينت حنين الأغواني أن إدخال أصوات من خارج الإطار الجغرافي للمشروع كان تحدياً تم التغلب عليه لإيمان المؤسسة بضرورة تلاقح التجارب بين المدن وتخليد هذه الأصوات، وأكدت أن هذا التدريب يعد الأول من نوعه في زمن الحرب الذي يركز على دعم الكاتبات والشاعرات في ظل غياب الورش والمنصات الثقافية المماثلة.


         


        

توثيق المعاناة المنسية والدعم النفسي

من جانبها، أكدت المهندسة المعمارية بشرى الأغبري، على الأهمية البالغة لهذه الأنشطة في توثيق قصص مخفية لنساء وعائلات عانت الأمرين بسبب الحرب دون أن يلتفت إليها أحد.

وأضافت "تكمن أهمية هذه الفعاليات في تعريف المجتمع بالسرديات الإنسانية التي تسببت بصدمات ومعاناة نفسية عميقة للأسر، قد تمتد لسنوات قادمة، فهذا العمل يمثل رافعة ودعماً نفسياً للفئات المتضررة والمهمشة والتي فقدت أحباءها".

وفي السياق ذاته، اعتبرت المعالجة النفسية ريم العبسي أن مشروع "سرديات" يتجاوز كونه عملاً ثقافياً أو قصصياً، ليصبح "مساحة آمنة" للنساء للتحدث والتعبير عن مشاكلهن ومعاناتهن بحرية ودون أحكام مسبقة.

وأضافت "التعافي من الصدمات يحتاج بالدرجة الأولى إلى مساحات آمنة تمنح الأفراد القدرة على التعبير وإعادة صياغة الأحداث التي مروا بها خلال الحرب لإيجاد معنى جديد للحياة".

 

تجارب الكاتبات... تطوير أدوات التعبير وتخليد الذاكرة

تحدثت المشاركات في المشروع عن الأثر المعرفي والنفسي للتجربة؛ حيث أشارت الكاتبة تسنيم المروني إلى أن مشاركتها في "سرديات" كانت الأكثر إثماراً مقارنة بتجاربها السابقة، موضحة أن الحراك الأدبي نفسه تعرض للشتات والنزوح بفعل الحرب، مؤكدة أن التدريب أحدث فرقاً كبيراً في مستواها الكتابي، وساهم في تحسين أدواتها وخلق توازن موضوعي وفكري في النصوص التي تكتبها.

من جهتها، عبرت الكاتبة حنين عقلان خريجة بكالوريوس صيدلة، عن شغفها بالكتابة منذ الطفولة، وكيف تحولت هذه الموهبة خلال الحرب إلى وسيلة للترويح عن النفس ومقاومة الواقع المعاش، منوهة إلى أن مؤسسة "سطور" وفرت البيئة الحاضنة التي كانت تفتقدها الكاتبات.

وحول نصها المشارك في الكتاب والذي يحمل عنوان "رصاصة في الذاكرة"، قالت حنين عقلان "النص يسلط الضوء على الآثار النفسية للحرب، ويحكي عن أولئك الذين لم يفقدوا أطرافاً من أجسادهم، لكنهم فقدوا ما هو أعمق؛ فقدوا هوياتهم، شغفهم، أحلامهم، وذكرياتهم، أو أشخاصاً عزيزين عليهم".

وأعربت حنين عقلان عن أملها في أن تجد كتاباتها المكدسة طريقها إلى النور، داعية إلى إحلال السلام وإتاحة الفرصة للجميع للتعبير بمختلف وسائل الفن والأدب كالرسم، والغناء، والمسرح، والكتابة، باعتبار التعبير أداة أساسية لاستعادة التوازن النفسي والهوية المفقودة.