تونسيات: كرامة النساء خط أحمر وتصريحات النائب جريمة لا رأي

طالبت منظمات وحقوقيات تونسيات بمحاسبة أحد نواب المجلس التشريعي في تونس، لرد الاعتبار عما صرح به خلال جلسة البرلمان والتي شرعن العنف ضد النساء والعنصرية من خلالها.

نزيهة بوسعيدي

تونس ـ أحدثت تصريحات أحد نواب البرلمان التونسي، صدمة في الشارع التونسي، بعد أن أدلى بمداخلة وصفت بالمهينة والعنصرية والمشجعة على العنف الجنسي، ما أثار موجة غضب واسعة على شبكات التواصل الافتراضي، ودفع منظمات حقوقية ونسوية إلى المطالبة برفع الحصانة عنه ومحاسبته وفق القوانين الجاري العمل بها.

داخل مؤسسة يفترض أن تكون حامية للدستور والحقوق والحريات، صرح أحد النواب بعبارات اعتبرها التونسيون والتونسيات صادمة ومروعة، حين قال باللهجة الدارجة ما يفيد بأن "اغتصاب مهاجرة إفريقية أمر غير منطقي لأن التونسيات جميلات ولا ينقصهن شيء". 

هذا الخطاب، الذي بدا وكأنه يبرر جريمة الاغتصاب ويختزل النساء في أجسادهن، أثار استياءً عارماً، خصوصاً مع ظهور ابتسامات من نواب آخرين جالسين خلفه، ما اعتُبر تطبيعاً مع خطاب خطير يمس كرامة النساء والمهاجرات على حد سواء.

خطاب عنصري يشرعن الاغتصاب

وأدانت جمعية "تقاطع من أجل الحقوق والحريات" بشدة تصريحات النائب، معتبرة أنها تمثل انتهاكاً صارخاً للكرامة الإنسانية وخطاب كراهية صريح يستهدف النساء ويبيح أجسادهن، لافتةً إلى أن ما تفوه به النائب يعكس عقلية عنصرية ذكورية تحول جريمة الاغتصاب من انتهاك جسيم إلى "استحقاق" قائم على الجمال، في تبرير فج للعنف الجنسي.

كما شدّدت على أن هذه الحادثة ليست معزولة، بل تأتي في سياق تصاعد خطابات التحريض ضد المهاجرين والمهاجرات، بما في ذلك الدعوات إلى الترحيل القسري وحتى التعقيم القسري، وهي خطابات تجردهن من إنسانيتهم.

بدورها اعتبرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن تصريح النائب لا يمكن تبريره أو اعتباره مجرد خطأ عابر، بل هو تعبير عن ذهنية متخلّفة تغذي العنصرية، ويمثل خرقاً واضحاً للقانون الأساسي عدد 58 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، ولمقتضيات القانون عدد 50 المتعلق بمناهضة التمييز العنصري.

وطالبت الرابطة باعتذار علني من النائب، وبإجراءات فورية من البرلمان لضمان عدم الإفلات من العقاب، مشددةً على ضرورة التطبيق الصارم والفعلي للقوانين ذات الصلة، ومحاسبة كل من يحرض على التمييز أو يُبرّر العنف، دون أي تساهل.

واعتبرت جمعيات "النساء الديمقراطيات" و"أصوات نساء" و"بيتي" أن ما حدث ليس رأياً بل فعلاً مجرماً قانونياً، لأنه يحرض على العنف ويعيد إنتاج منظومات الهيمنة الذكورية والعنصرية، مطالبة بفتح تقيق جدي وتفعيل آليات المساءلة.

وعبرت حملة ضد تجريم العمل المدني عن تضامنها الكامل وغير المشروط مع المهاجرة القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء، والتي تم التطرق إليها في مداخلة أحد النواب بطريقة صادمة ومرفوضة، جرى فيها توظيف جريمة خطيرة وحساسة مثل الاغتصاب خارج أي سياق حقوقي أو إنساني.

واعتبرت أن هذا النوع من الخطاب مؤشر خطير على تدهور مستوى الخطاب العام حين يصدر عن مؤسسة يُفترض أنها سلطة تشريعية حامية للحقوق والحريات، لا منصة لتكريس الإهانة وتهديم المكاسب الحقوقية للنساء وحماية كرامتهن في تونس.


         


        
خطاب سياسي يقوض سنوات من مكافحة العنف

وحذرت رحمة سليمان الباحثة في علم الاجتماع، من أن مثل هذه التصريحات يمكن أن تهدم سنوات من العمل في مكافحة العنف الجنسي، لأنها تخاطب النفسيات الهشّة وتمنح تبريرات جاهزة لمرتكبي الجرائم.

وأضافت "يمكن لتلك المداخلة الملغمة بمعاني تأويلية غير مسؤولة أن تعبث بكل الجهود المبذولة من قبل المجتمع المدني والبرامج المقدمة من قبل وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن وكل الجهات المعنية من أجل التصدي للعنف الجنسي والتحرش والاغتصاب والذي لازالت تعاني من تداعياته النفسية والاجتماعية عدد لا بأس به من النساء اللاتي تعرضن لذلك".

وأكدت أن الخطاب البرلماني غير المسؤول قد يشجع على العنف ويطبع معه "هذه المداخلة يمكن أن تبيح كل أشكال العنف والاغتصاب والعنصرية وغيرها، كما يمكن أيضاً أن تشجع على الخطابات غير المدروسة والتصريح بها في المواقع والفضاءات الافتراضية والواقعية، الرسمية منها والغير الرسميّة. علماً بأن نسبة مهمة من الجرائم تحدث نتيجة خطابٍ يخاطب في كل مرة النفسيات الهشة والبنى الذهنية التي تحمل استعداداً لمثل هذه الممارسات، وتنتظر فقط بعض التبريرات التي تستقيها من مثل هذه الخطابات لتنفذ الفعل".


         


        
"كرامة النساء خط أحمر"

من جانبها اعتبرت إيناس ميعادي الناشطة بمنظمة مساواة، أن خطورة التصريح تكمن في صدوره عن نائب يمثل سلطة تشريعية، وأن كلامه يعكس عقلية تعتبر المرأة سلعة وتستدعي الفحولة والهيمنة الذكورية. 

وطالبت برفع الحصانة عنه ومحاسبته حتى لا يجد خطاب الكراهية حاضنة سياسية "هذا النائب في الأصل وظيفته تشريعية لكنه تخلى عن هذا الدور ليتحدث عن مظاهر تتسرب داخل المجتمع التونسي بخطاب مهين لذلك نطالب برفع الحصانة عنه ومحاسبته والحرص على عدم الإفلات من العقاب حتى لا يجد حاضنة له، يجب العمل على التصدي لكل هذه المظاهر لأن كرامة النساء خط أحمر".