تصاعد جرائم قتل النساء في اليمن وسط غياب المساءلة وتدهور منظومة الحماية
شهد اليمن خلال السنوات الماضية تصاعداً مقلقاً في جرائم قتل النساء، في ظل استمرار الصراع وتراجع سلطة القانون، حيث برز عام 2025 بوصفه أحد أكثر الأعوام دموية مقارنة بالسنوات السابقة، وفقاً لتقارير حقوقية محلية ودولية.
رحمة شنظور
اليمن ـ يرتبط تصاعد العنف في اليمن بفشل السياسات الحكومية في الوقاية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، واستمرار القصور في حماية النساء، إلى جانب التراجع الحاد في تطبيق القوانين وغياب آليات المساءلة، في بيئة تطبّع فيها الإفلات من العقاب نتيجة الانقسام المؤسسي وتعدد السلطات.
خلال الصراع اليمني قتلت 2,720 امرأة نتيجة القصف العشوائي، و375 حالة قنص مباشر، إضافة إلى 605 إصابات بسبب الألغام، و169 جريمة عنف أسري، و42 حالة اغتصاب داخل أماكن الاحتجاز أو أثناء المداهمات والنزوح.
جرائم هزّت الرأي العام
في 18 أيلول/سبتمبر 2025، قُتلت الدكتورة افتِهان المشهري، مديرة صندوق الصرف الصحي والتحسين في مدينة تعز، ما أثار موجة احتجاجات نسائية طالبت بالكشف عن الجناة ومحاسبتهم.
وفي 31 تشرين الأول/أكتوبر 2025، اغتيلت الدكتورة وفاء المخلافي أمام مكتب صرافة في وسط صنعاء، على مرأى من المارة وكاميرات المراقبة، وسبق ذلك، في كانون الثاني/يناير من العام نفسه، مقتل المعلمة نسرين أديب في عدن على يد زوجها السابق، رغم تقديمها شكاوى متكررة للشرطة بشأن تهديداته.
كما تعود إحدى القضايا التي أثارت جدلاً واسعاً إلى عام 2021، حين قُتلت الصحفية رشا عبد الله، الحامل في شهرها الثامن، بانفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارتها في عدن أثناء تغطيتها قضايا إنسانية.
العنف يتصاعد والنساء يكسرن الصمت
تقول الأمينة العامة لجمعية الطموح للصم والناشطة المجتمعية إيمان القدسي، إن الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق النساء شهدت تصاعداً خطيراً بسبب الصراع، بدءاً من انتهاكات الخصوصية وصولاً إلى جرائم العنف والقتل، في مختلف المحافظات اليمنية.
وتضيف أن النساء، لا سيما ذوات الإعاقة، يتعرضن لممارسات عنف قاسية تصل في كثير من الحالات إلى القتل أو إلى انتهاكات جسيمة تُحال أحياناَ إلى البحث الجنائي وأقسام الشرطة.
وتشير إيمان القدسي إلى أن جرائم قتل النساء خلقت صدمة واسعة في المجتمع، وأثرت بشكل مباشر على النشاط النسوي، حيث دفعت حالة الخوف العديد من الناشطات إلى التراجع خشية أن يصبحن ضحايا بدلاً من أن يكنّ داعمات للضحايا.
وتوضح أن الناشطات غالباً ما يكنّ أول من يتعرض لانتهاكات ذات طابع اجتماعي، قد تتطور لاحقاً إلى انتهاكات فظيعة.
وتؤكد أن هذه القضايا لا يمكن اختزالها في أرقام قليلة، إذ تظهر بيانات الجهات الأمنية ارتفاعاً ملحوظاً في حالات العنف، مشيرةً إلى وجود مؤشرين رئيسيين هما تصاعد العنف من جهة، وازدياد وعي النساء وجرأتهن على التبليغ من جهة أخرى.
أسباب متجذرة في البنية الاجتماعية
وترجع إيمان القدسي أسباب العنف إلى النظرة الدونية للمرأة في المجتمع، حيث ما زالت تُعامل في كثير من الأحيان كدرجة ثانية بعد الرجل، وهي نظرة متجذرة في العادات والتقاليد، لم ينجح التعليم ولا مشاركة المرأة في الحياة العامة في القضاء عليها بالكامل، ما يؤدي إلى التمييز والاضطهاد وتقليص الحقوق.
كما تحذر من تصاعد العنف الرقمي عبر وسائل التواصل الافتراضي، كأحد أخطر أشكال الانتهاكات، نتيجة خروج المرأة إلى المجال العام ومطالبتها بحقوقها، وما يقابله من هجمات تهدف إلى إسكاتها.
وتضيف أن صعود الحركة النسوية وتولي النساء مناصب قيادية أثار رفضاً لدى بعض الفئات التي لا تزال ترى أن اتخاذ القرار حكر على الرجال.
وتوضح أن العادات التي حصرت المرأة تاريخياً في دور المنزل، مع سيطرة الرجل على مفاصل القرار داخل الأسرة، تسهم في تفاقم العنف، الذي يبدأ غالباً لفظياً، ثم جسدياً، وقد ينتهي بجرائم قتل بشعة، تُسجل في القرى والأرياف وأحياناً داخل المدن.
الصراع والتمكين الاقتصادي
من جهتها، تؤكد هناء الشرجبي، وهي رائدة أعمال، أن استمرار الصراع فاقم من حدة العنف الموجه ضد النساء، مطالبةً بتفعيل دور الجهات المعنية في مناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، ومراجعة القوانين وتفعيلها بما يضمن حماية حقيقية للنساء.
كما تشدد على أهمية التمكين الاقتصادي للمرأة، لما له من دور أساسي في تعزيز قدرتها على مواجهة العنف والدفاع عن حقوقها وكرامتها.
أرقام تعكس حجم الأزمة
وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) إلى أن 6.2 ملايين امرأة وفتاة في اليمن كنّ معرضات لخطر العنف القائم على النوع الاجتماعي خلال عام 2025، في وقت تفتقر فيه أكثر من 90% من المناطق الريفية إلى خدمات الحماية والاستجابة.
وأكدت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات توثيق أكثر من 5,600 انتهاك ضد النساء، شملت القتل والاعتداء والاختفاء القسري، خلال الفترة من 2017 وحتى نهاية تموز/يوليو 2025، مع العلم أن الأرقام لا تعكس الحجم الحقيقي للانتهاكات بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية وضعف الثقة بجهات إنفاذ القانون.
تقارير حقوقية: أكثر من 40 ألف انتهاك
وفي تقرير حديث، أعلنت مؤسسة تمكين المرأة اليمنية (YWEF) توثيق أكثر من 40 ألف انتهاك بحق النساء والفتيات خلال الفترة من 2015 وحتى تشرين الثاني/نوفمبر 2025، توزعت بين القتل، والاعتقال، والقصف، والاغتصاب، والنزوح القسري، والتجويع، والفصل الوظيفي.
ووثّق التقرير مقتل 2,720 امرأة نتيجة القصف العشوائي، و375 حالة قنص مباشر، إضافة إلى 605 إصابات بسبب الألغام، و169 جريمة قتل ارتكبها أقارب حتى الدرجة الرابعة في سياق عنف أسري متصاعد.
كما أشار إلى 42 حالة اغتصاب داخل أماكن الاحتجاز أو أثناء المداهمات والنزوح، في حين شكّلت النساء نحو نصف قرابة 4 ملايين نازح، ودخلت 9.6 ملايين امرأة وفتاة دائرة الجوع وانعدام الخدمات.
دعوات للمساءلة الدولية
وأكدت مؤسسة تمكين المرأة أن ما تم توثيقه لا يمثل سوى جزء من الانتهاكات الفعلية، داعيةً إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة، وفرض عقوبات على المتورطين، وضمان حماية النساء والفتيات، وتوفير الدعم النفسي والقانوني للضحايا.
ويحذر حقوقيون من أن استمرار غياب المساءلة سيؤدي إلى مزيد من العنف، في وقت باتت فيه النساء من أكثر الفئات تضرراً من النزاع المستمر في اليمن.