تحطيم تمثال المرأة في مدينة الرقة محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى زمن داعش
تصاعد الاعتداءات على الرموز النسائية في الرقة والطبقة يُقرأ كمؤشر خطير على تنامي خطاب معادٍ للمرأة، يسعى إلى إعادة إنتاج ذهنية إقصائية تقوّض مكتسبات مرحلة ما بعد هزيمة داعش.
أسماء محمد
قامشلو ـ لم يكن تدمير تمثال المرأة في مدينتي الرقة والطبقة حدثاً عابراً يمكن إدراجه في إطار التخريب الفردي أو الاعتداء على ممتلكات عامة فحسب، بل جاء وفق مراقبين في سياق أوسع يرتبط بالتحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة، وبمحاولات إعادة رسم المشهد الرمزي الذي تشكل عقب هزيمة داعش.
التماثيل التي نُصبت بعد التحرير لم تكن مجرد مجسمات فنية، بل جسدت مرحلة تاريخية مفصلية انتقلت فيها المرأة من موقع الضحية إلى موقع الفاعل والشريك في صناعة القرار، وارتبطت تلك الرموز بذاكرة جماعية توثق مشاركة النساء في القتال ضد داعش، وفي إدارة المناطق المحررة، وفي بناء نموذج إداري قائم على مبدأ الشراكة والمساواة.
المرأة الكردية أحد أبرز عناوين تلك الفترة
وفي هذا السياق، قالت الناطقة باسم لجنة العلاقات والاتفاقات السياسية في مؤتمر ستار روناهي حسن، إن استهداف تمثال المرأة لا يمكن فصله عن تصاعد خطاب معادٍ للمرأة يسعى إلى تقويض المكتسبات التي تحققت خلال السنوات التي أعقبت هزيمة داعش.
وبينت أن "مجتمعات شمال وشرق سوريا مرت بتجارب أشد قسوة خلال فترة سيطرة داعش، حيث تعرضت النساء لجرائم قتل وسبي واستعباد جنسي، إضافة إلى التمثيل بالجثامين في انتهاك صارخ لكل القيم الإنسانية. تلك الجرائم، على الرغم من وحشيتها، لم تنجح في كسر إرادة المرأة، بل دفعتها إلى تنظيم صفوفها والانخراط في مقاومة كبيرة انتهت بتحرير مساحات جغرافية واسعة".
وأوضحت أن المرأة الكردية على وجه الخصوص، شكلت "أحد أبرز عناوين تلك المرحلة"، بعد حملها للسلاح لقتال داعش الإرهابي، وأسهمت في تحرير مدن وبلدات كانت تعرف سابقاً بأنها معاقل رئيسية له "هذه التجربة غيّرت الصورة النمطية للمرأة في المنطقة، ورسخت حضورها كقوة اجتماعية وسياسية وعسكرية فاعلة".
قطع الصلة مع تاريخ نضال النساء
وعلى ذلك فإن تحطيم الرموز المرتبطة بتلك المرحلة يمثل "محاولة لقطع الصلة بين الأجيال الجديدة وتاريخ نضال النساء"، كما تؤكد، والرمزية التي حملها التمثال "تتجاوز البعد الفني لتعبّر عن تحوّل عميق في بنية المجتمع، بعد أن أصبحت المرأة شريكاً أساسياً في الإدارة وصنع القرار، لا مجرد تابع في المجال الخاص".
تهميش دور المرأة في المرحلة الراهنة، سواء في التعيينات السياسية أو في النقاشات المتعلقة بصياغة الدستور، يعكس كما تبين روناهي حسن "توجهاً مقلقاً نحو إعادة إنتاج أنماط إقصائية تتعارض مع واقع التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية"، مؤكدة أن "أي عملية دستورية لا تضمن مشاركة فعلية للنساء تعني عملياً تجاهل احتياجات نصف المجتمع"، باعتبار المرأة هي الأكثر قدرة على التعبير عن قضاياها وحقوقها من أي طرف آخر".
المكتسبات ليست إنجازات ظرفية
وعلى عكس ما يروج بأن ثورة المرأة في مناطق شمال وشرق سوريا بدأت تتراجع، تعتقد روناهي حسن أن المكتسبات التي تحققت خلال أربعة عشر عاماً لم تكن إنجازات ظرفية أو محلية ضيقة، بل "نتاج مسار طويل من النضال السياسي والاجتماعي والعسكري، أسهم في إعادة تعريف موقع المرأة داخل المجتمع السوري عموماً". مشيرةً إلى أن استهداف الرموز المرتبطة بالمرأة المناضلة سواء كانت عسكرية أو سياسية أو مدنية يندرج في إطار "محاولة إضعاف حضورها الرمزي تمهيداً لإضعاف حضورها الفعلي".
واعتبرت أن الرسالة التي تحاول بعض الجهات إيصالها عبر هذه الممارسات تقوم على "تقزيم دور المرأة وحصرها في أدوار تقليدية"، إلا أن التجربة النسائية في المنطقة "أثبتت أن المرأة التي واجهت أخطر تنظيم متطرف في العصر الحديث لن تتراجع أمام محاولات رمزية لطمس تاريخها".
والمرأة في شمال وشرق سوريا بحسب ما تؤكد "لن تسمح بالالتفاف على مكتسباتها، وستواصل الدفاع عنها باعتبارها جزءاً من كرامتها وهويتها السياسية والاجتماعية"، مشددة على أن ما تحقق لم يكن مكسباً لنساء منطقة بعينها أو لقومية محددة، بل تجربة يمكن أن تشكل أرضية مشتركة لجميع النساء السوريات الساعيات إلى الحرية والمشاركة المتكافئة".
واختتمت الناطقة باسم لجنة العلاقات والاتفاقات السياسية في مؤتمر ستار روناهي حسن حديثها بالتأكيد على أن حماية هذه الإنجازات مسؤولية جماعية، داعيةً المنظمات النسوية ومنظمات حقوق الإنسان والجهات المعنية بقضايا المرأة إلى اتخاذ مواقف واضحة تضمن استمرارية ما تحقق "صون الذاكرة النضالية للنساء هو جزء لا يتجزأ من صون مستقبل سوريا الديمقراطية".