صعوبة حياة العاملات... حين يصبح العمل عقوبة والقانون مجرد متفرج
رغم أن القوانين تعلن حماية العمال، إلا أن النساء يواجهن واقعاً مختلفاً: أجور أقل، ساعات أطول، وغياب حماية صحية. هذا الظلم المزدوج يثير سؤالاً جوهرياً لماذا تُعامل النساء بتمييز رغم أن القانون للجميع؟
هيفي صلاح
السليمانية ـ في سوق العمل، العمال عموماً يواجهون انخفاض الأجور، غياب الحماية القانونية، وظروف قاسية، لكن النساء العاملات يتعرضن لهذه الأعباء بشكل أكبر: أجور أقل، ساعات عمل أطول، أعمال شاقة، وحقوق مسلوبة. أصواتهن ضاعت في نظام ما زال ينظر إلى المرأة كعاملة من الدرجة الثانية.
الحقوق الأساسية للعامل
العدالة في الأجور: الحق في الحد الأدنى للأجر، أجر الساعات الإضافية، والأجر المتساوي للعمل المتساوي.
بيئة عمل آمنة: على أصحاب العمل توفير مكان عمل بعيد عن المخاطر المعروفة، تدريب صحي مناسب، وأدوات وقاية لازمة.
منع التمييز والتحرش: الحماية من التمييز على أساس الجنس، العمر، الدين، الإعاقة، أو الأصل القومي.
ساعات العمل والإجازات: تحديد الحد الأقصى لساعات العمل وضمان حق الإجازات الأسبوعية والسنوية.
حرية التنظيم: الحق في الانضمام أو تشكيل نقابات والمشاركة في المفاوضات الجماعية.
حماية الخصوصية والمعلومات: حقوق تتعلق بسرية البيانات الشخصية والطبية.
الحماية القانونية: منع الفصل التعسفي، الحماية من الانتقام عند استخدام الحقوق، والوصول إلى سبل الانتصاف القانونية.
إجازات عائلية ـ طبية: الحق في إجازة بسبب المرض الشخصي، ظروف عائلية طارئة، أو الأمومة ـ الأبوة.
هذه الحقوق تشمل معظم العاملين، رغم أن بعض الضمانات الخاصة قد تختلف حسب المكان أو القطاع. ومع تقدم المجتمعات وزيادة مشاركة النساء في العمل جنباً إلى جنب مع الرجال، إلا أن المساواة لا تزال غائبة في الحصول على الحقوق والمكاسب. فبحسب آخر الإحصاءات، النساء يشكلن أكثر من 40% من القوة العاملة العالمية، و60–70% منهن منخرطات في أعمال بأجر. ومع ذلك، ورغم ارتفاع نسبة المشاركة، تواجه النساء فجوة جندرية مستمرة عالمياً مقارنة بالرجال في سوق العمل.
مشاركة النساء في سوق العمل
رغم أن مشاركة النساء في العمل ازدادت خلال العقود الأخيرة، ما زالت هناك فجوة واضحة؛ إذ تبلغ نسبة مشاركة النساء عالمياً نحو 50% مقارنة بـ 80% للرجال. وعلى الرغم من كل التقدم المحرز حتى الآن، ما زالت النساء يحصلن على دخل أقل من الرجال، كما أن عدداً كبيراً منهن يعملن في القطاعات غير الرسمية التي تفتقر إلى الحماية الاجتماعية والأمن الوظيفي، وغالباً ما تكون أجورهن دون الحد الأدنى.
إلى جانب ذلك، ورغم ارتفاع مستويات التعليم بين النساء، فإن تمثيلهن في المناصب الإدارية العليا ما زال ضعيفا، كما أن غياب خدمات رعاية الأطفال بأسعار مناسبة يشكل عائقاً إضافياً أمام النساء، خصوصاً الأمهات، في الاستمرار أو التقدم في حياتهن المهنية. وفي حين أن بعض المناطق تشهد فرصاً أكبر عبر النشاط التجاري، إلا أن الكثير من النساء ما زلن يواجهن عقبات كبيرة في سبيل تحقيق حياة كريمة.
"لدينا قوانين لدعم العمال ولكنها لا تُطبق"
قالت ليلى كريم حمادي، عضوة في نقابة العمال فرع السليمانية، إن أوضاع العمال بشكل عام ليست جيدة، بل في حالة سيئة جداً. ففي الوقت الراهن نرى أن الوضع الاقتصادي في العراق عموماً، وخاصة في إقليم كردستان، يمر بأزمة بسبب انعدام الرواتب، توقف فرص العمل، وتعليق المشاريع. هذه العوامل أصبحت سبباً رئيسياً لغياب فرص العمل للعمال، مما جعلهم يتضررون بشكل كبير، إذ إن الرواتب أصبحت عاملاً في اضطراب السوق. واليوم وضع العمال من حيث الأجور والمعيشة سيئ للغاية. أكبر مشكلة يواجهها العمال هي توقف السوق وتوقف المشاريع، وهذه كلها ألحقت أضراراً كبيرة بحياة العمال.
وأضافت "من بين مشاكل العمال أيضاً عدم وجود قانون صارم يحميهم. فعندما يُبعد العامل من مكان عمله لا يجد مكاناً بديلاً يذهب إليه. لدينا مجموعة من القوانين الجيدة التي من المفترض أن تدعم العمال، لكن المشكلة أنها لا تُطبَّق. كما أن القوانين لم تُفعّل بشكل كامل، البرلمان غير فعّال، والحكومة غير منظمة، وكل ذلك أدى إلى غياب دعم قوي للعمال".
ومع ذلك، أكدت "نحن كنقابة العمال لم نتوقف عن دعم العمال وسنظل مدافعين عنهم. أبوابنا دائماً مفتوحة أمام أي عامل يواجه مشكلة أو يُبعد من مكان عمله. نحن، وفقاً لقدراتنا وبحسب القوانين، نتعاون مع الجهات المعنية لإعادة هؤلاء العمال إلى أماكن عملهم أو لاسترجاع حقوقهم إذا خُفِّضت رواتبهم".
"في أماكن العمل تُعرَّض النساء للتحرش"
وقالت ليلى كريم حمادي حول التمييز بين العمال من النساء والرجال "إذا عدنا إلى القانون، نجد أن هناك قانوناً متكاملاً ونصوصاً جيدة تحمي حقوق النساء، لكن على أرض الواقع نرى أن النساء يتعرضن للتحرش في أماكن العمل، ويُمارس تمييز واضح بينهن وبين الرجال. السبب في ذلك أن النساء غالباً ما يلتزمن الصمت عند انتهاك حقوقهن، حتى وإن لم تكن عقودهن واضحة أو رواتبهن مساوية لرواتب الرجال، بل تكون أقل بكثير".
وأضافت "كل هذه الأمور تعود إلى وعي وخبرة الشخص نفسه، إذ يجب على كل عامل أن يعرف حقوقه وفقاً للنصوص والقوانين، وأن يبرم عقداً مع صاحب العمل، ويقرأه قبل التوقيع، وأن يحتفظ كل طرف بنسخة منه. مشكلتنا أن النساء يذهبن إلى أماكن عملهن رغم عدم رضاهن عن ظروف العمل، لكنهن مضطرات للاستمرار، وغالباً بلا عقود رسمية، مما يخلق مشاكل لاحقاً، كما أنهن لا يحصلن على ضمانات".
وأشارت إلى أنه خلال الفترة الأخيرة "جاءت إلينا العديد من النساء وسجلن شكاوى تفيد بأنهن يعملن منذ سنوات في شركات دون أن تُثبت مدة عملهن، وللأسف يُجبرن على قبول مبالغ مالية زهيدة ويُقال لهن أن يواصلن عملهن بلا مساواة. النساء مضطرات، بسبب حاجتهن للعمل، إلى قبول هذه الظروف، وفي معظم أماكن العمل هناك فجوة كبيرة بين أجور النساء والرجال".
"لا يسمحون للنساء بالوصول إلى مواقع اتخاذ القرار"
وبينت ليلى كريم حمادي أن "نحن لا نستطيع أن نعمم الحكم على الجميع، ففي بعض الأماكن يُعتمد على خبرة وكفاءة الشخص، ونرى نساء كثيرات يتمتعن بقوة كبيرة ويؤدين أعمالهن بنجاح، ولديهن القدرات التي تؤهلهن لإدارة متميزة. لكن مع ذلك، في بعض المواقع وبسبب الأشخاص المحيطين أو بسبب التمييز الجندري، لا يُسمح لتلك النساء الكفوءات بالوصول إلى المناصب القيادية أو الحصول على أجر يتناسب مع قدراتهن. هذا التمييز والعرقلة موجودان في معظم الأماكن، بينما في أماكن قليلة فقط تُعامل المرأة بالمساواة وتُمنح حقوقها كاملة".
وأضافت "في بعض المؤسسات تُتخذ القرارات بناءً على المظهر الخارجي للشخص وليس على شهاداته أو خبراته، وقد يحصل آخرون على رواتب أعلى رغم أن المرأة قد تكون أكثر كفاءة وخبرة. نحن كنقابة العمال، كما ندافع عن حقوق كل عامل سواء كان رجلاً أو امرأة، لدينا قسم خاص بالنساء، وأي امرأة تواجه مشكلة أو معاناة يمكنها تقديم شكوى لدينا. نحن نتابع الأمر بسرية ولا نسمح بأن تتحول المشكلة إلى عبء اجتماعي أو عائلي، وإذا كان هناك حاجة إلى محامٍ أو دعم قانوني نوفره لها".
ووفقاً للقانون، جميع الإجازات منظمة، وخاصة إجازة الأمومة وإجازة الوالدية، لكن بعض النساء يواجهن ظروفاً صعبة وغير عادلة. ففي بعض الأماكن تُطبق القوانين، بينما في أماكن أخرى تُنتهك، إذ يقال للمرأة بعد انتهاء إجازة الأمومة إن وظيفتها لم تعد موجودة وتم استبدالها بشخص آخر. إذا كان هناك عقد رسمي أو التزام قانوني من صاحب العمل، أو إذا كانت الأم تعرف حقوقها القانونية، يمكنها استرجاع حقها.
"النساء في العمل أكثر دقة وعمقاً"
أشارت ليلى كريم حمادي إلى أن جميع النساء العاملات في نقابة العمال يتمتعن بالكفاءة، سواء كنّ يعملن في الميدان أو في المراكز والمؤسسات "إذا لم يتعرضن لضغط أو تمييز بسبب جنسهن، يمكنني القول إن نساء النقابة أكثر قدرة وكفاءة من الرجال. نحن نطالب بأن تُمنح النساء فرصاً أكبر للدخول إلى سوق العمل، وأن تُعطى لهن الحقوق التي يستحقنها، لأنهن يمتلكن الطاقات والقدرات التي تؤهلهن لإدارة النقابات، المنظمات، واللجان في مختلف المجالات".
وأضافت "النساء يعملن بشكل أفضل، أكثر دقة، ويعرفن جيدًا كيفية التعامل مع مشاكل وصعوبات العمل، كما أنهن أكثر التزاماً وعمقاً في أداء مهامهن. مشاركة النساء في العمل تتزايد يوماً بعد يوم، واليوم كثير منهن يعملن عبر الإنترنت من منازلهن، وهذا يعكس قوة النساء وكسرهن للصورة النمطية التي تقول إنهن لا يستطعن العمل. نحن لدينا عدد كبير من النساء في مختلف المجالات، لكن مع ذلك حقوقهن ما زالت منتهكة. بعض النساء يقلن إنهن يفضلن العمل من المنزل خوفاً من أن تُسلب حقوقهن أو يتعرضن للتمييز إذا خرجن إلى سوق العمل".
"في النقابة قسم خاص بالنساء، وعند مواجهة المشاكل يمكنهن إبلاغنا"
قالت ليلى كريم حمادي "في الفترة الماضية فقدت إحدى النساء حياتها في مكان عملها، وللأسف رغم أنها كانت تعمل في مجال الصحة، كان يجب أن تكون سلامة العمال في كل مكان أولوية قبل أي شيء آخر. نحن لدينا لجنة صحية ضمن لجان القائمقامية، وهذه اللجان كانت تسبق وقوع الحوادث بزيارات ميدانية لجميع أماكن العمل، وإذا وجدنا مكاناً معرضاً لخطر حادث محتمل، كنا نوجه بضرورة معالجة جميع النواقص فوراً، لأن هذه النواقص قد تؤدي إلى إصابات أو حتى فقدان الأرواح. كما كنا نكرر الزيارات مرة ومرتين وثلاثاً حتى يتم إصلاح جميع الثغرات".
وأضافت "هذه القوانين يجب أن تُطبَّق في جميع أماكن العمل لضمان سلامة حياة العمال، لكن للأسف في بعض المواقع لا تُطبق، مما يؤدي إلى حوادث مؤسفة".
وفي ختام حديثها وجهت ليلى كريم حمادي رسالة إلى العمال، وخاصة النساء العاملات "في نقابة العمال هناك قسم خاص بالنساء يتابع حقوقهن. أطلب من كل امرأة تواجه أي مشكلة أو معاناة في مكان عملها أن تلجأ إلينا، ونحن سنتابع قضيتها بسرية تامة، دون أي مواجهة أو ضغط اجتماعي، وسنعمل على إيجاد الحلول المناسبة لها".