روبار مجيد: معرفة الذات وحرية المرأة هما جوهر أطروحات القائد أوجلان
أكدت أستاذة القانون في جامعة السليمانية روبار مجيد، أن جوهر أي عملية تربوية ناجحة يبدأ من تدريب الفرد وحرية المرأة، وهما برأيها الركيزتان الأساسيتان في أطروحات القائد عبد الله أوجلان.
هيفي صلاح
السليمانية ـ إن تاريخ النظام التعليمي في إقليم كردستان كان خاضعاً لتأثير مباشر من سلطة الحكومات المركزية، ولاحقاً من الصراعات السياسية، مما جعل العلم في خدمة سوق العمل والمصالح السياسية بدلًا من أن يكون في خدمة حرية الإنسان. لذلك، هناك حاجة ملحّة اليوم إلى تغيير الفلسفة التربوية بطريقة تجعل قيماً مثل حرية المرأة، وحماية البيئة، وبناء مجتمع ديمقراطي، أساساً للمؤسسات الأكاديمية، من أجل تجاوز القيود التي كبلت المراكز العلمية.
النظام التعليمي الرسمي في إقليم كردستان لا يزال عالقاً بين النموذج الكلاسيكي الغربي وبين التأثيرات الاجتماعية والعرفية المحلية، وقد أدى ذلك إلى نشوء فجوة واضحة بين احتياجات المجتمع وما يدرس داخل المؤسسات العلمية.
ففي الفلسفة الاجتماعية يعد التدريب أداة أساسية لتحرير الإنسان، إذ لا يمكن لمجتمع يفتقر إلى نظام تدريبي مستقل ومتطور أن يقرر مصيره. ومن هنا تبرز أهمية تلك الرسائل التي تؤكد على التدريب الجوهري، وترى أن الإنسان الحر لا يمكن أن ينشأ دون تربية ديمقراطية بعيدة عن العقلية السلطوية.
لكن عند النظر إلى واقع إقليم كردستان نرى أنه رغم وجود محاولات للاستفادة من هذا النوع من الفكر، خصوصاً داخل المراكز الثقافية غير الرسمية، إلا أن النظام التربوي على مستوى المؤسسات الرسمية والحكومية ما زال خاضعاً للنماذج التقليدية والمصالح السياسية، ولم يتمكن من تحويل تلك الرسائل الداعية إلى استعادة الهوية الحقيقية للمجتمع، وحرية المرأة، وحماية البيئة، إلى أساس لعملية إصلاح تربوي حقيقي.
ويظهر ذلك بشكل أوضح في مؤسسات التعليم العالي والجامعات، التي يُفترض أن تكون مراكز أكاديمية رائدة في التغيير، لكنها في معظم الأحيان تحولت إلى أماكن لإعادة إنتاج المعرفة النظرية بدلاً من أن تكون فضاءات للنقد والإبداع، وباتت بعيدة عن مشكلات المجتمع الحقيقية.
وقد أدى هذا الوضع إلى عجز الجامعات عن أداء دورها التاريخي في تغيير العقلية الفردية وتطوير المعرفة المجتمعية. لذلك، هناك حاجة ملحة لإحداث تغيير جذري في الفلسفة التربوية، بحيث يصبح العلم في خدمة الإنسانية والحرية، لا مجرد أداة تقنية لسوق العمل.
وفي هذا السياق، يمكن للأطروحات الفلسفية التقدمية أن تشكل خارطة طريق لإنقاذ الجامعة من القيود التي تكبلها، وصولاً إلى جيل يمتلك إرادة وفكراً مستقلاً، وقادراً على مواجهة تحديات المستقبل.
لا تحرر فردياً دون تحرر اجتماعي
وفقاً لفلسفة القائد عبد الله أوجلان، فإن عملية تربية المجتمع والفرد الحر تُعد الركيزة الأساسية لكل التحولات الجذرية، ولا يمكن مواجهة نظام الحداثة الرأسمالية دون تدريب فكري ومعرفي عميق. فالتدريب لدى القائد أوجلان ليست مجرد تعلم القراءة والكتابة، بل هي عملية معرفة الذات والعودة إلى حقيقة الإنسان والمجتمع اللذين شوها عبر آلاف السنين من هيمنة السلطة.
يشدد القائد أوجلان على أن الفرد لا يمكن أن يكون حراً إذا لم يتحرر مجتمعه من القيود الفكرية والاجتماعية، وبالمقابل لا يمكن لمجتمع أن يكون حراً دون وجود أفراد واعين يمتلكون الإرادة. فحرية الفرد وحرية المجتمع مترابطتان، ولا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى.
وعي المرأة حجر الأساس في مشروع الحرية
يقول القائد عبد الله أوجلان "إن مستوى حرية أي مجتمع يُقاس بمستوى حرية المرأة فيه، لأن المرأة هي أول فئة وجنس تعرض عبر التاريخ للقمع والهيمنة". ولهذا، فعندما تُربّى المرأة وتصل إلى مستوى اتخاذ القرار وتمتلك إرادة مستقلة، فإن المجتمع بأكمله يخطو نحو الحرية. ومن هنا تصبح الجنولوجيا، بوصفها علم المرأة والحياة، الركيزة الأساسية لتربية مجتمع حر.
والجنولوجيا لدى القائد أوجلان ليست مجرد نظرية، بل هي عملية تربوية تهدف إلى إعادة المرأة إلى هويتها الحقيقية وإرادتها الأصيلة. وعندما تكتسب المرأة الوعي من خلال هذا العلم، تستطيع أن تقود جميع طبقات المجتمع نحو الحرية والمساواة الحقيقية.
تدريب الفرد... حماية الهوية في مواجهة الحداثة الرأسمالية
وبالمثل، فإن مفهوم الأمة الديمقراطية لدى القائد أوجلان هو نموذج سياسي واجتماعي قائم على التربية متعددة الاتجاهات والتعايش السلمي بين جميع المكوّنات. وهو نموذج يبتعد عن القومية الضيقة، ويركز على المجتمع الأخلاقي والسياسي الذي يتعلم فيه الأفراد، عبر تدريب ديمقراطي وكيفية إدارة شؤونهم دون الحاجة إلى سلطة قمعية مركزية.
وقد جعل هذا النموذج من نظام الرئاسة المشتركة ضمانة لكسر احتكار السلطة الذكورية، وإعادة التوازن إلى بنية اتخاذ القرار. فعندما يقود الرجل والمرأة العملية معاً وبشكل متساوٍ، تتراجع العقلية الفردانية لصالح عقلية ديمقراطية تشاركية.
وفي هذا السياق، يشكل مفهوم حماية الجوهر لدى القائد عبد الله أوجلان عملية تربوية تهدف إلى تمكين الفرد من حماية هويته وثقافته في مواجهة الهجمات الثقافية للحداثة الرأسمالية. ويتجلى هذا المفهوم بوضوح في تجربة روج آفا، حيث أسهم التدريب عبر أكاديميات المجتمع الديمقراطي والجنولوجيا في تعليم الأفراد أسلوب حياة تشاركي، وجعل من النساء طليعة الثورة. وقد أثبتت التجربة أن المرأة عندما تمتلك فكراً وإرادة حرة تستطيع تحقيق إنجازات عظيمة.
اكتشاف الذات… الهدف الأسمى للتدريب
وحول أهمية التدريب قالت الأستاذة في كلية القانون بجامعة السليمانية روبار مجيد "لا شك أن التدريب هو الأساس الذي تُبنى عليه كل المجتمعات. ويجب أن يبدأ من الأسرة ورياض الأطفال وصولاً إلى المدارس والجامعات. فعندما ينتج التدريب إنساناً واعياً وسليماً، فهذا يعني أن العملية التربوية نفسها كانت سليمة وهادفة، وأن هدفها هو بناء إنسان قادر على سد نواقص المجتمع، لا مجرد تلقين معلومات كلاسيكية محدودة".
وأضافت "كل فرد يحتاج إلى المعرفة، خاصة في مجال تخصصه، لكن التربية يجب أن تكون قادرة على تحويل هذه المعرفة إلى خدمة للمجتمع، وأن تُحدث تغييراً في شخصية الفرد. لا ينبغي أن تكون التربية مجرد وسيلة للحصول على شهادة أو إعادة إنتاج معلومات قديمة، ثم الحصول على وظيفة. فالتربية الكلاسيكية تُنتج أشخاصاً يشبهون الروبوتات، يكررون ما يعطى لهم دون وعي، ولا يمتلكون القدرة على اتخاذ قرارات جدية أو لعب دور قيادي".
ولفتت إلى أنه "يجب أن تكون الشهادة نقطة انطلاق في حياة الفرد، لا مجرد ورقة. ويجب أن تُستخدم المعرفة في حلّ مشكلات المجتمع. التدريب الحقيقي هو الذي يعلم الإنسان معرفة ذاته، وحل مشكلاته، ومواجهة التحديات الواقعية في المجتمع. أما التدريب التي لا تفعل ذلك فهي بلا جدوى".
"يمكن الاستفادة من رسائل القائد أوجلان في تطوير النظام التعليمي"
وقالت روبار مجيد إن المؤسسات التعليمية يجب ألا تكون مجرد أماكن لمنح الشهادات، بل يجب أن تُحدث تغييراً في المناهج والنظام التعليمي "يجب أن نُخرج طلاباً يمتلكون شخصية نقدية ومبدعة. على الطالب أن يقف عند النقاط التي لا يفهمها، وأن ينتقد المعرفة التي تُقدم له، لا أن يحفظها فقط ليكتبها في الامتحان ثم ينتقل إلى مرحلة أخرى. هذا لا يصنع طالباً مبدعاً ولا ناجحاً".
وأوضحت أن الأنظمة التعليمية الحديثة في العالم تعتمد على تنمية التفكير النقدي "إذا لم نربي طلاباً نقديين فلن نتقدم. فأساس الإبداع هو القدرة على النقد".
رسائل القائد أوجلان ودورها في التدريب
وعن رسائل القائد عبد الله أوجلان المتعلقة بالتدريب قالت "لدى القائد أوجلان رسائل مهمة جداً في مجال التدريب والتعليم. فهو يرى أن التدريب يمكن أن تكون وسيلة لتحرير الإنسان من الأنظمة الاجتماعية والسياسية القمعية، وأنها الطريق نحو بناء فرد حر قادر على التأثير في مصير شعبه".
وأشارت إلى أهمية اللغة الأم في التعليم "إذا لم تكن الدراسة باللغة الأم، يجب على الطالب أن يطالب بتوفيرها. لأن رفض لغتنا يعني رفض وجودنا وهويتنا".
واختتمت حديثها بالقول "التدريب مثل كل المجالات الأخرى، يجب أن يحدث تغييراً حقيقياً، وأن تكون مرتبطة بالمجتمع. ومن دون هذه العلاقة لن نتمكن من التأثير أو التقدم. وللأسف لم ننجح حتى الآن في الحد من العقلية الذكورية في المجتمع. لذلك يجب أن يحدث تغيير لتحقيق التوازن والانسجام داخل المجتمع. يجب أن يكون النظام التعليمي هو المركز والهدف، لأن من دونه لا يمكن تحقيق التغيير أو تطوير المجتمع".