قضية كلستان دوكو… سجلات محذوفة ونساء مخفيات وأسئلة كثيرة

أكدت نائبة حزب DEM عن ديرسم، آيتن كوردو، إن قضية كلستان دوكو تكشف عن استخدام ممنهج للقوة العامة في جرائم ضد النساء، وأن ما ظهر من حقائق قد يفتح الباب لإعادة النظر في ملفات نساء أخريات.

ساريا دنيز

مركز الأخبار ـ تكشف التطورات الأخيرة في قضية اختفاء الطالبة الجامعية كلستان دوكو عن شبكة معقدة من الادعاءات، السجلات المحذوفة، التناقضات الرسمية، والملفات التي أُغلقت دون تحقيق فعّال.

دخلت قضية اختفاء الطالبة الجامعية كلستان دوكو في ديرسم بشمال كردستان، التي اختفت في الخامس من كانون الثاني/يناير 2020، مرحلة جديدة بدت وكأنها تعيد فتح الأبواب التي أُغلقت قبل سنوات.

فمع توقيف خمسة عشر شخصاً في إطار التحقيق، وإيداع عشرة منهم السجن، عاد الملف إلى الواجهة بقوة، هذه المرة تحت عنوان مختلف وأكثر ثقلاً، تحقيق يُدار بوصفه "جريمة قتل".

لكن ما جعل المشهد أكثر تعقيداً هو ظهور خيوط أخرى، حيث وردت أنباء عن شابة مجهولة الاسم في العشرينات من عمرها، تعرضت للاغتصاب في الفترة نفسها التي كانت فيها كلستان دوكو تُبحث بوصفها مفقودة. رواية تقول إن تلك الشابة لم تصب فقط بصدمة الاعتداء، بل كسرت فقرتها القطنية، ونقلت أولاً إلى مستشفى في إيلازيغ، ثم أُحضرت لاحقاً إلى مستشفى الدولة في تونجلي.

ومع انتشار هذه الادعاءات، بدأت الأسئلة تتكاثر كأنها تتحدى الصمت الذي أحاط بالقضية منذ البداية. من كانت تلك الشابة؟ ولماذا أُغلقت غرفة المستشفى التي وُضعت فيها بالمفتاح، حتى إن عاملات النظافة مُنعن من دخولها؟ من كان داخل تلك الغرفة، ولماذا كان وجوده يستدعي هذا القدر من السرية؟ ولماذا وُضع ثلاثة عناصر لحراسة بابها على مدار الساعة؟ ومن الذي أصدر الأمر بتعيينهم هناك، وبأي صلاحية؟

هذه الأسئلة لم تكن مجرد فضول شعبي، بل كانت جزءاً من شعور عام بأن هناك شيئاً ما لم يُقل، وأن خيطاً ما قد يربط بين اختفاء كلستان وبين تلك الحادثة الغامضة التي لم يُكشف عن تفاصيلها كاملة حتى اليوم.

في 17 كانون الثاني/يناير 2020، ظهرت أولى الأخبار التي تتحدث عن تلك الشابة المجهولة. كانت التقارير تشير إلى أنها تعرضت لاعتداء وحشي أدى إلى كسر في ظهرها، وأنها نُقلت على عجل إلى إيلازيغ قبل أن تُعاد إلى تونجلي. ورغم مرور سنوات، لا يزال اسمها غير معروف، ولا تزال ظروف نقلها، وحراستها، وإخفائها، محاطة بضباب كثيف.

ومع كل تطور جديد في ملف كلستان دوكو، يعود هذا السؤال ليطفو على السطح؛ هل كانت تلك الحادثة مجرد واقعة منفصلة، أم أنها جزء من الصورة الأكبر التي لم تُكتمل بعد؟

 

الغرفة رقم A-326

لم يكن اسم المرأة التي نُقلت إلى ديرسم مُسجلاً في أي من سجلات المستشفى، وهو ما أثار منذ البداية علامات استفهام عديدة. إضافة إلى ذلك، أشارت المعلومات إلى أنها لم تُعالج في القسم الذي كان من المفترض أن تُنقل إليه، بل وُضعت في "الغرفة رقم A‑326" التابعة لقسم الأمراض الباطنية في الطابق الثاني من مستشفى الدولة في تونجلي، في خطوة يعتقد أنها كانت تهدف إلى منع انكشاف حادثة الاغتصاب. وُضعت على باب الغرفة لافتة كبيرة كتب عليها "ممنوع الزيارة"، ولم يُسمح لأي شخص بالدخول إليها.

ووفقاً لما ورد في التقارير، كانت الغرفة التي مُنعت حتى عاملات النظافة من دخولها مضاءة باستمرار، من دون أن يلاحظ دخول أو خروج أي شخص منها، كما لم يسمع منها أي صوت، وبقي بابها مقفلاً طوال الوقت. وتحدثت الروايات عن امرأة كانت تتولى رعاية الشابة وحراسة الغرفة، في حين شوهد رجلان يقدر عمر كل منهما بين الثلاثين والخامسة والثلاثين يدخلان الغرفة في أوقات مختلفة. ويُقال إن الحادثة كشفت بالصدفة عندما حاولت إحدى عاملات النظافة تنظيف الغرفة، لتلاحظ وجود شيء غير طبيعي. كما أُفيد بأن عدد عناصر الشرطة داخل المستشفى ازداد بشكل لافت خلال تلك الفترة.

وتشير المعلومات إلى أن المرأة غادرت المستشفى بعد أن تقرر تسريحها، ونُقلت إلى خارج الولاية، حيث خرجت من المستشفى برفقة ثلاثة رجال وامرأة، في مشهد زاد من غموض القصة بدل أن يبدده.

 

رئيس الأطباء ينفي الادعاءات

في ذلك الوقت، خرج رئيس الأطباء في مستشفى الدولة بتونجلي، الدكتور تشاجداش أوزدمير، الذي أُوقف لاحقاً ضمن تحقيقات قضية كلستان دوكو، بتصريح لوسائل الإعلام يؤكد فيه أن المستشفى "لم يستقبل أي مريضة تعرضت للاغتصاب أو كُسر ظهرها، وأنه لم تُجرَ أي معالجة من هذا النوع داخل المستشفى". كان التصريح حاسماً، وكأنه محاولة لإغلاق الباب أمام كل ما يُثار حول الحادثة.

لم يقتصر النفي على رئيس الأطباء، إذ سارعت مديرية الصحة في تونجلي إلى إصدار بيان رسمي أكدت فيه أنه لم يتقدم أي مريض بشكوى مشابهة تتعلق بامرأة في العشرينات تعرضت للاغتصاب أو العنف الجسدي. وجاء في البيان أن الخبر المتداول "تشهيري" ويستهدف سمعة المستشفى، وأن المديرية ستتقدم ببلاغ إلى النيابة العامة وتباشر الإجراءات القانونية.

لكن اللافت في البيان أن المديرية أحالت الموضوع إلى ولاية تونجلي، مشيرة بشكل غير مباشر إلى أن الوالي تونجاي سونيل الذي أُوقف هو الآخر لاحقاً ضمن تحقيقات قضية كلستان دوكو، هو الجهة التي ينبغي الرجوع إليها في هذا الشأن.

وأضافت المديرية في بيانها أن الادعاءات التي أطلقها "بعض الأشخاص والمنظمات الانفصالية" تهدف إلى زعزعة الهدوء في المدينة، وأنها "لا أساس لها". 

ورغم هذا النفي الرسمي، فإن تقارير الشرطة الموجودة في ملف التحقيق بقضية كلستان دوكو، قبل حذف البيانات منه كانت تؤكد وقوع الحادثة، ما زاد من الشكوك بدل أن يبددها.

وفي سياق موازٍ، أفيد بأن بعض ممثلي المؤسسات المحلية في المدينة طرحوا موضوع الاغتصاب خلال اجتماع مع نائب الوالي سلجوق يوسونكايا. إلا أن يوسونكايا نفى بدوره صحة هذه الادعاءات. وبعد أشهر قليلة، وتحديداً تشرين الثاني/نوفمبر 2020، تبيّن أنه نُقل ليشغل منصب قائمقام بلدة إينيبولو.

 

تبديل المحققين

وتقدم مجلس نقابة المحامين في ديرسم بطلب رسمي إلى النيابة العامة بعد انتشار الادعاءات في وسائل الإعلام، مطالباً باعتبار ما ورد في الأخبار "بلاغًا رسمياً" وفتح تحقيق فوري بشأنه. وجاء في نص الطلب أن النقابة ترغب في معرفة ما إذا كانت النيابة قد تلقت أي شكوى أو بلاغ يتعلق بالحادثة، وما إذا كان قد فُتح تحقيق سابق حولها. وأضافت النقابة أنه في حال عدم وجود أي بلاغ، فإنها تطلب اعتماد عريضتها مرفقة بالخبر المنشور بوصفها بلاغاً رسمياً يستوجب التحقيق.

لكن هذا المسعى انتهى بقرار "عدم الملاحقة". فبحسب محامي مجلس النقابة، الذي تقدّم بالبلاغ في ذلك الوقت، أصدرت النيابة قرارها بدعوى أنه "لم يتم العثور على أي دليل يثبت الادعاء بعد البحث".

وفي سياق متصل، كان لافتاً أن "ثلاثة مدّعين عامين" جرى تغييرهم خلال مراحل التحقيق في قضية كلستان دوكو، ما أضاف مزيداً من التساؤلات حول مسار الملف وتعامل السلطات معه.

 

"حذف سجلات كلستان من المستشفى"

كشفت التحقيقات لاحقاً أن سجلات كلستان دوكو في مستشفى الدولة بتونجلي لم تكن موجودة هي الأخرى. فقد ثبت أنها زارت المستشفى في 31 كانون الأول/ديسمبر عند الساعة 09:09 صباحاً، لكن جميع سجلات النظام الخاصة بذلك اليوم بما في ذلك السجلات التقنية كانت قد اختفت بالكامل. وجاء في التقارير الرسمية أن غياب السجلات لا يمكن تفسيره بوصفه أمراً طبيعياً، وأن الحذف تم عبر تدخل تقني غير مصرح به، ما يشير إلى عملية إخفاء متعمدة.

ورغم هذا الإثبات، أصرت إدارة المستشفى على أن كلستان دوكو لم تذهب إلى المستشفى أصلاً في ذلك اليوم، لكن الوثائق التي أُدرجت لاحقاً في ملف التحقيق كانت تحمل عناوين تقنية مثل: Bulgular – Gebe – Plan – Çocukkey – Htkey – Fetuskalses – Hbkey – Pelvisanatomi – Pelvisağrılık"، وهي مصطلحات تُستخدم عادة في تقييمات الحمل. كما ظهر في خانة "نبضات القلب" قياسات متتابعة: 120 – 136 – 140 – 150.

وتتحدث الادعاءات عن أن كلستان دوكو تعرضت للاغتصاب في 27 كانون الأول/ديسمبر، ما يفتح الباب أمام أسئلة جديدة؛ هل كانت هناك حادثة سابقة لم يُكشف عنها؟ هل كانت السجلات المحذوفة تتعلق بزيارات لاحقة؟ ومن كانت المرأة المجهولة التي نُقلت إلى المستشفى في الفترة نفسها؟ وكم عدد النساء اللواتي أُدخلن المستشفى دون تسجيل رسمي؟ وكم سجلًا حُذف؟ وكم امرأة عولجت في الخفاء؟ هذه الأسئلة لا تزال بلا إجابة، لكنها تُظهر أن ما جرى داخل المستشفى لم يكن مجرد خطأ إداري، بل جزءاً من صورة أكبر وأكثر تعقيداً.

 

لماذا الآن؟

 

ANF | Ayten Kordu: Bunlar sömürge madenciliğidir

 

في تعليقها على هذه التطورات، قالت نائبة حزب DEM عن ديرسم، آيتن كوردو، إن ما ظهر في ملف كلستان دوكو يكشف عن استخدام القوة العامة في جرائم ضد النساء، مشيرة إلى أن السؤال الأهم هو "لماذا تُفتح هذه الملفات الآن بعد مرور ست سنوات ونصف؟".

وأوضحت أن التحقيق يجب أن يشمل جميع المسؤولين الذين كانوا في مواقع السلطة خلال تلك الفترة بدءاً من الوالي السابق، الوالي اللاحق، رؤساء الأطباء، مديري الأمن، رؤساء النيابة، وحتى رئيس الجامعة. 

وقالت إن ما ظهر في الملف يشير إلى أن القوة العامة داخل الدولة تحولت إلى "بنية شبه عصابية" تُستخدم في الاغتصاب والقتل، وإن التحقيق يجب أن يشمل أيضاً وزير الداخلية آنذاك، الذي على حد قولها كان يحمي الوالي تونجاي سونيل.

كما لفتت إلى وجود ملفات أخرى لنساء مثل روجفيلات كزمز، روجين كبايش، نارين كوران وغيرهن، مؤكدة ضرورة إعادة النظر فيها في ضوء ما كشفه ملف كلستان دوكو.

وأكدت آيتن كوردو أنهم سيواصلون متابعة القضية حتى النهاية، وأنهم قدّموا سؤالاً برلمانياً بشأن كلستان دوكو، مشددة على أنه إذا كانت هناك نية حقيقية لتحقيق العدالة، فيجب قبول هذا الطلب في اللجنة المختصة "السلطة السياسية تتحمل مسؤولية هذا المسار"، وإن التحقيق يجب أن يشمل كل من كان في موقع اتخاذ القرار خلال تلك الفترة.

وردّت آيتن كوردو على السؤال المتعلق بالمرأة التي تعرّضت لاغتصاب من قبل ثلاثة رقباء مختصين عام 2020 ونُقلت إلى مستشفى الدولة في تونجلي "لم يقدم أي بلاغ رسمي في ذلك الوقت بخصوص الحادثة كانت هناك فقط مراجعة من نقابة محامي ديرسم إلى النيابة العامة. وقد انعكس ذلك أيضاً في الصحافة، وصدر قرار بعدم الملاحقة. لا أعتقد أن هذه المرأة هي كلستان دوكو. المرأة لم تتقدم بأي شكوى لا إلى النقابة ولا إلى الشرطة. هناك سياسة حرب خاصة خطيرة جداً في شمال كردستان. ولم تعد مقتصرة عليها فقط بل امتدت إلى جميع أنحاء تركيا. الجميع يعرف أن العديد من الرقباء المختصين والحراس القرويين في شمال كردستان ارتكبوا اعتداءات وتحرشات وجرائم اغتصاب بحق النساء، وأن هذه الملفات وُضعت على الرف ولم تُجرَ تحقيقات فعّالة بشأنها".

 

"التحقيق قد يفتح الباب لملفات جديدة"

وأوضحت آيتن كوردو أن المرأة لم يكن لها أي تواصل مع الجهات المعنية، مضيفة "الحركة النسوية لم تتمكن من الوصول إلى المرأة. وبفضل التحقيق في قضية كلستان دوكو وما كشفه من حقائق، يمكن أيضاً طرح وضع المرأة الأخرى للنقاش. يمكن المطالبة بإعادة التحقيق والبحث. لماذا لم تقدّم تلك المرأة شكوى في ذلك الوقت؟ نعم، لم تتقدم بشكوى، لكن كثيراً من النساء، خصوصاً عندما تكون الجريمة الجنسية مرتكبة من قبل عناصر الدولة أو ضمن علاقات الدولة، لا يستطعن التحدث ولا يتقدمن ببلاغات. نحن نعيش في جغرافيا تشعر فيها النساء بعدم الأمان، وتكون فيها آليات التبليغ غير كافية، وتُدار فيها القضايا وفق منظور القضاء الذكوري، حيث تصل سياسة الإفلات من العقاب إلى أعلى مستوياتها. لذلك، لم تُجرَ تحقيقات فعّالة في العديد من الحوادث التي وقعت في تلك الفترة. وربما يساهم هذا الملف في كشف أولئك الذين استغلوا علاقاتهم داخل الدولة بأبشع الطرق، ويفتح الباب أمام ملفات جديدة. هذه القضية هي قضية الجميع، قضية كل النساء".