نسج السجاد إرث قديم تحمله النساء الأفغانيات إلى المستقبل
على الرغم من القمع والعنف، أثبتت نساء أفغانستان مرة أخرى أنهن العمود الفقري لاقتصاد الأسر والمجتمع. فهن، من خلال نسج السجاد ومهاراتهن التقليدية، يحركن عجلة المعيشة ويحافظن على دورهن الحيوي في اقتصاد البلاد.
بهاران لهيب
باميان ـ يعد نسج السجاد في أفغانستان واحداً من أقدم الفنون الحرفية التي تعود جذورها إلى مئات السنين. فهذا الفن لم يكن مجرد نشاط اقتصادي لشعب أفغانستان، بل كان أيضاً جزءاً من الهوية الثقافية والتقليدية لهذا البلد.
اشتهر السجاد الأفغاني في العديد من دول العالم بفضل جودته العالية، وزخارفه الجميلة، وألوانه الطبيعية التي نالت إعجاب الكثيرين. وفي كثير من العائلات، انتقل فن نسج السجاد من الأجيال السابقة إلى الأجيال اللاحقة، ولا يزال يُحافظ عليه بوصفه تراثاً قيماً.
ففي العصور القديمة، كانت الشعوب المختلفة في أفغانستان، ولا سيما في المناطق الشمالية والغربية والشمال الغربية من البلاد، تمارس حرفة نسج السجاد. وقد لعبت قبائل التركمان والأوزبك والبلوش وبعض المجموعات البشتونية دوراً مهماً في تطور وانتشار هذا الفن. كان هؤلاء يستخدمون صوف الأغنام والألوان الطبيعية المستخرجة من النباتات لنسج سجاد يستعمل في المنازل ويتاجر به أيضاً.

ومن أهم خصائص السجاد الأفغاني تصاميمه ونقوشه المميزة. فكل منطقة في البلاد تمتلك أسلوباً خاصاً في نسج السجاد يعكس ثقافتها وطريقة حياتها. في الماضي، كان معظم السجاد يُنسج يدوياً داخل البيوت، وكانت النساء يشكلن العنصر الأساسي في هذه الحرفة، فقد كانت النساء الريفيات، إلى جانب أعمالهن المنزلية اليومية، يقضين ساعات طويلة في نسج السجاد. ولم يكن هذا العمل مجرد وسيلة للحفاظ على التقاليد الثقافية، بل كان أيضاً مصدراً مهماً لدخل الأسرة، وساهم في تحسين الوضع الاقتصادي للعديد من العائلات.
مع مرور الزمن وتغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، شهدت صناعة نسج السجاد في أفغانستان تحولات عديدة. ففي بعض الفترات، أدت الحروب وانعدام الأمن إلى تراجع إنتاج السجاد، إلا أن الشعب الأفغاني، رغم كل هذه التحديات، استطاع الحفاظ على هذا الفن العريق وإعادته إلى الواجهة من جديد. وقد واصل الكثير من النساجين عملهم حتى في أصعب الظروف.
وفي السنوات الأخيرة، عاد السجاد الأفغاني ليجذب اهتمام الأسواق الدولية مرة أخرى. فالمعارض الدولية وتصدير السجاد إلى مختلف دول العالم أسهما في استعادة هذه الصناعة لمكانتها المهمة في اقتصاد البلاد. ومن جانب آخر، يعاني غالبية المجتمع من البطالة تحت حكم طالبان؛ لذلك يعد إنتاج السجاد أحد أهم وسائل كسب الرزق، وخاصة بالنسبة للنساء اللواتي يشكلن الجزء الأكبر من العاملات في هذا المجال.
رغم الصعوبات النساء مستمرات في العمل
معصومة حسيني من ولاية باميان. رغم كونها خريجة جامعية، إلا أنها مضطرة للمساهمة في إدارة شؤون حياتهم الأسرية المكونة من خمسة أفراد إلى جانب زوجها.
تعد باميان من المناطق الباردة في ولايات أفغانستان، حيث تنخفض درجات الحرارة فيها أحياناً إلى 21 درجة تحت الصفر. وهي من المناطق التي تنتشر فيها تربية المواشي بشكل واسع. كما أن نسبة النساء المتعلمات فيها أعلى مقارنة ببعض الولايات الأخرى. ومع ذلك، وبسبب التمييز القومي الذي مارسته الحكومات المتعاقبة، حُرم سكان هذه الولاية من أبسط الخدمات الأساسية.
وتقول "شتاء باميان شديد البرودة. هناك نساء يعملن في هذه الشركة، لكن بسبب البرد القارس، أخذ الجميع معدات نسج السجاد إلى بيوتهم ليواصلوا العمل هناك".
ومن الجدير بالذكر أن معظم العائلات لا تستطيع تدفئة سوى غرفة واحدة في الشتاء، وبعضها لا يملك القدرة حتى على تدفئة تلك الغرفة. لذلك، يخزن الناس أي شيء يمكن استخدامه كوقود، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة تلوث الهواء. ولم تتمكن سوى امرأتين من نقل ورشة العمل إلى منزلهما لأن غرفهما كانت أكبر قليلاً.
إلى جانب عملها في نسج السجاد في الشركة، تقوم معصومة حسيني أيضاً بإعداد الطعام للعاملين فيها "أعمل في هذه الشركة منذ عامين، وأنا مشغولة بنسج السجاد. هذا السجاد الذي ترونه عملت عليه لمدة شهر تقريباً".
وأضافت "الشركة توفر لنا الصوف لنقوم بغزله وتحويله إلى خيوط السجاد. ثم يتم صبغه، وبعد ذلك يسلم إلينا لنبدأ النسج. وهذا هو السجاد الذي نقوم بإنتاجه".
وعن بداية عملها قالت "كنت متدربة في إحدى الشركات وبعد ذلك فتحت ورشة صغيرة في منزلي وبدأت نسج السجاد بشكل مستقل. الكثير من النساء لهن دور فعال في إنتاج السجاد".
وأوضحت أن "إنتاج السجاد يساعد كثيراً في تحسين اقتصاد أسرتنا"، وإلى جانب نسج السجاد، تقوم النساء بغزل الصوف أيضاً.