نساء يصنعن التاريخ... دور الأم في تشكيل وعي القادة
في تاريخ الكرد والعالم، كان القادة العِظام ثمرة أمهاتٍ استطعن الخروج من إطار الخضوع والحفاظ على هويتهن وكرامتهن، وهنا يبرز دور الأم الشجاعة بوصفها حصناً نفسياً لطفلها، فتغدو منبعاً لصناعة الرواد والقادة في المجتمع.
هيفي صلاح
السليمانية ـ إن تربية الطفل على يد أم جريئة وصاحبة قرار، تنتقد العادات الجامدة والتقاليد المقيدة، تترك أثراً أساسياً في بناء شخصية الطفل، فالطفل يتعلم الثقة بالنفس والاستقلالية من خلال مراقبة تصرفات أمه، لا من خلال النصائح الكلامية فقط.
هذا النوع من الأمهات يخلق بيئة ينمو فيها الطفل وهو يمتلك هويته الخاصة، ويتعلم طرح الأسئلة والبحث عن الحقيقة، أما اعتياد الأم على قول "نعم" لكل شيء، فلا ينتج إلا إنساناً تابعاً، فرفض الأم الخضوع ليس هدماً للأسرة، بل هو أساس لبناء أسرة سليمة، فطالما أن الأم مقيدة، فلن تستطيع تربية جيل يقود وطنه وشعبه نحو الحرية.
تجاوز مفهوم الخضوع
في المجتمعات المغلقة، غالباً ما تُختزل صورة الأم المثالية في الطاعة والصمت الدائم، وقد أدى هذا التصور إلى تنشئة أجيال كثيرة على التبعية والخضوع، لكن تاريخ التحولات الاجتماعية أثبت أن القادة العظام تربوا على أيدي أمهات عرفن كيف يدافعن عن حقوقهن، وكيف يقلن "لا" عند الضرورة.
فعندما تستطيع الأم الدفاع عن حقوقها والتمرد على القيود التي تكبل إرادة الإنسان، فإنها تعلم طفلها الشجاعة بصورة غير مباشرة، وهذه هي الصفات التي يحتاجها القائد والرائد، لأن القيادة تحتاج إلى قوة لتغيير الواقع لا إلى الاستسلام له، وفي المقابل، فإن المرأة التي لا تقول إلا "نعم" تربي طفلاً خائفاً أو تابعاً، عاجزاً عن الإبداع وقت الحاجة.
التوازن بين الشجاعة والتربية
ولتحقيق التوازن، ينبغي أن تكون الأم نموذجاً للشجاعة، وفي الوقت نفسه تترك لطفلها مساحة حرة ليعبر عن رأيه، وأول خطوة هي احترام اختلاف رأي الطفل، وثانيها ألا تتحول حرية الأم إلى ديكتاتورية جديدة، بل تستخدم قوتها لحماية العدالة، ومن المهم جداً أن يرى الطفل أمه تعتذر عندما تخطئ، لأن ذلك يعلمه المسؤولية.
دور الأب داعم أم معرقل؟
إن دور الأب في هذه المعادلة يشبه السيف ذي الحدين؛ فإذا كان الأب منفتح الفكر، فإنه يصبح أكبر داعم لحرية الأم، أما إذا حاول إبقاء زوجته داخل إطار الطاعة فقط لإرضاء المجتمع، فإنه يعيق أيضاً نمو شخصية الطفل، وحينها يظن الطفل أن القوة حكر على جنس واحد، وهذا ما يصنع جيلاً ظالماً أو مظلوماً.
وعندما يرى الطفل أن أمه تمتلك رأياً أمام والده، تتولد لديه قيمة المساواة، فإذا كانت الطفل بنتاً ترى في أمها نموذجاً للاستقلالية، وإذا كان ولداً، تعلم احترام إرادة المرأة، وهؤلاء الأطفال يكونون أكثر جرأة وذكاء داخل المجتمع، لأنهم تربوا في مدرسة أم شجاعة وأب متفهم، وتعلموا توازن الحياة لا مجرد تنفيذ الأوامر.
مواجهة الضغوط الاجتماعية
في المجتمعات المغلقة، تتعرض هذه الأسر لكثير من الضغوط، مثل العزلة الاجتماعية أو وصف الطفل بالمتمرد، بل وحتى اتهام الأب بالضعف، وهنا يجب أن تكون الأم ملاذاً نفسياً آمناً لطفلها، وتعلمه أن الاختلاف قوة وليس عيباً، فالأم تصبح درعاً يحمي شخصية طفلها من سهام الانتقادات السامة.
ولكي تتحول هذه الرؤية إلى واقع، ينبغي أن يصبح البيت مدرسة صغيرة للحرية من خلال التمسك بالحقوق، وأن يرى الأطفال أمهم ثابتة على حقوقها، وتعليم الطفل النقد والحوار، حتى مع والديه، ومنحه الثقة لاتخاذ القرارات الصغيرة وتحمل مسؤولية أخطائه، بالإضافة إلى تعريفه بتاريخ النساء الرائدات مثل الأم عويش وعادلة خانم والأم كولي ليقترب من معنى الشجاعة، وكذلك جعل الصدق أساس العلاقات بدلاً من الخوف، لأن الخوف يصنع العبيد، أما الاحترام فيصنع أصحاب الإرادة والقرار.
الأمهات بوصفهن منبع الريادة في التاريخ
الأم عويش: كانت مصدر إلهام للقائد عبد الله أوجلان، إذ غرست فيه روح التمرد والاعتماد على النفس.
مينا خانم: لم تكن أماً لأطفالها فقط، بل عُرفت أيضاً باسم "أم كردستان"، وكانت أول من أسس "اتحاد نساء كردستان" عام 1945، وشجعت الأمهات على إرسال بناتهن إلى المدارس.
حفصة خان النقيب: افتتحت أول مدرسة للبنات في منزلها بمدينة السليمانية بإقليم كردستان، وكتبت رسالة إلى عصبة الأمم للمطالبة بحقوق الكرد، ولم تكن أماً لعائلتها فقط، بل أماً لكل المتعلمين.
عادلة خانم: كانت امرأة قوية وصاحبة قرار، عُرفت كرئيسة لعشيرة الجاف وحاكمة منطقة حلبجة، وفي زمن هيمنة الذكورية، أدارت المحاكم والأسواق والسجون، وأعادت الأمن والاستقرار إلى المنطقة، فبقيت في ذاكرة الناس أماً حنونة وقوية في آن واحد.
مستورة أردلان: تُعد أول مؤرخة امرأة في الشرق الأوسط، ففي زمن كان فيه تدوين التاريخ حكراً على الرجال، كتبت تاريخ إمارة أردلان، وأثبتت أن المرأة الكردية تمتلك فكراً وقلماً قويين.
مارغريت جورجس: عُرفت كأول امرأة بيشمركة حملت السلاح، وأصبحت رمزاً للتضحية، ومهدت الطريق أمام آلاف النساء الكرديات للمشاركة في النضال المسلح، مؤكدةً أن المرأة الكردية قادرة على الريادة حتى في أصعب الجبهات.