نساء السودان بين النزوح والجوع والعنف… ألف يوم من المأساة المستمرة
بعد مرور ألف يوم على اندلاع النزاع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ما تزال المرأة السودانية تدفع الثمن الأكبر لهذا النزاع، إذ تواجه أشكالاً متعددة من الانتهاكات أبرزها العنف الجنسي، النزوح المتكرر، فقدان المعيل، والاعتقال.
ميرفت عبد القادر
السودان ـ عاشت نساء السودان خلال ألف يوم من النزاع بين الجيش وقوات الدعم السريع قصصاً مؤلمة تختصر حجم المأساة الإنسانية، حيث واجهن النزوح المتكرر، فقدان المعيل، والجوع، إلى جانب تعرضهن لانتهاكات جسيمة أبرزها العنف الجنسي والاعتقال، لتصبح المرأة السودانية الضحية الأولى في نزاع لم تتوقف آثارها القاسية على المجتمع.
بعد مرور ألف يوم على اندلاع النزاع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في الخامس عشر من نيسان/أبريل، ما تزال المرأة السودانية تدفع الثمن الأكبر لهذا النزاع، فمع كل يوم جديد تتفاقم معاناتها، إذ تتعرض لشتى أشكال الانتهاكات من عنف جنسي واختطاف واسترقاق وبيع، في ظل غياب القوانين التي تحميها وانعدام التعاطف المجتمعي معها، كما تواجه النساء قسوة النزوح وفقدان المعيل، ويُثقل كاهلهن عبء تربية الأبناء وسط أجواء الحرب، بينما يُنظر إليهن من قبل المجتمع على أنهن مذنبات لا ضحايا، رغم ما يعانينه من آلام وما يفرضه الواقع عليهن من قسوة.
قصص موجعة تُثقل القلب وتُغرق العين بالدمع، وحياة تُسلب منها أبسط مقومات البقاء، نزوح متكرر ورحلات شاقة، عاشت خلالها نساء السودان أقسى التجارب في زمن النزاع، يقطعن المسافات مشياً على الأقدام لأيام طويلة، يحملن أطفالهن على ظهورهن، بلا متاع ولا ماء ولا غذاء، يتحملن ثقل الصبر فيما يعتصرهن الألم والوجع، ويلاحقهن خوف دائم من المجهول، في رحلة لا تشبه سوى اختبار قاسٍ للإنسانية والقدرة على الاحتمال.
تتكرر مع النساء السودانيات رحلات النزوح، فكل منطقة تصل إليها قوات الدعم السريع تصبح غير صالحة للاستقرار، مما يضطرهن إلى الرحيل مرة أخرى بحثاً عن الأمان وحماية لأرواحهن وأطفالهن، وفي إحدى معسكرات مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان غرب السودان، رصدت كاميرا وكالتنا جانباً من أوضاع النساء النازحات في أطراف المدينة، هناك في منطقة شبه صحراوية، نُصبت خيام بسيطة لتأوي الفارين من ويلات النزاع في دارفور، لتصبح شاهداً على قسوة النزوح ومعاناة النساء اللواتي يحملن عبء النجاة في ظروف تكاد تخلو من مقومات الحياة.
كابدت الجوع والإصابة
زينب مالك، إحدى النازحات من مدينة الفاشر غرب السودان، وجدت نفسها أمام واقع لا يُحتمل بعد أن عصفت المجاعة بالمدينة واشتد الحصار على المدنيين وضاق بهم الخناق، لم تجد خياراً سوى الهروب، لتستقر في نهاية المطاف داخل مراكز الإيواء بمدينة الأبيض.
تروي زينب مالك عما جرى خلال رحلتها القاسية التي امتدت خمسة أيام مشياً على الأقدام، وهي تحمل طفلها الرضيع على كتفها وترافق بقية أطفالها، دون أن تملك ما يسد رمقهم أو يخفف عنهم مشقة الطريق رحلة نزوحها قائلة "لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كانت اختباراً مريراً للصبر وقوة الإرادة في مواجهة الجوع والخوف والمجهول، تعرضت لطلق ناري أثناء هروبنا استقرت الرصاصة بقدمي مما تسببت لي في عجز بالحركة حتى أصبحت أرسل أطفالي لطلب المساعدة من سكان المدينة حتى استطيع توفير لقمة العيش لهم في ظل غياب زوجي عنا لفترة طويلة دون تواصل".
وأكدت أنها ما تزال تحمل في جسدها طلقة مستقرة داخل قدمها، عاجزة عن تحمل تكاليف المستشفى والعملية اللازمة لاستخراجها، وسط هذه المعاناة.
رحلة نزوح بين الفقد والأمل
وفي مدينة بورتسودان شرقي السودان، وبين تحديات معسكرات النزوح، مرت نسمة محمد القادمة من مدينة الفاشر بسلسلة طويلة من رحلات النزوح عبر ولايات السودان، لتستقر أخيراً في بورتسودان تقول "أن قوات الدعم السريع قتلت زوجها ووالدها، ما اضطرها إلى الفرار مع أطفالها ووالدتها طلباً للنجاة، لكن والدتها لم تحتمل قسوة الطريق والجوع والعطش، ففارقت الحياة أثناء رحلة النزوح من الفاشر".
ورغم الفقد والألم، تابعت نسمة محمد رحلتها القاسية بلا ماء ولا غذاء، متنقلة بين معسكرات الولاية الشمالية، ثم عطبرة بولاية نهر النيل، وصولاً إلى معسكرات بورتسودان، حيث تحاول اليوم أن تبدأ حياة جديدة وسط ظروف النزوح القاسية.
وبصوت يملؤه الحزن أكدت أن قوات ارتكبت انتهاكات بحق المدنيين، مشيرةً إلى أنها فقدت كل أهلها وكل ما كانت تملك، ولم يبقَ لها في هذه الحياة سوى أطفالها "أتمنى أن تضع الحرب أوزارها، وأن نتمكن من العودة إلى منازلنا الذي لم يعد يضم سوى بعض الذكريات الباهتة، ذكريات تستحضر وجوه أحبائنا الذين غيّبتهم الحرب، وتبقى شاهداً على قسوة الفقد والاغتراب".
زينب ونسمة نماذج لملايين النساء في السودان اللاتي عانين أشد المعاناة وفقدن كل ما يملكن ولم يبقى لهن سوى الأمل في توقف هذا النزاع المستمر منذ سنوات واستعادة ما تبقى من ذكريات.
وكان الجوع والعنف الجنسي خلال ألف يوم من النزاع أبرز ما عانته النساء في السودان، فقد استُخدم العنف الجنسي كسلاح للتهجير القسري، لإرغام الأهالي على ترك منازلهم ومقتنياتهم خوفاً على نسائهم، ومارست قوات الدعم السريع هذا العنف ضد النساء كوسيلة للتشفي والانتقام، ليصبحن الهدف الأول عند دخول هذه القوات لأي منطقة، وقد ظهرت في العديد من الفيديوهات مشاهد تُظهر قادة هذه القوات وهم يحفزون عناصرهم على استهداف النساء، باعتبار ذلك وسيلة لإسقاط المناطق والسيطرة عليها.
وكانت هيئة الأمم المتحدة للمرأة قد حذرت في وقت سابق من أن النساء يواجهن خطر التعرض للعنف الجنسي أثناء بحثهن عن الطعام، وفي بيان حديث لها أكدت الهيئة أن النساء يواجهن العنف الجنسي ويتحملن وطأة الأزمة الإنسانية في السودان وأن غالبية الأسر التي تعولها النساء لا تملك ما يكفي من الطعام.
ولفتت إلى إن الأسر التي تعولها نساء أكثر عرضة بثلاث مرات لانعدام الأمن الغذائي، مؤكدةً أن الجوع في السودان أصبح مرتبطاً بالجنس (الذكورة أو الأنوثة) على نحو متزايد، خاصة وأن أوجه عدم المساواة بين الجنسين في السودان آخذة في التفاقم بسبب النزاع.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 21 مليون شخص يعانون حالياً من انعدام الأمن الغذائي الحاد في جميع أنحاء السودان معظمهم من النساء والأطفال، وتقول الأمم المتحدة إن نحو 34 مليون شخص 50 بالمئة منهم من الأطفال، يحتاجون إلى الدعم الإنساني.
اعتقالات
لا يقتصر مفهوم الأمان بالنسبة للنساء في السودان على الابتعاد عن مناطق المعارك فحسب، إذ إن خروجهن من مناطق سيطرة أحد أطراف النزاع يعرّضهن لمخاطر جديدة، أبرزها الاعتقال والسجن لفترات طويلة تحت ذريعة التعاون مع الطرف الآخر، رغم أن وجودهن في تلك المناطق كان قسرياً ورغماً عنهن.
وبعد سقوط مدينة الفاشر بيد قوات الدعم السريع، جرى احتجاز مئات النساء والفتيات داخل السجون بتهمة التخابر مع الجيش السوادني، حيث يتعرضن لأبشع أشكال التعذيب والانتهاكات، في مشهد يعكس حجم المأساة التي تعيشها المرأة السودانية خلال هذه الحرب الطويلة.
وفي بيان حديث للمبادرة النسائية السودانية "لا لقهر النساء"، جرى التأكيد على أن قوات الدعم السريع تحتجز نحو 600 امرأة وفتاة في سجن نيالا بدارفور، بعضهن برفقة أطفالهن، في ظروف إنسانية بالغة القسوة، حيث يعانين من شح شديد في مياه الشرب والغذاء، وغياب الرعاية الصحية، وانعدام أبسط مقومات الحياة.
كما تُجبر بعض المعتقلات على أداء أعمال قسرية خارج السجن، وتُوجَّه إليهن تهم مثل "التخابر" و"التعاون"، دون أي إجراءات قانونية عادلة أو محاكمات، في ظل غياب كامل للشفافية والمساءلة.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ يضم سجن النساء بأم درمان، الخاضع لسيطرة الجيش السوداني، مئات النساء والفتيات المعتقلات بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، لمجرد قدومهن من مناطق كانت تحت سيطرة هذه القوات دون أدلة كافية، ورغم إعلان قائد الجيش السوداني الإفراج عن عدد كبير منهن بعد زيارته للسجن، ما تزال أعداد كبيرة منهن رهن الاحتجاز بذات التهم.
وهكذا تستمر معاناة النساء في السودان ما دامت الحرب قائمة والانتهاكات متواصلة، إذ لم تفلح الإدانات ولا الأحكام في وقف نزيف الألم، لتظل المرأة السودانية هي من يدفع الثمن الأكبر في هذه المأساة الإنسانية المستمرة.