عندما تصبح الأرقام لغة الحرب: انهيار التمييز وتطبيع تدمير البنية التحتية

تجاوز الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية المدنية في إيران، بما في ذلك 93 ألف وحدة سكنية و600 مدرسة حدود 'الحوادث' العابرة، ليصبح مؤشراً على واقع جديد تُهمّش فيه الأعراف القانونية لصالح منطق القوة والحلول العسكرية.

برشنك دولتياري

مركز الأخبار ـ تكشف البيانات الضخمة عن تدمير البنية التحتية في إيران عن هوة بين الادعاءات النظرية بحماية المدنيين وبين الواقع الميداني المأساوي، وهي فجوة لم تعد مجرد خلل عرضي أو ظرفي، بل استحالت وضعاً بنيوياً ثابتاً في النزاعات الحديثة.

في الحروب المعاصرة، لا يكمن انهيار القانون في غياب النصوص القانونية، بل في عدم فعاليتها أمام الحقائق الإحصائية، فعندما تتضرر 93.233 وحدة مدنية في أقل من شهر، منها 71.547 وحدة سكنية و 20.779 وحدة تجارية، لم يعد القانون مرجعاً مُقيداً، بل أصبح العنصر الأكثر تهميشاً في ساحة المعركة، في مثل هذه الظروف، لا تُعد الأرقام مجرد تقارير، بل تُظهر كيف يتراجع "القانون" أمام "منطق القوة".

تكشف هذه الأرقام عن الفجوة بين الادعاء بحماية المدنيين والواقع على الأرض، فجوة لم تعد عرضية أو ظرفية، بل أصبحت وضعاً بنيوياً، وعند هذه النقطة تحديداً، يذوب القانون، بدلاً من أن يكبح العنف، في لغة التبرير.

تشير الإحصاءات المعروضة، بما فيها تدمير ما يقارب 300 منشأة صحية، و600 مدرسة، و17 مركز إغاثة، وعشرات سيارات الإسعاف والمعدات الحيوية، إلى أننا نواجه تحولاً نوعياً في طبيعة الحرب، لا يمكن تفسير هذا المستوى من الدمار بمصطلح "الأضرار الجانبية" بل ينبغي اعتباره دليلاً على "تطبيع استهداف البنية التحتية المدنية".

عندما تتضرر 31 ألف وحدة سكنية في مدينة واحدة، فإن المشكلة تشير إلى نمط ممنهج، في مثل هذا النمط، تتحول المدينة بأكملها إلى ساحة معركة، وهنا يتقلص مبدأ التمييز فعلياً من قاعدة ملزمة إلى مفهوم قابل للتأويل، يكون لمبدأ التمييز معنى عندما يكون من الممكن التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، ولكن عندما تُدرج عشرات الآلاف من المنازل ومئات المدارس والمستشفيات ضمن قائمة المتضررين، يبرز التساؤل هل نحن بصدد انتهاك للقانون أم تغيير في تعريفه؟ والحقيقة هي أن القانون من خلال مفاهيم مثل "الغرض المزدوج"، قد تم توسيعه ليستوعب هذا الحجم الهائل من الدمار.

يفقد مفهوم التناسب معناه أمام هذه الأرقام، كيف يُمكن تبرير تدمير ما يقارب 100 ألف منزل ومئات البنى التحتية الحيوية في إطار التناسب؟ الجواب واضح في غياب آليات الرقابة أصبح التناسب أداة تفسيرية في يد السلطة، ونتيجةً لذلك لا يُحدد ما يُعتبر "متناسباً" بناءً على معايير إنسانية بل على أهداف عسكرية.

من منظور اجتماعي، تدمير المدارس يعني تعطيل تعليم آلاف الأطفال والمراهقين، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التسرب وتفاقم التفاوت التعليمي، وتكوين جيل ذي فرص محدودة، وبالمثل فإن تضرر المرافق الصحية يعني انخفاض فرص الحصول على الخدمات الصحية، وارتفاع معدلات الوفيات، وإضعاف نظام الصحة العامة بشكل عام.

على الصعيد الاقتصادي، تدمير آلاف الشركات يعني انهيار جزء كبير من الاقتصاد المحلي، غالباً ما تكون هذه الشركات صغيرة ومتوسطة الحجم وتلعب دوراً حيوياً في توفير فرص العمل ودعم النشاط الاقتصادي، ويؤدي تدميرها إلى ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض دخل الأسر، وتفاقم الفقر، في ظل هذه الظروف لن تكون إعادة الإعمار الاقتصادي صعبة فحسب بل ستكون غير عادلة أيضاً، إذ ستستحوذ الجهات الفاعلة الأقوى على حصة أكبر من موارد إعادة الإعمار.

 

 

ينهار مفهوم الأمن تماماً

على الصعيد النفسي، تُترجم هذه الأرقام إلى تجربة واسعة النطاق من "انعدام الأمن المطلق"، فعندما تُدمر المنازل (71 ألف منزل مدمر)، وأماكن العمل (أكثر من 20 ألف شركة) والأماكن العامة كالمدارس والمستشفيات في آن واحد، ينهار مفهوم الأمن تماماً، ويؤدي هذا إلى قلق مزمن وانعدام ثقة بنيوي وتآكل رأس المال الاجتماعي.

إن مفهوم "الضرورة العسكرية" نفسه موضع تساؤل في ضوء هذه البيانات، هل لا يزال من الممكن تعريف تدمير هذا الحجم الهائل من البنية التحتية المدنية ضمن إطار الضرورة؟ أم ينبغي لنا أن نقبل بأن هذا المفهوم قد توسع ليبرر أي نوع من أنواع العنف تقريباً؟

يُدخل هذا المستوى من الدمار المجتمع في حالة من "الجمود الهيكلي"، فعشرات الآلاف من العائلات التي فقدت منازلها لا تواجه التشرد فحسب، بل تواجه أيضاً فقدان شبكاتها الاجتماعية والاقتصادية، ويؤدي هذا الوضع إلى موجات من الهجرة الداخلية وضغط على الخدمات الاجتماعية، وتفاقم عدم المساواة.

يصبح التوقف حالة دائمة هنا، فالمجتمع الذي تتضرر بنيته التحتية الحيوية لا يمكنه العودة إلى وضعه الطبيعي بسرعة، هذا الوضع يُضعف التماسك الاجتماعي ويُقلل الثقة في المؤسسات المحلية والدولية. في هذا السياق، يصبح القانون الدولي إطاراً رمزياً أكثر فأكثر، لا يُنكر وجوده لكن فعاليته موضع تساؤل، وتلعب الأرقام دوراً هاماً هنا، إذ تُظهر أن الفجوة بين القانون والواقع ليست موجودة فحسب، بل تتسع باستمرار.

 

 

الأرقام من الإحصاءات المحايدة إلى لغة السلطة

ما يبدو للوهلة الأولى مجرد "رقم" بدءاً من آلاف الوحدات المدنية وصولًا إلى مئات المدارس والمراكز الصحية، هو في الواقع التعبير الأكثر إيجازاً عن نظام سياسي، فالأرقام في الحرب ليست مجرد إحصاء للدمار، بل هي صياغة ضمن إطار يُمكنه الكشف والإخفاء في آنٍ واحد، ولهذا السبب لا يُمكن قراءة هذه الأرقام بموضوعية، إذ تُصبح إما أداةً لإدارة الكوارث أو وسيلةً لتسييس الحقيقة.

في أقل من شهر، بلغ حجم هذه الأرقام مستوىً تجاوز مجرد "حادثة" ليصبح مؤشراً على نمط هيكلي، فعندما تصبح مئات المدارس والمراكز الصحية التي ينبغي أن تكون من بين أكثر الأماكن حمايةً في أي نظام قانوني حديث أهدافاً أو ضحايا، لم يعد الأمر مجرد "خطأ حربي" أو "نتيجة غير مقصودة"، بل يجب فهمه في سياق إعادة تعريف عملية لقواعد الحرب وإلغاء التمييز بين المدني والعسكري، هنا يُشير الرقم إلى أن القانون لا يُنتهك بل يُفرغ تدريجياً من الداخل.

لا يكمن الخطر الحقيقي لهذه الأرقام في ضخامتها، بل في قدرتها على التنميط، فكلما كبرت الأرقام اعتاد عليها العقل الجمعي كـ"خلفية"، وبدلاً من أن تتحول إلى 93 ألف قصة إنسانية تُختزل الوحدات المدمرة البالغ عددها 93 ألفاً إلى "مؤشر"، مؤشر يظهر في التقارير ويتكرر في التحليلات، ويستقر في نهاية المطاف في الذاكرة التاريخية كرقم جامد، هذه هي اللحظة التي تُختزل فيها الكارثة من مسألة أخلاقية إلى مجرد بيانات إحصائية.

في هذه العملية، تستخدم السلطة السياسية الأرقام كأداة لإدارة التصورات، يمكن عرض الأرقام بطريقة تخفف من وطأة الكارثة (كانت أقل من...) أو حتى تبررها (تكلفة لا مفر منها)، وبهذه الطريقة يتحول الرقم من وثيقة اتهام إلى أداة لتنظيم السرد، وهنا تحل "سياسة الأرقام" محل "أخلاقيات المعاناة".

لكن هذه الأرقام نفسها يمكن أن تؤدي وظيفة معاكسة، فإذا تجاوزت مستوى التسجيل السلبي وأعيدت قراءتها في إطار نقدي، فإنها تصبح "وثائق سياسية" والفرق يكمن فيما إذا كانت هذه الأرقام تبقى مجرد تقارير بيروقراطية، أم أنها تصبح أدوات للمطالبة.

 

إعادة بناء أم استنساخ؟

في غياب المساءلة، سيعيد أي مشروع لإعادة الإعمار حتماً إنتاج النظام نفسه الذي أدى إلى هذا الدمار، إعادة الإعمار بدون عدالة ليست سوى إصلاح سطحي لبنية معيبة، في مثل هذه الحالة تصبح الأرقام بدلاً من أن تكون أدوات للتغيير، مجرد ملحقات تقنية لدورة متكررة من الدمار والتسجيل الرقمي وإعادة الإعمار، ثم الدمار مرة أخرى. السؤال الأساسي هو ما إذا كانت هذه الأرقام مرتبطة بإجراءات قانونية، وتحقيقات مستقلة، وآليات للمساءلة، وإذا لم تكن كذلك فإن ما يتبقى هو نوع من "اقتصاد التدمير" حيث يخدم كل من التدمير وإعادة البناء في إدامة النظام القائم .

في نهاية المطاف، لا تكمن المشكلة في حجم الدمار، بل في "تطبيعه" فعندما يصبح تدمير البنية التحتية المدنية على نطاق واسع حدثاً متكرراً وغير ذي أهمية، فإنه يتحول تدريجياً إلى قاعدة غير مكتوبة، في هذه الحالة لم تعد الأرقام مجرد تحذيرات، بل أصبحت اللغة المعتادة لوصف العالم.

عالمٌ كهذا يتلاشى فيه الخط الفاصل بين الاستثناء والقاعدة، ما كان يُسمى "كارثة" أصبح "روتينًا"، والأرقام بدلاً من أن تُوقفنا تُجبرنا على التكيف مع هذا الوضع، عند هذه النقطة لا يكمن الخطر في استمرار العنف فحسب، بل في فقداننا القدرة على تسميته عنفاً.

لذا، تقف هذه الأرقام عند مفترق طرق تاريخي، فإما أن تصبح سجلاً صامتاً للمعاناة أو لغة مطالب قادرة على تحدي النظام القانوني والسياسي، السؤال الأهم ليس عدد الوحدات التي دُمرت، بل ما إذا كان هذا الدمار سيبقى دون معالجة، وإن كان كذلك، فأي عالم سيُبنى على أنقاضه؟