ناشطة أفغانية تؤكد على أهمية الوحدة وتعلن تضامنها مع نساء روج آفا
تُعد روج آفا تجربة استثنائية في بناء نموذج للحكم الذاتي والتعايش بين مختلف القوميات والأعراق، لكنها اليوم تواجه تحديات جسيمة تتمثل في ضغوط الحرب، التدخلات الإقليمية، وصمت المجتمع الدولي.
بهاران لهيب
أفغانستان ـ وجهت الناشطة في مجال حقوق المرأة يلدا أحمد من أفغانستان، رسالة تضامن إلى شعب روج آفا، عبّرت فيها عن الألم المشترك الذي تعانيه الشعوب في ظل الحروب والمجازر في مناطق عدة من العالم، مؤكدةً أن نساء روج آفا ستواصلن الكفاح من أجل الحرية والكرامة لتحقيق عالم خالٍ من الحروب والعنف.
تُعدّ روج آفا إحدى أهم التجارب المعاصرة للنضال من أجل الحكم الذاتي والمساواة والتعايش القومي والإثني في الشرق الأوسط، هذه المنطقة ذات الغالبية الكردية في سياق الحرب الأهلية السورية وانهيار هياكل الدولة، أصبحت مسرحاً لتشكيل نظام سياسي مختلف؛ نظام يُركّز على المشاركة الشعبية والدور البارز للمرأة، والتعايش بين الكرد والعرب والآشوريين والأقليات الأخرى، ومنذ البداية واجهت روج آفا تهديدات داخلية وخارجية خطيرة.
إن تاريخ نضال شعب روج آفا متجذر في عقود من القمع الممنهج للكرد في سوريا، بدءاً من سحب الجنسية وصولاً إلى حظر لغتهم وثقافتهم، ومع اندلاع انتفاضات عام 2011، سعت القوات الكردية المحلية، بالاعتماد على التنظيم الشعبي وإنشاء هياكل دفاعية إلى حماية مناطقها من الفوضى والجماعات المتطرفة، وشكّل تأسيس وحدات حماية الشعب YPG ووحدات حماية المرأة YPJ نقطة تحول في هذا النضال، الذي لم يقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل امتدّ ليشمل بُعداَ اجتماعياَ وأيديولوجياَ.
شكّل صعود داعش أحد أكثر الفصول دموية في تاريخ روج آفا، فباستغلال الفراغ السياسي، والموارد المالية المشبوهة، وحرية تنقل القوات والأسلحة عبر الحدود، والدعم المباشر وغير المباشر من بعض الجهات الإقليمية، بما فيها الدولة التركية الفاشية والمجتمع الدولي، تمكّن هذا التنظيم المتطرف من احتلال أجزاء واسعة من سوريا والعراق وكانت روج آفا في طليعة المواجهة مع داعش حيث دفعت ثمناً باهظاً من أرواح المدنيين والمقاتلين، بينما التزمت حكومات عديدة الصمت أو اتخذت موقفاً غامضاً تجاه هذا التهديد.
في غضون ذلك، لطالما كان دور تركيا في المعادلات الإقليمية مثيراً للجدل، فقد اعتبرت السلطات التركية، انطلاقاً من منظور أمني تجاه أي شكل من أشكال الحكم الذاتي الكردي، روج آفا تهديداً لمصالحها، ولهذا السبب، وبدلاً من دعم الحرب ضد داعش، تبنت سياسات أضعفت القوات المحلية وعززت الجماعات المتطرفة، وقد أثارت تقارير عديدة عن عبور عناصر داعش الحدود التركية ومعالجتهم لجرحى التنظيم تساؤلات جدية حول سياسات أنقرة.
بعد الهزيمة الجزئية لداعش اتخذ قمع روج آفا شكلاً أكثر وضوحاً، فقد أسفرت الهجمات العسكرية التركية المباشرة على عفرين وسري كانيه إلى جانب استخدام جماعات جهادية وكيلة، عن مقتل آلاف المدنيين، ونزوح واسع النطاق وتغيير ديموغرافي في هذه المناطق، لم تكن هذه العمليات انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان والقانون الدولي فحسب، بل كانت أيضاً محاولة ممنهجة لتدمير الإنجازات السياسية والاجتماعية لشعب روج آفا.
رغم كل هذه الضغوط، تبقى روج آفا رمزاً للمقاومة القائمة على إرادة الشعب، وتحرير المرأة، والعدالة الاجتماعية، إن صمت المجتمع الدولي إزاء عمليات القتل والقمع المستمرة يُذكّر بتجارب مريرة أخرى في المنطقة، بما في ذلك أفغانستان وإيران حيث طغت المصالح السياسية للسلطات الحاكمة على حياة الإنسان وكرامته، إن مصير روج آفا ليس مجرد قضية محلية، بل هو أيضاً اختبار لصدق العالم في الدفاع عن حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وأرسلت يلدا أحمد وهي عالمة نفس وناشطة في مجال حقوق المرأة من أفغانستان، رسالة عبر وكالتنا عبرت فيها عن تضامنها العميق وعن الألم المشترك الذي تعانيه الشعوب المقهورة جاء فيها "يشهد العالم اليوم فوضى عارمة؛ حروب وقتل ومجازر تتفشى في دول عدة مثل فلسطين وأوكرانيا وإيران وسوريا، في الأيام الأخيرة، وقعت مجازر وعمليات قتل عشوائية في مناطق ذات أغلبية كردية، مثل حلب وروج آفا، حيث يُقتل الأبرياء والمدنيون بشكل يومي، نعلم أن وراء هذه الجرائم تقف الإمبريالية الأميركية وحلفاؤها، الذين يسعون إلى دعم داعش والأنظمة الإسلامية المتشددة على غرار طالبان والجماعات الجهادية ورجال الدين، ودفعها إلى السلطة.
لقد أثبت التاريخ شيئاً مختلفاً فقبل سنوات ارتكب داعش وجماعات متطرفة معادية للمرأة مجازر في المناطق الكردية، ومنها كوباني، لكن بفضل شجاعة الأهالي وصمود النساء ونضالهن، تحولت كوباني إلى مقبرة لهذه الجماعات، واليوم ستصبح روج آفا بلا شك ساحة مواجهة جديدة ضد داعش والقوى المتطرفة.
بصفتي امرأة من أفغانستان، أعلن تضامني مع شعب روج آفا، وخاصة النساء اللواتي حملن السلاح دفاعاً عن شعبهن، وما زلن يواصلن الكفاح من أجل الحرية والكرامة، أؤمن أن الشعوب لا تستطيع إنقاذ نفسها إلا بالوحدة والتضامن والنضال الذاتي، نطمح جميعاً إلى عالم خالٍ من الحروب والعنف".