ناقوس الحرب الأهلية يدق في الشرق الأوسط

مع تصاعد القوى المهيمنة هجماتها السياسية والعسكرية على مناطق الشرق الأوسط تطرح تساؤلات عدة، منها: هل يمكن أن تؤدي التدخلات العسكرية والاقتصادية للقوى الخارجية إلى زعزعة الداخل وفتح الباب أمام اضطرابات واسعة قد تصل إلى حد صراع داخلي؟

آفرين نافدار

مركز الأخبار ـ تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة غير مسبوقة من التوتر، حيث تتقاطع الصراعات المحلية مع التدخلات الإقليمية والدولية، ما يثير تساؤلات حول إمكانية انزلاق المنطقة نحو اضطرابات أوسع قد تصل إلى مستوى الحرب الأهلية. فالأحداث في فلسطين والسودان واليمن وسوريا لم تعد معزولة، بل أصبحت حلقات ضمن سلسلة صراعات تمتد من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر والخليج.

في مشهد إقليمي تتداخل فيه الجبهات وتتشابك فيه المصالح، لم تعد الصراعات في فلسطين والسودان واليمن وسوريا أحداثاً معزولة عن محيطها، بل تحولت إلى حلقات ضمن سلسلة توتر أوسع تمتد من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر والخليج.

تبرز الحرب الدائرة بين حركة حماس وإسرائيل، والانقسام العسكري والسياسي في السودان، واستمرار النزاع المعقد في اليمن، ومحاولة شرعنة العقلية الجهادية في سوريا إلى جانب الهجمات الإسرائيلية - الأمريكية اليوم ضد إيران، واستهداف قواعد لحزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق كعناصر رئيسية في رسم خارطة جديدة للنفوذ الإقليمي، ومع اتساع رقعة المواجهة، يزداد القلق من أن تتحول هذه الجبهات إلى صراع شامل.

وبينما تتصاعد العمليات العسكرية والضربات المتبادلة بين أطراف الصراع (الإسرائيلية – الأمريكية ضد إيران)، يزداد القلق من أن تتحول هذه الجبهات إلى ساحة اشتباك أوسع، قد لا تقتصر تداعياته على المواجهات الخارجية فحسب، بل تمتد إلى الداخل الإيراني والعراقي، في ظل هشاشة التوازنات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية. وهكذا، تبدو المنطقة وكأنها أمام معادلة معقدة: صراعات محلية بأبعاد دولية، وتحالفات عابرة للحدود، واحتمالات مفتوحة على مزيد من التصعيد أو إعادة رسم خارطة النفوذ الإقليمي.

 

إيران بين الضغوط الاقتصادية والتحولات الاجتماعية

تواجه إيران في الداخل مجموعة أزمات متراكمة تشكل عاملاً حاسماً في استقرارها السياسي والاجتماعي. وما يزيد تعقيد المشهد الإيراني الخلل الاقتصادي التي تعانيه الداخل الإيراني من التضخم المرتفع والتراجع في الإنتاج، بطالة مرتفعة خصوصاً بين الفئة الشابة، تأثر القطاعات الحيوية بالعقوبات الدولية، انهيار العملة الإيرانية.

هذه الأزمات ليست وليدة اللحظة، بل نتيجة تفاعل طويل بين عقوبات خارجية واختلالات داخلية. ومع تصاعد المواجهة بين إيران والقوى الخارجية، يبقى السؤال مطروحاً حول قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود مع اتساع دائرة المواجهة العسكرية؟

ففي إيران، لم تكن انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" مجرد احتجاج عابر، بل كانت بمثابة نهضة شعبية ضد السطات الإيرانية التي تعدون المرأة والمجتمع. هذه الانتفاضة التي قادتها النساء، أضعفت قبضة السلطة وكشفت بوضوح عن إرادة شعبية عارمة تسعى إلى تحوّل ديمقراطي حقيقي وجذري. ومن منظور الحداثة الديمقراطية، ارتقى الحراك الشعبي إلى مستوى أكثر تنظيماً ووعياً، ليعبّر عن رفض عميق لبنية النظام السائد في إيران.

 

كما أعادت هذه الانتفاضات طرح أسئلة حول الحرية، العدالة، الديمقراطية وكان الجواب الأنسب الذي لجأ إليه الشعب الإيراني هو العيش وفق فلسفة "المرأة، الحياة، الحرية".

ففي خضم الأزمات الداخلية العميقة والصراع الدائر في إيران، يظل الشعب الإيراني هو اللاعب المحوري في اختيار مستقبله. وهنا تطرح الخيارات بين المقاومة والنضال من أجل بناء نظام بديل تستوعب مطالب الشعب والنساء خاصة ضمن هيكلية ديمقراطية تكون العامل الحاسم في رسم مسار إيران داخلياً وخارجياً.

الاستقرار أو الانزلاق نحو اضطرابات أوسع لا يعتمد فقط على تحركات النخبة السياسية أو الصراعات الإقليمية، بل على قدرة الشعب الإيراني على فرض إرادته والمطالبة بحقوقه المعيشية والاجتماعية. في نهاية المطاف، خيار الشعب هو العامل الأكثر تأثيراً في المعادلة: إما أن يقود إلى إصلاح حقيقي، أو إلى تصعيد داخلي يضاعف من هشاشة الوضع ويزيد المخاطر الإقليمية.

 

العراق بين هشاشة الداخل وتصعيد الحرب الإقليمية

في الوقت الذي تتصاعد فيه الهجمات الإسرائيلية - الأمريكية ضد إيران، تصبح العراق وإقليم كردستان ساحة حساسة تتداخل فيها المصالح الإقليمية مع التوازنات الداخلية. فالبلد، الذي يعاني من تراكم أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، يقف على حافة هشاشة متزايدة، حيث يمكن لأي شرارة خارجية أن تتحول إلى انفجار داخلي.

ويشكل الانقسام الطائفي بين الشيعة والسنة، إلى جانب الصراع بين القوى السياسية المتنافسة، أرضية خصبة لتأجيج النزاعات. في هذا السياق، أي تصعيد في الهجمات الإيرانية - الإسرائيلية أو الردود الأمريكية المرتبطة بالتحالف مع إسرائيل قد يتحول بسرعة إلى مواجهات على الأرض، مستغلة الفصائل المسلحة مثل الحشد الشعبي كأدوات في صراع أكبر. وقد يؤدي هذا إلى انفجار محتمل في المدن الكبرى مثل بغداد وكربلاء، وصولاً إلى المناطق الحدودية. 

العراق أصبحت اليوم مختبراً حياً لتداعيات المواجهة بين إيران وإسرائيل، حيث يلتقي الصراع الإقليمي مع هشاشة الداخل، فإذا لم يكن الشعب العراقي على دراية بهذا السيناريو ويبرز الموقف الشعبي فمن الممكن أن يصبح احتمال تحول الخلافات بين القوى المهيمنة إلى حرب أهلية - طائفية أحد أكبر المخاطر التي تهدد المنطقة.

 

سيناريو تحشيد داعش: تهديد مزدوج للعراق والشرق الأوسط كاملة

مع تصاعد الهجمات الإسرائيلية - الأمريكية ضد إيران، يبرز خطر آخر يتمثل في احتمال استغلال الإرهاب داعش الذين تم نقلهم من السجون التي كانت تديرها قوات سوريا الديمقراطية بخطة دولية؛ للفراغات الأمنية والانقسامات الداخلية.

في هذا السيناريو، قد يستغل داعش أي انشغال إقليمي أو ضعف داخلي لاستعادة نفوذه في غرب ووسط العراق، والتصعيد العسكري ضد إيران ومقتل مرشدها الأعلى والسعى إلى انتشار الحروب في الشرق الأوسط، هو ما قد يمنح داعش فرصة للتحرك دون عوائق، سواء لشن هجمات مباشرة على المدنيين أو لاستعادة مواقع استراتيجية.

العراق في هذه الحالة لن تكون مجرد ساحة مواجهة بين إيران وإسرائيل، بل سيصبح مختبراً لانفجار مزدوج يجمع بين التدخل الإقليمي وعودة الجماعات الإرهابية، ما يهدد استقرار الشرق الأوسط بالكامل، خاصة سوريا التي تشكل حلقة علاقات متواصلة لداعش بسبب انتماء السلطة للعقلية الجهادية - السلفية ذاتها.

هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان خطر تكرار الإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب الإيزيدي عام 2014، ويجعل شعوب المنطقة الأكثر عرضة للعنف.

 

مشروع السلام والمجتمع الديمقراطي رؤية بديلة لمستقبل المنطقة

في منطقة يعصف بها الصراع المستمر، من التوتر الإيراني- الإسرائيلي- الامريكي إلى الانقسامات الداخلية في العراق واليمن وفلسطين والسودان/أمام هذا المشهد المتشابك، يبرز مشروع القائد عبدالله أوجلان "السلام والمجتمع الديمقراطي" كأحد الخيارات القادرة على تقديم مقاربة مختلفة للصراعات في الشرق الأوسط. يقوم المشروع على بناء مجتمع ديمقراطي تشاركي يعالج جذور الأزمات الطائفية والمذهبية والاجتماعية، الاقتصادية التي تدار بخطط دولية، ويعطي دوراً مركزياً للشعوب في تقرير مصيرها.

يركز القائد عبدالله أوجلان في المرحلة الثانية من مشروعه المعروفة بـ "مرحلة الاندماج الديمقراطي"، على ضرورة الحوار السياسي، ورفض الاعتماد على التدخلات الخارجية التي غالباً ما تزيد الانقسامات. ويعد المشروع أداة استراتيجية فاعلة لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط على أساس المشاركة الشعبية الفاعلة، والعدالة الاجتماعية والاعتراف بالتنوع القومي والثقافي.

هذا المشروع لا يقدم حلاً نظرياً فحسب، بل يشكل إطاراً استراتيجياً لمعالجة الصراعات الداخلية والخارجية، وفتح الطريق أمام سلام مستدام في المنطقة.