ناجية من فاجعة المزونة: كنا نركب شاحنات الموت بحثاً عن لقمة العيش
أسفر انقلاب شاحنة تقل عاملاتٍ فلاحيات بين الرقاب والمزونة بولاية سيدي بوزيد عن وفاة امرأتين وإصابة 13 أخريات، إحداهن إصابتها خطيرة، فيما تروي مباركة خلفي، إحدى الناجيات مشاهد الرعب وظروف النقل الهش التي تجبرهن عليها الحاجة اليومية.
إخلاص الحمروني
تونس ـ تواجه العاملات الفلاحيات في تونس يومياً مخاطر جسيمة بسبب اعتمادهن على وسائل نقل غير مؤمنة، إذ تُنقلهن شاحنات خفيفة مكتظة عبر طرقات ريفية وعرة، ما يحول رحلة العمل إلى تهديد دائم لحياتهن.
من على سريرها بالمستشفى المحلي بالمزونة من ولاية سيدي بوزيد، استرجعت مباركة خلفي، وهي عاملة فلاحية تبلغ من العمر نحو 64 عاماً، اللحظات المرعبة التي عاشتها صباح اليوم الجمعة 12 حزيران/يونيو إثر انقلاب شاحنة كانت تقل عاملات فلاحيات في طريقهن إلى العمل بمنطقة المزونة من ولاية سيدي بوزيد، في حادث أودى بحياة عاملتين وأسفر عن إصابة عدد من الأخريات.
تقول مباركة خلفي بصوت متعب وهي لا تزال تعاني من آلام في الرأس والظهر "كانت السيارة تتأرجح وتتمايل على الطريق الوعرة والمتعرجة، فهو مجرد مسلك فلاحي غير مهيأ، كنا نشعر بالخطر في كل لحظة إلى أن انقلبت بنا الشاحنة فجأة، من شدة الصدمة فقدت وعيي للحظات وعندما استعدت إدراكي وجدت عدداً من النساء تحت السيارة، كنت أرى الناس أمامي كأنهم ضباب، أما أنا فقد أصبت في رأسي وظهري، ولم أستوعب ما حدث إلا بعد دقائق".
وحول تفاصيل الحادث تروي مباركة خلفي مشاهد مؤلمة من الحادث، قائلة إن إحدى الضحايا وتدعى ربح كانت عالقة تحت عجلات الشاحنة، قبل أن يتدخل عدد من المواطنين لانتشالها، مشيرةً إلى أن العاملات اللواتي فارقن الحياة كن يجلسن في الجزء الأمامي من الشاحنة، بينما كانت هي وعدد من الأخريات في الخلف "نحن اللواتي كنا في الخلف حاولنا أن نرمي أنفسنا إلى جانب الطريق عندما فقد السائق السيطرة على السيارة، أما النساء في المقدمة فلم يجدن مجالاً للهروب فتلقين الصدمة الأقوى عند انقلاب الشاحنة".
وكانت الشاحنة تقل ما بين 10 و11 عاملة فلاحية، من بينهن فتيات صغيرات ما زلن يواصلن دراستهن ويعملن في الفلاحة لمساعدة عائلاتهن.
وأكدت أن مثل هذا النوع من النقل أصبح جزءاً من الحياة اليومية للعاملات الفلاحيات رغم خطورته "نحن متعودات على الركوب في هذه الشاحنات غير المحمية، نعلم أننا معرضات للخطر في كل لحظة ومع ذلك نركبها لأنها وسيلتنا الوحيدة للوصول إلى الحقول".
وتضيف بأسى "الظروف الاجتماعية الصعبة تجبرنا على ذلك نحن عائلات فقيرة ولا نملك مورداً ثابتاً للرزق غير العمل الفلاحي، نعمل حسب المواسم في جني الزيتون والبطيخ وفي اقتلاع الأعشاب وتنظيف الحقول".
وتبدأ العاملات يومهن قبل شروق الشمس إذ يغادرن منازلهن بين الخامسة والسادسة صباحاً، ولا ينتهين من العمل إلا حوالي الواحدة بعد الظهر، مقابل أجر يومي لا يتجاوز فعلياً 15 ديناراً "نتقاضى 20 ديناراً في اليوم، لكننا نقتطع منها 5 دنانير كأجرة للنقل فلا يتبقى لنا سوى 15 ديناراً وهو مبلغ لا يكفي حتى لمصاريف يوم واحد".
وفي ختام شهادتها، أكدت مباركة خلفي أنها لا تزال تخضع للفحوصات الطبية بالمستشفى بسبب الآلام التي تشعر بها في ظهرها، فيما تبقى صور الحادث الأليم ومشاهد زميلاتها العالقات تحت الشاحنة حاضرة في ذاكرتها، شاهدة على معاناة العاملات الفلاحيات اللواتي يخاطرن بحياتهن يومياً في سبيل لقمة العيش.
يذكر أن الحادث وقع صباح اليوم وأسفر عن وفاة عاملتان وأصيبت 13 أخريات بإصابات متفاوتة الخطورة في انقلاب شاحنة خفيفة من نوع "إيسوزو" بالطريق الرابطة بين معتمدتي الرقاب والمزونة وتحديدا على مقربة من المدخل الشمالي لمعتمدية المزونة. وقد وصفت إحدى الإصابات الـ13 بالخطيرة حيث تعرضت إلى إصابة بليغة على مستوى اليد ونقلت إلى المستشفى الجامعي بصفاقس.