مشاركات في ندوة تؤكدن على ضرورة الاعتراف بصحة المرأة كقضية حقوقية
سلطت ندوة علمية نظمتها جمعية الندى في المغرب، الضوء على العلاقة بين الهرمونات الأنثوية وحصى المرارة، مؤكدة على أهمية الوقاية، التوعية، ومواكبة النساء طبياً ونفسياً، خصوصاً في ظل تأثير هذا المرض على الاستقرار المهني والحياة اليومية للمرأة.
حنان حارت
المغرب ـ يعد مرض حصى المرارة من الأمراض الصامتة التي تصيب النساء بمعدلات أعلى مقارنة بالرجال، نتيجة لتأثير التبدلات الهرمونية الطبيعية في حياتهن، وعلى الرغم من انتشاره الواسع، غالباً ما ينظر إليه كمشكلة فردية، متجاهلين أبعاده الصحية والاجتماعية والاقتصادية.
في سياق تصاعد النقاش حول الحق في الصحة باعتباره جزءاً من العدالة الاجتماعية، نظمت جمعية الندى لاستقبال وتأهيل النساء في وضعية صعبة، مساء أمس السبت 28 شباط/فبراير، ندوة علمية في عين حرودة، بضواحي مدينة الدار البيضاء، حول "حصى المرارة والهرمونات الأنثوية بين التحديات الصحية وانعكاساتها على الاستقرار المهني للمرأة".
وسلطت الندوة الضوء على مرض واسع الانتشار بين النساء، لكنه ما يزال يتعامل معه كمشكلة فردية لا قضية صحة عمومية ذات بعد جندري.
أرقام تكشف اختلالاً بيولوجياً
وأوضحت المشاركات في الندوة أن النساء أكثر عرضة للإصابة بحصى المرارة بمعدل يتراوح بين مرتين إلى ثلاث مرات مقارنة بالرجال، خاصة الأعمار بين 45 و65 سنة، موضحات أن نحو 80 في المائة من الحالات قد تمر دون أعراض واضحة، وأن المخاطر تظهر حين تتحول النوبات المفاجئة إلى ألم حاد قد يعطل الحياة اليومية والعمل.
ولفتت جمعية الندى إلى أن المرارة العضو الصغير أسفل الكبد، تخزن العصارة الصفراوية المسؤولة عن هضم الدهون، غير أن اختلال توازن مكوناتها مثل الكوليسترول والبيليروبين، يؤدي إلى تبلورها وتكون الحصى تدريجياً، لكن ما يجعل النساء في دائرة الخطر أكثر من غيرهن هو البعد الهرموني.
حين يتحول الاختلاف البيولوجي إلى عامل هشاشة
وأوضحت المداخلات أن ارتفاع هرمون الإستروجين، يرتبط بزيادة إفراز الكوليسترول في العصارة الصفراوية، بينما يؤدي البروجستيرون إلى إبطاء تفريغ المرارة بسبب ارتخاء عضلاتها، مبينةً أن هذه التغيرات لا تحدث في ظروف استثنائية، بل ترافق مراحل طبيعية من حياة المرأة خاصةً في فترة الحمل، واستعمال موانع الحمل الهرمونية، والعلاج التعويضي بعد انقطاع الطمث.
ولفتت المشاركات إلى أن هذه التحولات تعتبر جزءاً من بيولوجيا طبيعية، فإن غياب مواكبة صحية كافية يجعلها تتعرض لمضاعفات قد تصل إلى التهاب المرارة أو البنكرياس.
كما أشار الأطباء إلى عوامل أخرى تزيد مخاطر الإصابة مثل السمنة، فقدان الوزن السريع، النظام الغذائي الغني بالدهون المشبعة، والعامل الوراثي. غير أن النقاش خلال الندوة تجاوز التفسير الطبي الصرف ليتساءلوا عن موقع صحة المرأة داخل السياسات الوقائية.
الألم غير المرئي
وأوضح الأطباء المشاركون أن آثار المرض لا تتوقف عند الألم الجسدي، فالنوبات المفاجئة، التي قد تستمر لساعات طويلة، تؤدي إلى تغيب متكرر عن العمل، وضعف التركيز، وتراجع الأداء المهني، وبالنسبة للنساء في وضعيات هشة أو العاملات في القطاع غير المهيكل، يؤدي ذلك إلى فقدان دخل يومي أو تهديد الاستقرار المهني.
في هذا السياق، يتحول مرض عضوي إلى عامل يؤثر في المشاركة الاقتصادية للنساء، ما يعيد طرح سؤال هل تأخذ السياسات الصحية بعين الاعتبار خصوصية الجسد الأنثوي وانعكاساته على سوق العمل؟
الصحة النفسية والجسدية حلقة مترابطة
وشددت عضوات جمعية الندى على أهمية تبسيط المعلومات العلمية وتقديمها بلغة واضحة تراعي الخلفيات التعليمية والاجتماعية للنساء المستفيدات من خدمات الجمعية، مؤكدات أن هذا اللقاء لم يكن مجرد ندوة طبية، بل خطوة في اتجاه دمقرطة المعرفة الصحية.
وأشارت المشاركات إلى أن عدداً من النساء القادمات من أوساط عائلية هشة قد لا يحصلن على معلومات طبية دقيقة في الوقت المناسب، ما يجعلهن أكثر عرضة لتجاهل الأعراض أو تأخير طلب العلاج، معتبرين أن الحق في المعلومة الصحية لا يقل أهمية عن الحق في العلاج، خاصة في المناطق ذات الهشاشة المرتفعة، حيث تتقاطع المحددات الاقتصادية مع ضعف الولوج إلى الاستشارة الطبية المتخصصة.
وأوضحت سميرة لبيض، رئيسة جمعية الندى لاستقبال وتأهيل النساء في وضعية صعبة، أن تنظيم هذه الندوة يأتي في إطار سلسلة من اللقاءات التوعوية التي تهدف إلى مرافقة النساء على المستويين النفسي والصحي.
وأشارت إلى أن الجمعية تعمل يومياً مع نساء يعانين من ظروف اجتماعية معقدة، غالباً ما تكون مصحوبة بصعوبات نفسية واضطرابات صحية تحول بينهن وبين استكمال مسارهن التعليمي أو اكتساب مهارات مهنية تساعدهن على تحقيق الاستقلال، معتبرةً أن المشاكل النفسية غالباً ما تكون مدخلاً لمشاكل صحية أخرى.
ولفتت إلى أن اختيار موضوع حصى المرارة والهرمونات الأنثوية لم يكن اعتباطياً، بل جاء انطلاقاً من الحاجة إلى معالجة الجانب الصحي بالتوازي مع الجانب النفسي، حتى تتمكن المرأة من فهم ما يمر به جسدها من تحولات، بدل أن تعيشها في قلق أو غموض.
وشددت على أن تمكين المرأة يبدأ بالوعي، قائلةً إن معرفة أصل المشكلة تسهل إيجاد الحل "حين نفهم الأسباب، يصبح الطريق إلى العلاج أوضح وأسهل".
الوقاية كمدخل للعدالة الصحية
من جهتها أوضحت الدكتورة دلال جدي، صيدلانية وخبيرة في التربية العلاجية، أن الدورة الهرمونية لدى المرأة تشبه تعاقب الفصول الأربعة خلال عام واحد "مرحلة الحيض تمثل "الشتاء" حيث تنخفض الطاقة، تليها فترة "الربيع" بارتفاع تدريجي للإستروجين، ثم "الصيف" في مرحلة الإباضة حيث تبلغ الحيوية ذروتها، و"الخريف" مع انخفاض الهرمونات قبل الحيض".
وأكدت أن هذه التحولات تمتد عبر محطات الحياة من البلوغ إلى انقطاع الطمث، معتبرةً أن التعامل معها يجب أن يكون عبر التوعية، النوم الكافي، نظام غذائي متوازن، تقليل السكريات، وممارسة نشاط بدني منتظم.
وخلصت الندوة إلى أن الوقاية ممكنة من خلال تقليل الدهون المشبعة، الإكثار من الألياف، شرب كميات كافية من الماء، تجنب فقدان الوزن السريع، استشارة الطبيب قبل استعمال موانع الحمل.
وفي ختام الندوة دعت جمعية الندى إلى ضرورة الاعتراف بأن صحة المرأة ليست شأناً فردياً، بل قضية تنموية وحقوقية، لأنه حين تختزل التحولات البيولوجية في بعدها الطبي فقط، دون مقاربة وقائية حساسة للنوع الاجتماعي، تتحول الاختلافات الطبيعية إلى مصدر لا مساواة، حيث أن الهرمونات الأنثوية ليست نقطة ضعف، بل منظومة دقيقة تتطلب فهما وسياسات صحية عادلة.