معرض "إسقاط" تجربة فنية نفسية في مدينة تعز

انطلقت في مدينة تعز جنوب غرب اليمن فعاليات معرض "إسقاط" الذي يجمع بين الفن البصري وعلم النفس الإكلينيكي، مقدّماً تجربة تفاعلية تعتمد على الصور بالأبيض والأسود لتحفيز التأمل الذاتي واستكشاف التشوّهات المعرفية.

رانيا عبد الله

اليمن ـ أكدت المشاركات في المعرض أن تجربة معرض "أسقاط" حملت طابعاً مختلفاً عمّا اعتدن عليه في الفعاليات الفنية التقليدية، معتبرات أن إقامة مثل هذه الفعاليات يعكس بداية حراك ثقافي وفني يعيد الأمل لمدينة تعز.

شهدت مدينة تعز جنوب غرب اليمن أمس الأربعاء الأول من نيسان/أبريل انطلاق معرض "إسقاط"، كتجربة فريدة بين الفن والوعي الإنساني، وقدم المعرض رؤية بصرية تفاعلية ارتكزت على تخصص علم النفس الإكلينيكي، حيث نجح المعرض في تحويل الصور الفوتوغرافية ذات اللونين الأبيض والأسود إلى منصات للتأمل العميق، وتحفيز الزوار على استكشاف مساحات التعبير الذاتي من خلال تباين الضوء والظل.

ويأتي هذا المعرض الذي يستمر لمدة يومين، كتجربة فنية مغايرة جمعت بين فضاء الساقية الإبداعي (مؤسسة بُن كاست للثقافة) والفنانة منى الذبحاني. واتسمت أجواء المعرض بانسجام بصري لافت، حيث استجاب الحاضرون لدعوة المنظمين بارتداء تدرجات الأبيض والأسود، مما جعل من الجمهور جزءاً حياً من الحالة الفنية التي سيطرت على فضاء المعرض.

 

مساحة آمنة

وأوضحت مديرة المشروع آلاء حافظ، أن الفكرة الأساسية للمعرض تنطلق في جوهرها من مفهوم (الإسقاط) في علم النفس، وهو الميل البشري لإسقاط المشاعر والتجارب الداخلية على المحيط الخارجي، وقد عملت الفنانة منى الذبحاني على تحويل هذا المفهوم المجرد إلى تجربة بصرية ملموسة، تمنح الزائر فرصة لرؤية ذاته وانعكاساته الشخصية داخل الصور، بدلاً من الاكتفاء بدور المشاهد الصامت "تعمدنا اختيار الصور بالأبيض والأسود للحدّ من أي تشويش بصري، وفتح مساحة أوسع للتأمل العميق، هذا الاختيار يمنح كل زائر فرصة لقراءة العمل بطريقته الخاصة، وإضفاء معانيه الشخصية على الصور المعروضة".

وعن تصميم التجربة وتفاعل الجمهور، بينت آلاء حافظ أن الفنانة منى الذبحاني عملت على تصميم تجربة متكاملة تتجاوز حدود اللوحة فشملت الجو العام للمعرض بدءاً من الإضاءة الهادئة وصولاً إلى الدعوة للالتزام بلباس موحد بالأبيض والأسود، كل هذه العناصر صُممت بعناية لخلق حالة من السكون والتركيز، لضمان شعور الزائر بأنه داخل مساحة آمنة تتيح له إبطاء إيقاعه السريع والتفاعل مع العمل الفني على مستوى عاطفي ونفسي عميق.

 

تحديات

وحول التحديات التي رافقت التنفيذ، أكدت أن "أكبر تحدٍ يواجهنا هو التخوف من مدى تقبل الجمهور لفكرة المعرض، كونه يرتكز على طرح نفسي غير تقليدي قد لا يكون مألوفاً للجميع، لكن النتيجة جاءت عكس توقعاتنا تماماً، إذ لمسنا تفاعلاً حقيقياً وقدرة مذهلة من الجمهور على ربط الأعمال بتجاربهم الشخصية، هذا الإقبال وهذا المستوى من الوعي منحنا ثقة كبيرة بأن الجمهور متعطش ومستعد للدخول في تجارب فنية أكثر عمقاً، متى ما قُدّمت له بطريقة صادقة ومدروسة".

 

تجربة إنسانية فريدة

من جهتها أوضحت الفنانة منى الذبحاني المتخصصة في علم النفس الإكلينيكي أن المشاكل التي يواجهها الناس في حياتهم، كثيرة أغلبها ناجم عن أخطاء أو تشوهات معرفية وهذه التشوهات المعرفية هي عبارة عن مجموعة من الأفكار الخاطئة التي تدفع الناس أنهم يحكموا على الأخرين أو يفسروا الأمور بطريقة غير صحيحة "تساعد عملية الإسقاط الشخص على إدراك أن ما يراه في الآخرين هو في كثير من الأحيان انعكاس لأفكاره ومشاعره الداخلية، يقوم المعرض على هذا المفهوم، فهو معرض فني نفسي يستكشف أعماق الزائرين، ويطرح التشوّهات المعرفية بطريقة غير مباشرة، كما يعرض الصور بأسلوب مختلف باستخدام الحبر الصيني، مما يضفي بعداً تأملياً يعمّق تجربة التفاعل مع الأعمال".

وعن تميز المعرض والخروج عن القالب المعتاد في إقامة المعارض، أشارت إلى أن الصور المتواجدة في المعرض من ثلاث قارات، ومن عدة دول ومن عدة مدن في اليمن جميعها تبرز جمالية و تجربة بصرية مختلفة.

"كانت المشاركة في المعرض تجربة استثنائية وإنسانية فريدة، فقد قدّم للمشاركين مساحة تشبه الجلسات التأملية أو النفسية، تسمح لهم بالتفاعل العميق مع الأعمال المعروضة، وضعنا مجموعة من الإرشادات لتنظيم حضور الزوار ومشاركتهم، إلى جانب عرض الصور الفوتوغرافية، كما وفرنا دفاتر وأقلاماً ليستخدمها الحاضرون في تدوين ما يثيره العمل الفني في داخلهم"، وفقاً لقولها.

ولفتت إلى أن "الزائر يتفاعل مع اللوحة، ويدخل في حوار شخصي معها، ويكتب أفكاره ومشاعره في الدفتر، وفي مرحلة لاحقة سنعقد جلسة نقاشية لعرض هذه التجارب ومشاركتها".

 

بداية تعافي حقيقي

أما المشاركين في المعرض فكان انطباعهم يحمل دهشة التجربة وسعادة الإحساس بالتنفيس، تقول أميرة الشرجبي، واحدة من الحاضرات في المعرض "سعيدة جداً بإقامة مثل هذه المعارض الفنية النفسية، حيث أن الشعور الذي ينتاب الإنسان عند الدخول هو الشعور بالعافية النفسية، هناك بصيص من الأمل لحراك فني ثقافي في مدينة تعز وأتمنى أن يكون بداية تعافي حقيقي".