من العدالة إلى القمع... السجن أداة للحكم السلطوي في إيران ـ 2ـ

تشهد إيران نظاماً سياسياً يحوّل السجون إلى أداة حكم والقضاء إلى وسيلة قمع، حيث تُستخدم العقوبات والإعدامات لترسيخ السلطة بدل تحقيق العدالة، المحاكم الثورية تعمل كمنابر أيديولوجية تُجرّم الاحتجاجات ليكتمل مشهد دولة تُقصي السياسة وتستبدلها بالقمع.

شيلان سقزي

مركز الأخبار ـ تفرض السلطات الإيرانية قيود صارمة على الحريات الشخصية وتُنفذ اعتقالات واسعة بحق من يطالبن بحقوقهن أو يشاركن في الاحتجاجات، هذا القمع لا يقتصر على النساء فحسب، بل يمتد إلى المواطنين عامة عبر انتهاكات تشمل استخدام القوة المفرطة، محاكمات غير عادلة، ما يعكس سياسة ممنهجة لإسكات الأصوات المعارضة.

في القسم الأول من التقرير، جرى توضيح كيف تحوّل السجن في إيران من مؤسسة قضائية إلى أداة للحكم والسيطرة، وسيلة لإدارة الخوف وتقييد المجال العام ومنع أي إمكانية للعمل السياسي، فمن الاعتقالات الوقائية والأحكام الطويلة وصولاً إلى الإعدامات العلنية، يتضح أن العقوبة لا تُستخدم لتحقيق العدالة، بل لترسيخ السلطة وتلقين المجتمع دروساً في الطاعة.

هذه السياسة العقابية ليست عشوائية أو مجرد رد فعل، بل هي منهجية وانتقائية تستهدف فئات بعينها، خصوصاً النساء والناشطين السياسيين والمهمشين، وفي إطار الربط بين النوع الاجتماعي والطبقة والسياسة، يؤكد التقرير أن اختيار الضحايا يخضع لمنطق السلطة، فالمرأة المحتجة تُعاقب لا باعتبارها فرداً فقط، بل كرمز لتهديد أيديولوجي وخيار سياسي بديل، ومن هنا تصبح الإعدامات والأحكام القاسية بحق النساء جزءاً من سياسة منظمة لإعادة إنتاج النظام الأبوي تحت شعار "الرد بالمثل".

وانطلاقاً من هذا الأساس التحليلي، يتعمق الجزء الثاني في دراسة اندماج السلطة القضائية مع المؤسسات الأمنية، وانهيار استقلال القضاء، وانتقال السياسة من حيز القانون إلى الجسد، حيث يصبح الجسد المحتج لا سيما جسد المرأة الساحة النهائية لممارسة السلطة، ويسعى هذا الجزء إلى توضيح كيف تُمارس السيادة من خلال الجسد في غياب السياسة والحوار والعدالة، وكيف أصبح القمع الجنائي آلية لإعادة إنتاج النظام الأيديولوجي والتحكم في المستقبل.

العقاب الجنائي في الأنظمة المستقلة يُفترض أن يكون للإصلاح، بينما في إيران يُستعمل كأداة قمع، السجن والإعدام هناك لا يهدفان للتأهيل بل لترهيب المجتمع وتكريس الخضوع، فيما يواجه الناشطون بعد الإفراج حظراً دائماً يحول حياتهم إلى ملاحقة مستمرة، هذه السياسة تقتل العدالة وتجمد المجتمع لكنها لا تنجح في القضاء على المقاومة التي تعود بأشكال جديدة رغم الخوف.


         


        

القضاء والاندماج الكامل مع المؤسسات القمعية في إيران

ويعد فصل السلطات ركيزة أساسية في الديمقراطية الحديثة لضبط السلطة ومساءلتها، لكن في إيران انهارت الحدود بين القضاء والأجهزة الأمنية، فتحوّل القضاء من حامٍ للقانون إلى أداة سياسية للقمع، هذا الانحراف يظهر في المحكمة الثورية والقضايا الأمنية، حيث تتداخل التحقيقات والأحكام المسبقة مع خطاب السلطة وإعلامها الرسمي ليصبح القضاء جزءاً من منظومة الترهيب لا العدالة.

تجسد المحكمة الثورية في إيران اندماج القضاء بالأجهزة الأمنية، فهي لا تعتمد على جرائم محددة بل على تهم فضفاضة مثل "الدعاية ضد النظام" و"العمل ضد الأمن القومي"، المدعي والمحقق غالباً من المؤسسات الأمنية، والقاضي مجرد مُصادق على الاستجوابات، فيما يُدان المتهم إعلامياً قبل المحاكمة ويُصاغ الحكم مسبقاً، هكذا تتحول المحكمة من فضاء للعدالة إلى أداة لترسيخ الرواية الرسمية وقمع الخصوم.

لقد أظهر النظام القانوني الإيراني، لا سيما بعد الانتفاضات الكبرى في أعوام 2009 ـ 2017 ـ 2022 ـ 2025، بوضوح أن القضاة ليسوا مستقلين، فهم معينون مباشرة من قبل القيادة، وتسيطر الأجهزة الأمنية على إجراءات رفع الدعاوى، وتوجيه الاتهامات وأساليب الدفاع وحتى إصدار الأحكام، ويتم استبعاد المحامين المستقلين أو اعتقالهم، ليحل محلهم "محامون موثوق بهم من قبل النظام"، في ظل هذا النظام لم يعد "القانون" قاعدة عامة، بل أصبح أداة في يد الحكومة وحدها.


كيف أصبح النظام القانوني ذراعاً للقمع

الظاهرة المسماة "العقوبات الأمنية" في إيران تعني تحويل أي مطلب سياسي أو اجتماعي إلى قضية أمنية، حيث يُعامل المعلمون والمتظاهرات والناشطات كخطر على النظام، ويستخدم هذا التعميم لإنكار شرعية الاحتجاج وتسريع إصدار أحكام قاسية بلا شفافية، هكذا يؤدي القضاء دوراً مزدوجاً، قمع المعارضة تحت غطاء قانوني، وحماية السلطة من المساءلة، سواءً عبر أحكام إعدام بحق محتجين أو تجاهل فساد حكومي، هذه العدالة الانتقائية لا تكشف فقط عن الظلم، بل عن انهيار مبدأ العدالة نفسه كقيمة أساسية للحكم.

في الجمهورية الإسلامية، لم يعد القضاء جهة تحكيم، بل أداة قمع فهو يفتقر إلى الاستقلالية والشفافية والمساءلة، ولم يعد الحكم مستمداً من القانون، بل من مصلحة النظام، ورغبات الأجهزة الأمنية، والمشاريع السياسية للقيادة، عندما لا يكون القاضي في خدمة العدالة بل في خدمة مؤسسة القمع فإن ما ينهار ليس فقط "ثقة الجمهور" بل أيضاً فهمنا للعدالة والقانون، وإمكانية العيش في ظل نظام قانوني، عندها ينظر المجتمع إلى القانون لا كوسيلة للأمن بل كتهديد له، وعندها يصبح من المستحيل ردم الهوة بين الشعب والسلطة الحاكمة بحكم قضائي أو محكمة.


من السياسة إلى تشريح الجسد

في الأنظمة القمعية، عندما يُغلق المجال السياسي أمام المجتمع، يُستهدف الجسد، باعتباره آخر معاقل المقاومة، استهدافاً مباشراً، لم تكتفِ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا سيما في العقود الأخيرة، بتقييد الجسد المُحتج، بل دمرته وسيطرت عليه أيضاً، من خلال مزيج من الأحكام القاسية، والسجون المُرهقة، والحبس الانفرادي المطوّل، والتعذيب النفسي والجسدي، والحرمان من العلاج الطبي والإعدام، هنا لا يُمثل السجن مساحة انتقالية لإقامة العدل، بل مسرحاً لاستعراض القوة السياسية والسيطرة على الجسد، جسد يُقمع لإسكات اللسان وجسد يُدمر لإيصال رسالة عبرة للآخرين.       

في السجون الإيرانية يُستهدف جسد المتظاهر منذ لحظة الاعتقال عبر الضرب، الحرمان من النوم، والعزل الانفرادي الذي يُشبه "تابوتاً معزولاً"، حيث تُترك الأمراض بلا علاج ويُقابل الإضراب عن الطعام بلامبالاة قاتلة، الحبس الانفرادي، وهو تعذيب في أنظمة قانونية عديدة، يُمارس هنا كأداة لفصل الإنسان عن المجتمع والزمان والضوء والصوت، ليُعاد تعريفه لا كصاحب حقوق بل كجسد خاضع للسيطرة والعقاب، تاركاً ندوباً عميقة في الذاكرة والنفس.

تسلك الجمهورية الإسلامية مسارين متوازيين الموت البطيء، عبر إبقاء السجناء في ظروف لا إنسانية لفترات طويلة، والموت المفاجئ، عبر إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام، حتى في غياب أي وضوح قانوني، وفي كلا المسارين يلعب الجسد دوراً محورياً، إذ يجب أن يتحمل حتى الموت أو يُباد لإرساء الصمت السياسي، وتُعدّ عمليات الإعدام العلنية ونشر أخبارها تجسيداً لهذه الأيديولوجية نفسها "مصير المقاومة هو الإبادة الجسدية".


         


        
السياسة وتأثيرها على أجساد النساء

تتعرض أجساد النساء في السجون لاستهداف مضاعف، بدءاً من الإذلال الجنسي والتهديد بالاغتصاب والتفتيش المهين، وصولاً إلى حرمانهن من منتجات النظافة الشخصية وأدوية محددة، لا يُنظر إلى المرأة المحتجة كسجينة سياسية فحسب، بل كحاملة لجسد خطير يحتاج إلى مزيد من التأديب، جسد السجينة ليس ملكاً لها وحدها، بل هو رمز لخطاب سياسي، أو جماعة اجتماعية أو حركة، إن تهميشه أو إقصاؤه محاولة لقمع جميع الأجساد المماثلة، هذه هي سياسة "التدريس" نفسها التي تستهدف الفرد ظاهرياً لكنها تهدف إلى إسكات المجتمع.

في غياب الحوار السياسي والإصلاحات الهيكلية والشفافية القضائية، تتواصل الحكومة الإيرانية مع الجسد عبر الألم والحرمان والإقصاء، السجون ليست مجرد جدران بل هي أدوات هندسية دقيقة تُصاغ بدقة متناهية، في الجمهورية الإسلامية، انتقلت السياسة من اللغة إلى الجسد، ومن النقاش إلى الحرمان، ومن الإقناع إلى القمع الجسدي، وطالما استمر هذا الوضع لن يكون أي مواطن في مأمن من أن يصبح "جسداً مستهدفاً" فالمجتمع الذي تُحظر فيه السياسة يُرسل المزيد من الأجساد إلى سجونه.

في إيران المرأة، ليست مجرد مواطنة، بل مشروع احتواء، قمع إجرامي كإعادة بناء للنظام الأبوي، في النظام السياسي - الأيديولوجي للجمهورية الإسلامية، لا تُعتبر المرأة المحتجة مجرد ناشطة سياسية، بل تجسيداً لتهديد أيديولوجي، تهديد يُشكك في بنية السلطة وأسس النظام الجندري، لذا لا يمكن اعتبار إصدار أحكام الإعدام على النساء مجرد "عقاب جنائي" عادي بل ينبغي النظر إليه كمحاولة هيكلية لإعادة المرأة إلى وضع "الخاضعة، الخفية، الصامتة".


خلل في آلة الانضباط

منذ تأسيسها، اعتمدت الجمهورية الإسلامية سياسة قائمة على النوع الاجتماعي، تُصوّر المرأة المثالية كأم وزوجة مطيعة، فيما تتحول المرأة المتظاهرة إلى تهديد مزدوج سياسي وجنساني يُقابَل بالقمع، وقد أصبح إعدام النساء في إيران أداة لإعادة إنتاج الرعب القائم على النوع الاجتماعي، لا إجراءً قضائياً عادلاً، بل وسيلة أيديولوجية لإخضاع المجتمع تحت غطاء القانون.

أظهرت الانتفاضة الشعبية أن النساء في إيران اليوم لم يعدن مجرد فاعلات صامتات، بل هنّ متظاهرات، وناشطات، وكاتبات، وقائدات، وهذا أمر لا يُطاق بالنسبة لنظام يرى بقاءه في السيطرة على النوع الاجتماعي، في الوقت نفسه لا تُعدّ السلطة القضائية مؤسسة مستقلة، بل هي الذراع القضائية للأيديولوجية الأبوية، إن إصدار أحكام مطولة وإنشاء ملفات أمنية للناشطات، والتهديد بالإعدام، وفرض حظر التجول، والاعتقالات الانتقائية، كلها تهدف إلى السيطرة على النساء اللواتي رفضن الخضوع للاستعباد.

من مراقبة اللباس إلى الاعتقالات في الشوارع، ومن اختبارات العذرية في مراكز الاحتجاز إلى التهديدات بالاغتصاب في غرف الاستجواب، تواجه المرأة الإيرانية جسداً سياسياً، جسداً تسعى الحكومة إلى السيطرة عليه، أو تأديبه، أو تدميره، لم يعد جسد المرأة خاصاً بل أصبح ساحة صراع بين الرغبة في التحرر وإرادة القمع.

لم تخضع المرأة الإيرانية للقمع لسنوات، لكن الحكومة لا تزال تعتقد أنها قادرة على إسكاتها بالإعدامات والأحكام القاسية هذا الاعتقاد ليس خاطئاً فحسب، بل يدل أيضاً على عجز بنيوي لنظام لم يعد قادراً على إنكار انهيار نظامه الأبوي، في الجمهورية الإسلامية، لا تُعتبر المرأة الحرة عدوًا فحسب، بل كاشفةً أيضاً عن الضعف البنيوي للحكومة، وهكذا تُصبح كل امرأة مُحتجة تهديداً لمستقبل ماضٍ استبدادي.

النظام السياسي في إيران أعاد تعريف مؤسسات الدولة وفق منطق يقوم على منع أي إمكانية للتغيير، حيث حلّت السجون محل السياسة، والقمع محل المساءلة، وأصبح الأمن يعني حماية السلطة لا سلامة المواطنين، فيما تحوّل القانون إلى أداة للإقصاء بدلاً من ضمان الحقوق النتيجة مجتمع أُقصيت منه السياسة، لكنها عادت بأشكال جديدة في الشارع والجسد والسجن والغضب الشعبي.

وللاستمرار، يسعى النظام إلى القضاء على آخر الوسطاء بين المواطن والسلطة، وهم المحامون، الذين لم يعودوا مجرد مدافعين عن المتهمين، بل عقبة أمام الحكم المباشر. لذلك، استهداف مهنة المحاماة يُعد خطوة منطقية في مسار النظام، حيث يُجرَّم الدفاع ويفقد القانون لغته، ليُصبح المحامي نفسه عدواً.