ملتقى عربي في تونس يناقش جودة التعليم بمؤسسات الطفولة المبكرة
يشكل الملتقى منصة عربية تجمع خبراء الطفولة المبكرة لتبادل التجارب واستعراض التحديات، بهدف الارتقاء بجودة التعليم والرعاية، وتعزيز السياسات والمناهج، وضمان وصول جميع الأطفال إلى خدمات تربوية عادلة وشاملة تدعم تنميتهم المستقبلية.
نزيهة بوسعيدي
تونس ـ تنظم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بالتعاون مع مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعليم على امتداد يومين 8 و9 حزيران/يونيو الجاري، الملتقى العربي لجودة مؤسسات الطفولة المبكرة وتميزها تحت شعار "جودة الطفولة... استدامة المستقبل"، بحضور عدد هام من الخبيرات والخبراء في المجال من العديد من الدول العربية.
على هامش الملتقى، قالت عليسة خواجة مديرة التنشيط التربوي والاجتماعي والترفيه في وزارة الأسرة والمرأة والطفولة، إن تونس تعمل بشكل متواصل على تطوير مجال تنمية الطفولة المبكرة، إذ تم تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لتنمية الطفولة المبكرة التي خضعت للتقييم مؤخراً، وسيتم الشروع في إعداد الاستراتيجية الثانية للفترة 2026 ـ 2035.
وتشير إلى أنه "نسعى، من خلال الاستفادة من تجارب دولية ناجحة، إلى الارتقاء بجودة الخدمات المقدمة داخل مؤسسات الطفولة المبكرة، على غرار محاضن ورياض الأطفال. وتبذل الجهود أيضاً لرفع نسبة التحاق الأطفال بهذه المؤسسات، إذ لا تزال نسبة النفاذ في تونس في حدود 47% فقط للفئة العمرية بين 3 و5 سنوات".
وتبين أنه يجري العمل حالياً على تحسين جودة التعليم في رياض الأطفال من خلال تحديث المحتويات البيداغوجية واعتماد وسائل تعليمية عصرية. كما أصبح إدماج التكنولوجيا في العملية التربوية ضرورة ملحة، لما لها من دور في تطوير مهارات الأطفال والارتقاء بجودة حياتهم وحياة أسرهم، بالإضافة إلى ذلك الاهتمام المتزايد بالجانب البيئي الذي أثبتت الدراسات أهميته وتأثيره الإيجابي في تنشئة الطفل وتربيته.
وتلفت إلى أن هذا الملتقى يمثل فرصة للاطلاع على تجارب مقارنة يمكن الاستفادة منها، خاصة فيما يتعلق بدمج الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة داخل مؤسسات الطفولة المبكرة. أما بخصوص أبرز الإشكاليات التي يواجهها القطاع في تونس، توضح أن أهمها يتمثل في ضعف نسب الالتحاق بمؤسسات الطفولة المبكرة، إذ لا تتجاوز حالياً 47%، ما يعني أن نسبة كبيرة من الأطفال ما تزال محرومة من هذه الخدمات.
كما يبرز تحد آخر يتمثل في تدريب الإطارات التربوية العاملة في رياض الأطفال، والتي يبلغ عددها حوالي 20 ألف إطار، إضافة إلى الحاجة الملحة لمراجعة النصوص والتشريعات وتحيينها بما يتلاءم مع متطلبات الأطفال والأسر اليوم.
توحيد المناهج
من جانبها قالت مريهان كلش مديرة المركز الإقليمي لتنمية الطفولة المبكرة في سوريا "أشارك في هذا الملتقى بورقة عمل تتناول تطور رياض الأطفال في سوريا لا سيما وقد أصبحنا نجد أشكالاً جديدة من التطورات التي تتيح للأطفال العديد من الأشياء على غرار الروضة الخضراء والانتقال الآمن بين الرياض والمدارس الابتدائية ومن خلال إحياء التراث اللامادي وأيضاً أرض جدودي".
وتضيف "نحن في سوريا نعيش حالة انفتاح على العالم بأكمله ونحاول قدر الإمكان بناء هذا الطفل الذي هو أساس المجتمع لأنه كلما كانت الجودة مرتبطة بالطفل كلما كان المستقبل مستداماً ومتطوراً"، لافتةً إلى أنه "اليوم نحن بصدد دراسة الأطفال ثنائيي اللغة خاصة المهجرين ولا يتقنون اللغة العربية ويعانون من صعوبة اندماجهم في المجتمعات. لدينا أيضاً مناطق أصبحت متحررة وكانت لا تتكلم اللغة العربية فبات لدينا دمج في التعليم".
أكدت أن مستقبل التعليم في سوريا سيتجه نحو الابتعاد الكامل عن أي طائفية، بحيث ينظر إلى الطفل أولاً بوصفه طفلاً سورياً ينتمي إلى وطنه وبيئته، مع العمل على تعزيز الهوية الوطنية الجامعة.
كما أشارت إلى أن سوريا تعاني حالياً من نقص كبير في رياض الأطفال، إضافة إلى وجود نحو سبعة آلاف مدرسة مدمرة كلياً، مبينة أن هناك جهوداً تُبذل لدمج أبناء ذوي الدخل المحدود في رياض الأطفال، لتمكينهم من الالتحاق بالصف الأول أسوة ببقية الأطفال.
مسؤولية مشتركة
أوضحت فاطمة الرويس، مساعد مدير عام مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعليم، في مداخلتها أن المركز يعمل على توحيد المفاهيم التعليمية بين الدول العربية، إضافة إلى تطوير منصات تقنية تدعم جودة التعليم، كما يسعى المركز إلى وضع سياسة مشتركة تضمن جودة التعليم لجميع الأطفال، إلى جانب تأهيل القيادات التربوية بما يعزز استدامة التطوير.
وأكدت أن من أبرز التوصيات التي ينبغي أن يخرج بها الملتقى هي تطوير الحوكمة والسياسات التي تكفل جودة رعاية الطفولة المبكرة، وضمان الوصول العادل إلى الخدمات التعليمية لكل الأطفال. كما شددت على أهمية رفع كفاءة مؤهلات المعلمات في مؤسسات الطفولة المبكرة، مع ضمان استدامة البرامج وبناء القدرات، وتعزيز دمج التقنية والذكاء الاصطناعي في إدارة هذه المؤسسات.
وأضافت أن من الضروري العمل على تطبيق مستدام لجودة التعليم، بالتعاون مع عدد من الدول العربية، لأن الارتقاء بجودة التعليم ورعاية الطفولة المبكرة هو مسؤولية مشتركة تتطلب وجود مرجعية موحدة تدعم هذا التوجه.
أكدت الدكتورة عاليا عريبات، خبيرة في أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين، في مداخلتها أن جودة الطفولة المبكرة أصبحت من أبرز القضايا المطروحة عربياً وعالمياً، مضيفة "نواجه تحدياً كبيراً يتمثل في تحديد ما يجب أن يتعلمه أطفالنا في المراحل المبكرة، وكيف يمكن قياس مدى تحقق هذه الأهداف التعليمية، والتأكد من أن البرامج المقدمة لهم تلبي احتياجاتهم الفعلية". كما تساءلت عن كيفية تمكين مؤسسات الطفولة المبكرة أكاديمياً وتربوياً في ضوء مؤشرات الجودة المعتمدة.
وأشارت إلى إعداد دراسة شاملة تهدف إلى توفير قاعدة معرفية تساعد على فهم الواقع الحالي لأنظمة الجودة، واستشراف فرص التطوير المستقبلية التي تسهم في الارتقاء بخدمات الطفولة المبكرة، موضحة أن الدراسة شملت 12 دولة عربية، ونفذت عبر باحثين وطنيين تم تدريبهم مسبقاً على آليات جمع البيانات.
وبينت النتائج أن جميع الدول المشاركة تمتلك جهات حكومية تشرف على مؤسسات الطفولة المبكرة، وأن رياض الأطفال تحظى باهتمام أكبر في تقييم الجودة بنسبة 73% مقارنة بـ 40% فقط في الحضانات.
من جانبها، أوضحت نجوى الجوبالي، عضوة فريق خبراء المشروع، أن التقييم يمثل ركناً أساسياً من أركان النجاعة التربوية، وأن تقويم نظم الجودة وتحسينها يعتمد على مجموعة من المؤشرات، من بينها حجم المجموعة الصفية، نسبة الأطفال إلى المعلمين، مؤهلات المعلمين والمديرين، والبيئة الدامجة، مشددة على ضرورة تشخيص احتياجات الطفل والكشف المبكر عن الصعوبات، مع إشراك الأسرة في العملية التربوية.