ملتقى نسائي في المغرب يؤكد أهمية الكتابة كفعل مقاومة ومساحة للتعبير

نظّمت دار الشعر بمراكش، بتنسيق مع المكتبة الرقمية لجامعة القاضي عياض، لقاءً تأسيسياً لملتقى "ن" للإبداع النسائي في دورته الأولى، احتفاءً باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، بمشاركة باحثات وناشطات طرحن أسئلة جوهرية حول مستقبل الكتاب والمكتبة.

رجاء خيرات

المغرب ـ تناولت المتدخلات خلال الملتقى تطور الكتابة النسائية وعلاقتها بالفكر المغربي، ودورها كمجال للمقاومة والتعبير، إلى جانب التحولات العميقة التي تعرفها المكتبات وانتقالها نحو المكتبة الذكية، مؤكدات على أهمية الإبداع النسائي ودوره في إنتاج المعرفة وصناعة التأويل.

بمناسبة الاحتفاء باليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف نظّم دار الشعر بمراكش بالتنسيق مع المكتبة الرقمية بجامعة القاضي عياض أمس الجمعة 24 نيسان/أبريل، لقاءً تأسيسياً لملتقى "ن" للإبداع النسائي في دورته الأولى، وقد سلّطت باحثات من جامعة محمد الخامس بالرباط ومن جامعة القاضي عياض بمراكش الضوء على قضايا تهمّ الإبداع النسائي، والأدب الذي تكتبه النساء وكذلك ذاكرة الكتب والمكتبات في ظلّ التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

وطرح المشاركون أسئلة حول الإبداع النسائي والكتابة النسائية وذاكرة المكتبات والكتب، التي بدأت تتلاشى في ظلّ التحولات الرقمية التي يشهدها العالم، والتي أصبحت تثير تساؤلاُ جماعياً حول مستقبل الكتب والمكتب مع هيمنة الذكاء الاصطناعي.

 

أي مستقبل لذاكرة المكتبات والكتب في ظل الذكاء الاصطناعي؟       

ومن جانبها تطرقت الكاتبة والباحثة زهور كرام إلى التطور الرقمي الذي مس العديد من مجالات الحياة، بما فيها مسألة الإبداع، حيث الدعامات التكنولوجية والتي لم تعد فقط أدوات خدماتية تخدم الإنسان فقط، بقدر ما أصبحت دعامات إدراكية، وهنا الاختلاف بينها وبين الخدمات التقنية التي جاءت مع الثورة الصناعية، حيث كانت الوسائل تخدم الإنسان، في حين يظل العقل الإنساني هو المتحكم في شأن التواصل، وهو ما لم يعد موجوداً اليوم، حيث أصبح استخدام الوسائل الرقمية يغير المستخدمين أنفسهم.

وعن مشاركتها ضمن الملتقى الأول للإبداع النسائي، الذي يُعدّ محطة ذات أهمية، أكدت أن حضور ثلّة من النساء لا يهدف فقط إلى مناقشة تطور المرأة المغربية في علاقتها بالكتابة والإبداع بل أيضاً إلى إبرازها كذاتٍ مفكّرة وشريكة في صناعة التأويل والفهم والتحليل.

وحول ذاكرة المكتبة والكتابة النسائية، أشارت إلى وجود متغيّرين أساسيين؛ يهمّ الأول علاقة الكتابة النسائية بالفكر المعرفي والثقافي والفلسفي المغربي، فيما يرتبط المتغيّر الثاني بعلاقة الكاتبات بالمكتبة وذاكرتها، سواء باعتبارهنّ قارئات يمارسن فعل الولوج إلى المكتبات للاستفادة، أو كمؤلفات تدرج كتبهن داخل هذه الذاكرة "أننا نعيش اليوم تحولاً رقمياً عميقاً عرفته المكتبات، التي انتقلت من المكتبة الرقمية إلى المكتبة الذكية، حيث أضحت هذه الأخيرة بمثابة عقل جديد يقدّم للمستخدم أجوبة على مختلف الأسئلة، وأحياناً دون أن يطلبها".

وفيما يخصّ الكتابة النسائية في علاقتها بالفكر المغربي، أكدت أن إشكالية "الكتابة النسائية" طُرحت في المغرب مبكراً، منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، مقارنة بعدد من الدول العربية، كما تناولت العديد من الكاتبات هذا المفهوم في مقالات متعددة بل إن النقاش حوله بدأ حتى قبل الاستقلال.

ولفتت إلى أن العديد من الكاتبات تناولن إشكالية الكتابة النسائية منذ وقت طويل ودافعن عن مفهوم الجندر منذ الستينيات، كما دافعن عن حق المرأة في التعليم والصحة وحقها في رفض تعدد الزوجات.

وأوضحت أنها لا تتفق مع وجود "أدب نسائي" و آخر "رجالي"، حيث تؤمن بأن هناك أدب وكفى، أدب يخضع لمعايير معينة ليصنف كعمل أدبي أو لا، لكن حين يطرح المفهوم بشكله الحالي في المجتمع، فالبحث العلمي ينبغي أن يتلقفه ويتناوله بالدرس والتحليل، وهنا تكمن قوة البحث العلمي الذي يختلف عن الإيديولوجيا.

وتطرقت زهور كرام إلى الإقصاء الذي مارسه المستعمر على الكتابات النسائية، مما يدل على أن النساء كن شريكات أساسيات في إنتاج الوعي الحداثي قبل الاستقلال. و في ختام حديثها طرحت أسئلة حول ذاكرة الكتب و ذاكرة الإنسان و ذاكرة المكتبات و من سيحميها في ظل الذكاء الاصطناعي.

 

الكتابة وسؤال البداية

وعن ذاكرة المكتبة والكتابة، قالت الناقدة والباحثة العالية ماء العينين إنها فتحت عينيها في بيت يضم مكتبة، مما جعل الكتاب جزءاً من عالمها الخاص، ليس فقط فكرياً حيث يغيب هذا العمق، لكن كذلك جماليا، أي منظر الكتب في البيت تشعر المرء بنوع من الجمال.

وأشارت إلى الكاتب الأرجنتيني لويس بورخيس حين قال "لطالما تخيّلتُ الفردوس على هيئة مكتبة" وهي مقولة لا تنطوي على مبالغة أو مباهاة بحبّ الكتب، بقدر ما تعبّر أحياناً عن شكل من أشكال الحنين، خاصة لدى من تربّى في بيت يضمّ كتباً ومكتبة، وبينت أن علاقتها بالكتب والمكتبة تمتد إلى طفولتها التي ارتبطت لديها بزيارات بيت جدّها حيث كانت توجد مكتبة، وإلى شغفها المبكر بالكتب والقراءة.

ولفتت إلى أن علاقتها بالقراءة، شأنها شأن أبناء وبنات جيلها، مرت بمراحل متعددة، فقد بدأت بقراءة أعمال جورجي زيدان، وإحسان عبد القدوس، ونجيب محفوظ، ويوسف السباعي، إضافة إلى الروايات المترجمة، ثم جاءت مرحلة المراهقة التي ارتبطت فيها بالقصص الرومانسية ذات الأغلفة الملوّنة، والتي كان لها تأثير واضح أيضاً، مضيفةً أنه في مراحل لاحقة من تجربتها القرائية وجدت نفسها منجذبة بقوة نحو الأدب، ولاحظت أن الأدب المغربي يكاد يكون مغيّباً بشكل لافت، الأمر الذي دفعها إلى التساؤل حول أسباب هذا الغياب.

وأوضحت أن هذا التساؤل دفعها إلى البحث في أسباب تغييب الأدب المغربي، وهو ما وجّه اهتمامها لاحقاً نحو الثقافة الشعبية والأدب الأندلسي، أمّا عن علاقة القراءة بالكتابة، فأكدت أن من يلازم الكتاب طويلًا لا بدّ أن يميل يوماً إلى الكتابة، ولذلك ربط العرب قديماً بين الإبداع والاطلاع والحفظ، ويُروى عن الأصمعي قوله إن المرء لا يبلغ قول الشعر حتى يروي أشعار العرب، ويسمع الأخبار ويعرف المعاني، كما قال أبن خلدون أن "كثرة الحفظ تُنشئ الملكة" غير أن ذلك كما تضيف لا يعني بالضرورة أن كل قارئ سيصبح كاتباً.

ولفتت العالية ماء العينين إلى أنها كانت مشغولة بموضوع الكتابة وسؤال البداية، وهو ما تناولته في كتابها "متاهة القول" إذ بالرغم من أن هذا السؤال شائع ويكاد يكون نمطياً من كثرة طرحه على الكتاب إلا أنه يظل سؤالاً لا نهائياً يلفه الغموض ويتأرجح بين ثابت، قد يكون حبلاً سرياً يربط كل الذين يكتبون ومتحولاً يجعل هذا الفعل مرتبطاً بحالة فردية "لكل منا شيء خاص يربطه بالكتابة".

وبدورها تساءلت الكاتبة عما يمكن أن نفعله في ظل هذه الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي، وما إذا كانت المكتبة ستختفي وأسئلة من هذا القبيل، لافتة إلى أن "من سبقونا عاشوا نفس الوضعية مع ظهور المطبعة و اختفاء العلاقة بين الكتاب والنساخ وبالتالي فهذا التطور طبيعي ولا يتطلب منا كل هذا القلق".

 

الكتابة النسائية فعل مقاومة 

ومن جهتها، قالت نائبة رئيس جامعة القاضي عياض وأستاذة الأدب الإنجليزي فاطمة الزهراء إفلاحن إن مفهوم "الكتابة النسائية" هو مفهوم متعدد الأوجه إذ يمكن اعتباره نقاشاً مفتوحاً، كما يمكن النظر إليه كثورة فكرية، "لطالما كان السؤال المطروح هو هل يؤثر جنس الكاتب في شكل النص، وبمعنى آخر هل توجد بالفعل كتابة نسائية".

وأشارت إلى أن الذين تناولوا هذا الموضوع انطلقوا من مقاربات متعددة، من بينها المقاربة الجمالية التي ترى أن النساء يكتبن بأجسادهن في سياق هيمنة ذكورية (البطريركا) على الكتابة، ثم المقاربة الاجتماعية التي تؤكد أن الموقع الاجتماعي يصنع الفرق شئنا أو أبينا، أي أن هناك كتابة نسائية وأخرى غير نسائية، وأن النساء يشتركن في موقع "الغيرية"، وهو ما ينعكس على موضوع الكتابة.

وأكدت أن هناك من يعترضون على مفهوم "الكتابة النسائية"، مستشهدة بقول الكاتبة الفرنسية آني إرنو "أنا لستُ امرأة تكتب، بل أنا كائن يكتب"، لافتةً إلى التطور التاريخي الذي عرفته الكتابة النسائية وارتباطه بالحركات المطالِبة بحقوق النساء خلال القرن الماضي في أمريكا وفرنسا وأوروبا، وخلال ثلاثينيات القرن الماضي حيث برزت كلٌّ من الكاتبة الفرنسية إيلين سيكسو والكاتبة البلجيكية لوس إيريغاراي، حيث اعتبرتا أن الكتابة مرتبطة بالرغبة الأنثوية في مواجهة المركزية الذكورية، ومن هنا ظهر مفهوم الكتابة النسائية".

وأوضحت أنه في عدد من الدول ارتبطت الكتابة النسائية بمناهضة الاستعمار، وتحديداً التخلص من الاستعمار، معتبرةً أن المفهوم المحوري بالنسبة لها هي الكتابة النسائية كفعل مقاومة، حيث يطرح السؤال حول المستضعفات وهل يمكن للمستضعف أن يتكلم وتكون له كلمة، حيث النص هو المكان الوحيد الذي لا يمكن احتلاله بالكامل.

وتطرّقت إلى ما أسمته بـ"جغرافيات المقاومة" في المغرب العربي، ففي الجزائر برزت آسيا جبار التي اختارت الكتابة بالفرنسية لإيصال صوت النساء المهمَّشات خلال فترة الاستعمار، أما في المغرب فقد شكلت فاطمة المرنيسي نموذجاً بارزاً بفضل العمل الجبار الذي أنجزته، إذ علمت على التفكيك البنيوي للسلطة الدينية والمكانية، ممثَّلة في مفهوم "الحريم"، من خلال كتابة مزجت بين علم الاجتماع والسرد.

كما تناولت الكتابة النسائية في سياق الاحتلال، مستحضرةً ما قدمته الكاتبات الفلسطينيات من فدوى طوقان إلى عدنية شبلي، مروراً بكل اللواتي وثّقن بأقلامهنّ أيام الاقتتال التي عرفتها غزة خلال السنتين الأخيرتين، وهي تجارب انتقلت من الكتابة الذاتية إلى فعل المقاومة، لتصبح الكتابة النسائية جزءاً من المقاومة الوطنية، وتتحوّل المرأة الفلسطينية إلى رمز للصمود والتحدي.