معاناة مزارعي سوريا تتفاقم بين غلاء التكاليف وتدني أسعار المحاصيل
بعد أمطار غزيرة أنعشت المحاصيل، جاء قرار الحكومة السورية المؤقتة بتحديد سعر شراء القمح والشعير، مخيباً لآمال المزارعين ومن بينهم وضحة محمد، الذين وجدوا أنفسهم أمام تكاليف إنتاج باهظة، يقابلها سعر شراء لا يغطي حتى جزءاً من الجهد المبذول.
سوركل شيخو
تل تمر ـ تُعد منطقة الجزيرة المشهورة بسهولها الواسعة وحقولها الذهبية سلة خبز البلاد، ورغم خصوبة أراضيها الاستثنائية يخوض المزارعون هناك معركة يومية للاستمرار في عملهم والحفاظ على الزراعة، التي تُعدّ شرياناً اقتصادياً لآلاف العائلات التي تعتمد عليها في معيشتها.
لم تدم فرحة المزارعين هذا العام بالأمطار الغزيرة ومحصول القمح والشعير الوفير، فسرعان ما تحولت هذه الفرحة إلى استياء بعد القرارات التي اتخذتها الحكومة السورية المؤقتة قبل أيام، فقد حدّدت سعر شراء طن القمح بـ 46 ألف ليرة سورية، أي ما يقارب 300 دولار أمريكي، وهو ما شكل صدمة كبيرة للمزارعين، إذ رأوا في هذا السعر إجحافاً يقلّص من مردودهم، خاصة وأن القرار جاء قبل أن يتمكنوا حتى من حراثة الأرض.

فبعد موسم أثقلته تكاليف الحراثة، وارتفاع أسعار الأسمدة، وغلاء مستلزمات الإنتاج، جاء قرار التسعير ليقضي على ما تبقى من أمل لدى الفلاحين، وهو ما حصل مع وضحة محمد إحدى النساء المنحدرات من منطقة تل تمر التابعة لمدينة الحسكة، التي زرعت أرضها بالشعير هذا العام، المحصول الذي يُعرف بين المزارعين بالذهب الأصفر، حيث عبرت عن خيبة أملها، مشيرةً إلى أن هذا السعر لا يوازي عاماً كاملاً من الجهد والمصاريف.
وأوضحت أنها زرعت هذا العام مساحة 615 دونماً بالشعير، مشيرةً إلى أن الأمطار الهاطلة كانت ذات نفع كبير للمحصول، إلا أن حبات البرد التي تساقطت ضربت سنابل الشعير وألحقت أضراراً بجزء من أرضها المزروعة.
وفي معرض حديثها عن المشاق والتحديات التي واجهتها، قالت "لقد تكبدنا في موسم هذا العام مشقة كبرى في زراعة الشعير؛ بدءاً من السقاية النهرية وصولاً إلى تشغيل مولدات المياه واستهلاك المازوت ذي الأسعار الباهظة. ومع ذلك، فإن أمطار هذا العام قد أنقذت الأرض من الجفاف والمحل، ولولاها لظلت التربة حتى اللحظة جرداء قاحلة".

تكاليف الإنتاج باهظة مقارنة بأسعار الشراء الزهيدة
أوضحت وضحة محمد أن أسعار شراء المحصول زهيدة جداً ولا تتناسب مطلقاً مع التكاليف الباهظة التي يتكبدها الفلاح لصيانة مولدات الري وشراء المازوت بأسعار مرتفعة "مقارنة بالجهد الشاق الذي نبذله، بات من الضروري رفع أسعار شراء الشعير والقمح؛ إذ إن شراء هذه المحاصيل بأسعار بخسة يمثل إجحافاً وظلماً كبيراً بحق المزارعين. لذا، نطالب الجهات المعنية بمد يد العون والمساعدة للفلاحين".
وشددت على الأهمية الاستراتيجية للمحصولين "إن القمح والشعير هما الذهب الأصفر وعصب الأمن الغذائي الأهم في سوريا، كما أنهما يمثلان المصدر التاريخي والأقدم لكسب عيش الفلاحين. ومن هذا المنطلق، يجب أن تحظى أسعار هذين الذهبين بقيمة أعلى. ولكي نتمكن نحن المزارعين من الاستمرار في الإنتاج والقدرة على الزراعة مجدداً في الموسم المقبل، يتعين على المؤسسات ذات الصلة الالتفات إلى معاناتنا ودعمنا".
وشددت على ضرورة اتخاذ الاحتياطات اللازمة للوقاية من الحرائق مع اقتراب موسم الحصاد "أن الذرة ستبدأ بالاصفرار بعد عيد الأضحى، وسيحين عندها وقت الحصاد، نأمل ألا تندلع حرائق في الحقول هذا العام، سنملأ مبرد المياه ونضعه بالقرب من الحقول حتى نتمكن من إخماد أي حريق قد يندلع بسرعة".
أشارت إلى أن سنابل الشعير ستكتسي باللون الأصفر بعد أيام قليلة، لتبدأ معها حصاد الموسم. وحول الإجراءات الوقائية التي يعتزمون اتخاذها قالت "كلنا أمل ألا تشهد الأراضي الزراعية أي حرائق هذا العام. ومن جانبنا، سنعمل على ملء صهاريج المياه ووضعها على مقربة من الحقول، لكي نكون على أهبة الاستعداد لإخماد أي حريق قد ينشب بسرعة وفي الوقت المناسب".

حماية المحاصيل
وحذّرت وضحة محمد السائقين من مخاطر التسبب بالحرائق، قائلة "على السائقين توخي الحذر وعدم إلقاء أعقاب السجائر على الطرقات أو بالقرب من الحقول تجنباً لنشوب الحرائق، لقد بذلنا جهداً كبيراً في هذه الأراضي، ومن واجب الجميع حمايتها حتى لا يضيع تعبنا سدى"، مؤكدةً أن حماية الحقول من الحرائق مسؤولية مشتركة، خاصة مع اقتراب موسم الحصاد.
وفيما يتعلق بتكاليف الحصاد تأمل وضحة محمد أن تقوم الحكومة السورية المؤقتة برفع أسعار شراء الشعير والقمح، موضحة حجم الأعباء التي تنتظرهم خلال موسم الحصاد "سنحتاج إلى شراء عدد كبير من الأكياس، وسندفع أيضاً تكاليف عربات نقل الحبوب، وهذا سيكون مكلفاً جداً، على تجار الأكياس وسائقي عربات النقل خفض أسعارهم، لأن ارتفاع تكاليف الأكياس والنقل مقابل انخفاض أسعار الشعير والقمح يلحق ضرراً كبيراً بالمزارعين، لذلك على الحكومة المؤقتة أن ترفع أسعار الشعير والقمح وتقدّر جهد المزارعين، فهذه الأرض لا يمكن أن تستمر في الإنتاج إلا بتعاون المزارعين والحكومة معاً".