لحظة حرجة للأمن العالمي... مخيم الهول بات بلا رقابة

مع انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من مخيم الهول في إقليم شمال وشرق سوريا، أصبحت المنطقة التي تضم عشرات الآلاف من عناصر داعش خارجة عن السيطرة. إن لا مبالاة المجتمع الدولي زادت من حجم الخطر في هذا المركز الذي يُعاد فيه إنتاج أيديولوجية داعش.

ساريا دنيز

مركز الأخبار ـ يُصنف مخيم الهول منذ سنوات كمركز لظلام يهدد الأمن العالمي. فهذا المخيم الذي كبر تحت أنظار العالم في إقليم شمال شرق سوريا، استمر في وجوده وسط أجواء من اليأس، والفراغ الأمني، واللامبالاة الدولية، مشكلاً أرضية خطيرة يُعاد فيها إنتاج أيديولوجية "داعش" مراراً وتكراراً رغم كل الجهود المبذولة.

​لم يكن "الهول" مجرد مخيم للاجئين؛ بل كان قنبلة موقوتة صامتة تشكل أجيالاً متطرفة في المستقبل وتهدد المنطقة. والآن، سُحب صمام أمان هذه القنبلة.

​وقد أعلن المكتب الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أمس الثلاثاء ٢٠ كانون الثاني/يناير، انسحاب قواته من مخيم الهول الذي يضم عوائل وعناصر داعش.

وجاء الانسحاب كما أوضح في بيانه، بناء على موقف المجتمع الدولي اللامبالي تجاه ملف داعش، وعدم تحمله لمسؤولياته في التعامل مع هذا الملف بالغ الخطورة، مشيراً إلى أنهم اضطروا للانسحاب من مخيم الهول وإعادة الانتشار في محيط مدن شمال سوريا التي باتت تواجه مخاطر وتهديدات متزايدة.

 

متى أُسس؟ وكيف توسع؟

​يقع مخيم الهول على بعد 45 كيلومتراً شرق مدينة الحسكة في إقليم شمال وشرق سوريا. ويُعد أكبر مخيم للاجئين في المنطقة، حيث يعود تاريخ تأسيسه إلى عام 1991 عقب حرب الخليج الثانية.

​بعد تحرير قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لبلدة "الهول" في عام 2015، استقبل المخيم السوريين الفارين من ضغوطات حكومة دمشق وداعش. ومع تحرير مدينة الموصل عام 2016، بدأ توافد اللاجئين العراقيين إلى المخيم أيضاً.

​في البداية، تم إيواء زوجات وأطفال عناصر داعش الذين استسلموا أو قُبض عليهم داخل أقسام اللاجئين في مخيمات (روج، والهول، وعين عيسى). ومع بروز العديد من المشكلات، خُصصت أقسام منفصلة لعوائل داعش داخل مخيم الهول وغيره.

​شهد المخيم توسعاً متسارعاً عقب معركة "عاصفة الجزيرة" في آذار/مارس 2019، وتحديداً بعد تحرير منطقة "الباغوز" آخر معاقل داعش في سوريا، حيث نُقل الآلاف من عوائل عناصر داعش الذين استسلموا هناك إلى مخيم الهول.

​كما أدى الهجوم التركي على منطقة كري سبي/تل أبيض في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر 2019 واستهداف مخيم عين عيسى إلى فرار عشرات النساء المنضمات إلى داعش، مما دفع لنقل قرابة 3 آلاف امرأة وطفل من عوائل داعش إلى مخيم الهول، ليزداد حجم المخيم وخطورته بشكل غير مسبوق.

 

هيكلية المخيم والبيانات الديمغرافية

​شهد أعداد القاطنين في مخيم الهول تقلبات ملحوظة؛ فبعد أن وصل عدد سكانه إلى 80 ألف نسمة، انخفض هذا العدد بفضل الجهود التي بذلتها الإدارة الذاتية الديمقراطية لتأمين عودة السوريين ممن ثبتت هوياتهم وعدم تورطهم في أعمال إرهابية إلى مناطقهم، بالإضافة إلى الاتفاقية المبرمة مع العراق والتي قضت بإعادة آلاف اللاجئين العراقيين إلى بلادهم.

​ووفقاً لشهادات الصحفيين والمسؤولين في المنطقة، ينقسم المخطط التنظيمي للمخيم إلى 6 قطاعات، ثلاثة منها مخصصة للاجئين العراقيين، وقطاعان للاجئين السوريين، وقطاع خاص يضم نساء وأطفال داعش من جنسيات أجنبية غير السورية والعراقية.

​كان هناك أكثر من 7 آلاف شخص ممن يُعرف انتماؤهم لداعش، تشكل النساء والأطفال غالبيتهم العظمى، مع وجود أكثر من ألف رجل بالغ. وقد تم تصميم القسم الخاص بنساء داعش كـ "مخيم داخل المخيم" لمنع توسعه وأنشطته الأمنية؛ حيث كان لهذا القسم أطباؤه، وسوقه، ومستشفاه الخاص، مع فرض عزلة تامة ومنع التنقل بينه وبين القطاعات الأخرى.

​وفقاً للبيانات التي شاركتها إدارة مخيم الهول في نيسان/أبريل 2025، فإن المخيم يضم ٣٨٢٩ عائلة عراقية، ٤٣٥١ عائلة سورية، ١٨٩٥ عائلة أجنبية أي مهاجرون، كما هناك ٩ عوائل مجهولة الجنسية.

 

جرائم وتصفيات لا حصر لها

​تصدر مخيم الهول العناوين بشكل متكرر في السنوات الأخيرة بسبب سطوة داعش داخله. فالمخيم، الذي يمثل خطراً كبيراً سواء على قاطنيه أو على أمن المنطقة، تحول إلى مركز للتدريب والتنظيم من قبل خلايا داعش، خاصة مع تسلل عناصر من رجال داعش إليه.

​قامت النساء التابعات لداعش بتأسيس فرع داخل المخيم لما يسمى بـ "جهاز الحسبة"؛ وهي وحدة تتولى ملاحقة ومعاقبة كل من لا يلتزم بالقواعد المتشددة التي يفرضها. وبناءً عليه، تعرضت للقتل كل امرأة حاولت الانشقاق عن الفكر المتطرف، أو رفضت تربية أطفالها وفقاً لتعاليم داعش، أو رفضت ارتداء "النقاب الأسود".

​منذ عام 2019، تم توثيق مئات الجرائم والمجازر داخل المخيم. ورغم العمليات الأمنية العديدة التي نفذتها قوى الأمن الداخلي لإقليم شمال وشرق سوريا، إلا أن عناصر داعش استمروا في تصفية العشرات ممن رفضوا العيش وفق المنهج "الجهادي" المتطرف أو أرادوا الانفصال عن تلك الخلايا، مستخدمين في ذلك أساليب وحشية.

​ووفقاً للبيانات الرسمية الصادرة عن إدارة المخيم، فقد بلغت حصيلة القتلى الموثقة ١٣ قتيلاً عام ٢٠١٩، و٣٢ قتيلاً عام ٢٠٢٠، و٩٦ قتيلاً عام ٢٠٢١، ٤٤ قتيلاً عام ٢٠٢٢.

 

العمليات الأمنية داخل المخيم

​منذ 28 آذار/مارس 2021، سعت قوى الأمن الداخلي لإقليم شمال وشرق سوريا، وقوى الأمن الداخلي للمرأة، ووحدات حماية المرأة (YPJ)، وقوات سوريا الديمقراطية (QSD)، إلى كبح نشاطات خلايا داعش عبر سلسلة من العمليات الأمنية داخل المخيم وفي محيطه.

​وقد أسفرت هذه العمليات عن حصيلة كبيرة من الاعتقالات في صفوف الإرهابيين، فخلال العملية الأولى تم اعتقال 125 إرهابياً، وفي العملية الثانية تم اعتقال 226 إرهابياً، وفي العملية الثالثة اعتقل 85 إرهابياً، وخلال العملية الرابعة تم اعتقال 79 إرهابياً.

​وخلال هذه الحملات، تم إلقاء القبض على عناصر من  داعش متورطين في جرائم قتل وتعذيب. كما كشفت القوات عن أنفاق تؤدي إلى خارج المخيم، وضبطت كميات من القنابل اليدوية، والأسلحة الثقيلة، والآلات الحادة، والذخائر.

​وعلى الجانب الإنساني، شكلت جهود وحدات حماية المرأة (YPJ) في تحرير النساء الإيزيديات من قبضة داعش داخل المخيم "شعلة أمل" وسط تلك الظروف القاسية، حيث تم إنقاذ عدد من المختطفات الإيزيديات اللواتي كان يحتجزهن عناصر داعش.

 

تجاهل دولي للمناشدات

​وُجِّهت نداءات لا حصر لها بشأن ما يحدث في مخيم الهول وبخصوص قاطنيه، إلا أن المؤسسات الدولية والدول المعنية غضت الطرف عن هذه المناشدات، ولم يقم المسؤولون بالوفاء بمسؤولياتهم. ورغم المطالبات المستمرة بإنشاء محاكم دولية مستقلة لمحاكمة هؤلاء العناصر، إلا أنه لم يتم اتخاذ أي خطوة ملموسة في هذا الصدد.

​كما تم توجيه دعوات متكررة للدول لاستعادة رعاياها من نساء وأطفال داعش في مخيمي "الهول" و"روج"، لكن الدول تهربت حتى من تحمل مسؤولية مواطنيها المنتمين لداعش. ومن بين عشرات الدول المعنية، قامت 36 دولة فقط باستعادة جزء ضئيل جداً من رعاياها.

​هذا الموقف المتخاذل فتح الطريق أمام زيادة حدة الراديكالية والتطرف بين القاطنين في المخيم. ورغم الجهود التي بذلتها المنظمات النسائية في مناطق الإدارة الذاتية لإعادة تأهيل نساء داعش ودمجهن في الحياة من جديد، إلا أن هذه المحاولات ظلت غير كافية أمام حجم المأساة وغياب الدعم الدولي.

 

الوقت ينفد والتهديد يتصاعد

ييصنف مخيم الهول اليوم كواحد من أكثر الأماكن تعقيداً وخطورة في المنطقة، فهو مركز لإعادة إنتاج الفكر المتطرف، وتهديد علني ليس لسوريا فحسب، بل للعالم أجمع. واليوم، خرج هذا التهديد عن السيطرة وبات طليقاً.

​في هذا المكان الذي يمثل قلب خطر داعش، يسابق الزمنُ العالمَ وبات يجري بسرعة في غير صالحه. وعلاوة على ذلك، قد يواجه العالم هذه المرة عنفاً "أكثر تعليماً وتدريباً" بالنظر إلى الأنشطة التنظيمية والتربوية التي كان يمارسها داعش داخل المخيم. إن المجتمع الدولي الذي رفض تحمل المسؤولية بالأمس وتجاهل ما يحدث، هو المسؤول الأول اليوم عما جرى وما قد يقع من كوارث في المستقبل.