كيفية الانتقال من ثقافة الإلهة ساتي إلى عبودية المرأة؟ ـ 2

انتقدت فيجن آراس من مجلة جنولوجيا استمرار ثقافة "ساتي" بأشكال حديثة داخل الأسرة، مشددةً على أن وعي النساء وتنظيمهن هو الطريق لمقاومة هذه السياسات وبناء حياة حرة، مؤكدةً أن القرن الحادي والعشرين يمكن أن يكون قرن المرأة.

أرجين ديليك أونجل

آمد ـ كلمة "ساتي" ذات أصل سنسكريتي، مشتقة من كلمة "سات" التي تعني الحقيقة والفضيلة والاستقامة. أما معناها في القاموس فهو "المرأة المستقيمة" أو "المرأة الفاضلة"، ويُحدد هذه الاستقامة والفضيلة بما تفعله المرأة بعد وفاة زوجها.

في هذه الثقافة، يُنظر إلى استمرار المرأة في الحياة بعد وفاة زوجها على أنه "أساتي" أي "لا شيء"، بينما يُعتبر حرق المرأة لنفسها مباشرة بعد وفاة زوجها أو لاحقاً مع ممتلكاته دليلاً على فضيلتها. واليوم، يظهر هذا الفرض وهذه المعتقدات بأشكال مختلفة.

 

"استمرار ثقافة ساتي في الأسرة والزواج المعاصر"

وفي هذا السياق، أكدت فيجن آراس من مجلة جنولوجيا أن تجاوز هذه النسخ الحديثة من "ساتي" والعودة إلى جوهر التاريخ النسوي المحرف لا يمكن أن يتحقق إلا عبر نضال النساء.

وقالت إن إرادة الرجل تتغذى من استعباد المرأة، وإن ثقافة "ساتي" غيّرت شكلها مع الحداثة الرأسمالية لكنها ما زالت قائمة. موضحةً أن آثار هذه الثقافة تظهر بوضوح في حياتنا اليومية، خاصة ضمن مؤسسة الأسرة والزواج، حيث يُفرض على المرأة أن تتزوج. فالمرأة غير المتزوجة تُوصم بأنها "خطيرة" أو "مثيرة للشفقة"، ويُطلق عليها وصف "عانس"، أي بلا سند أو حماية، وكأنها بلا قيمة أو دور.

وأشارت إلى أن القوانين والأدوار التي تُبنى داخل الأسرة والزواج تعكس بوضوح تبعية المرأة للرجل، بدءاً من طريقة لباسها وجلوسها، مروراً بما تقول ومع من تلتقي، وصولاً إلى عملها أو عدمه، وإنجابها أو عدمه. فكل هذه القرارات تُحسم وفق إرادة الرجل وحده.

 

الفهم الذي فرضته الحداثة الرأسمالية

وبيّنت فيجن آراس أن مفهوم "الحب" في ظل الحداثة الرأسمالية لم تعد مجرد مشاعر إنسانية بل تحوّل إلى شكل من أشكال تسليع المشاعر. فالرجل يعبّر عن حبه للمرأة عبر الخواتم الماسية والهدايا والوعود، لأن النظام يرسّخ فكرة أن "الرجل الذي يحب ينفق، والرجل الذي يحب يأخذك للتنزه". لكن مع مرور الوقت تتحول هذه العلاقات إلى قيد خانق، حيث يظهر فيها بوضوح موقع الرجل كمالك للمرأة، وهو ما يعكس استمرار ثقافة "ساتي".

وأضافت "على سبيل المثال، الغيرة تمثل النسخة الحديثة لهذه الثقافة؛ إذ يقول الرجل للمرأة (يجب أن ترتدي من أجلي، لا تنظري إلى الآخرين، لا تتصرفي من دون علمي، لأنني أغار). والسبب أنه يعتبر نفسه صاحب السلطة عليها".

وأشارت إلى أن "هذه الثقافة تتجلى أيضاً في صور أخرى، مثل حرمان المرأة من ممارسة السياسة، أو اتخاذ مواقف مستقلة، أو تقرير مصيرها بنفسها، فضلاً عن حبسها داخل البيت وحصر تعريفها في كونها أمّاً أو زوجة أو حبيبة. كل ذلك يعكس استمرار ثقافة "ساتي" في أشكالها المعاصرة".

 

المرأة بين ثقافة التبعية وتحويلها إلى سلعة

وأكدت فيجن آراس إلى أن المرأة تُعامل في كثير من الثقافات كـ "هدية" أو "سلعة"، موضحةً أن النساء يكبرن وسط رموز اجتماعية تفرض عليهن أدواراً محددة. وأن هناك نساء رغم وعيهن بالعنف اليومي، الجنسي والاقتصادي، وبكيفية هيمنة الرجل عليهن، إلا أنهن يفتقرن إلى فرص أو أماكن يلجأن إليها، ما يجعلهن في حالة عجز ويأس. ومع ذلك، فإن عدد النساء اللواتي يكتسبن وعياً ويبدأن بالاعتراض يتزايد يوماً بعد يوم.

وقدمت مثالاً "في حفلات الزفاف حيث يُرتدى الفستان الأبيض رمزاً للعذرية، أي "النقاء"، وكأن المرأة تُقدَّم للرجل كهدية لم تُمس من قبل. بينما لا يُفرض على الرجل أي شرط مماثل. وفوق الفستان يُضاف الشريط الأحمر، الذي يمثل النسخة الحديثة من ثقافة "ساتي"، ويُربط ويُفك ثلاث مرات. وفي بعض الثقافات يُفسَّر هذا الشريط على أنه انتقال ملكية المرأة "كانت لله أولاً، ثم لوالدها، والآن أصبحت لك". أي أنها تُغلف وتُسلَّم للرجل كما لو كانت سلعة".

وشددت أن هذه الممارسات تعني إلغاء المرأة وتجريدها من إرادتها، وتحويلها إلى مجرد سلعة جنسية، ضمن سياسات تهدف إلى حصرها في أدوار الأم أو الزوجة أو الحبيبة، دون أي قيمة أخرى في الحياة.

 

"نحو قرن المرأة وبناء حياة حرة خارج قيود الأسرة والذكورية"

وأشادت فيجن آراس بالنساء، رغم محاولات التهميش والإلغاء، استطعن أن يطوّرن وعياً جديداً ويبدأن بالمقاومة، مشيرةً إلى أنهن أصبحن أكثر نقداً واعتراضاً على السياسات المفروضة عليهن. وأن النساء اللواتي يسعين إلى التحرر يتحولن مع الوقت إلى رائدات للتغيير.

وقالت "النساء اللواتي يدركن الأدوار المفروضة عليهن داخل مؤسسة الزواج والأسرة، بدأن بالتخلي عن الزواج، لأنهن يعتبرنه جزءاً من سياسات تهدف إلى حبس المرأة. فالأسرة اليوم أصبحت مكاناً لاستعباد النساء وجعلهن تابعات، وهنا بدأت الاعتراضات تتوسع بشكل ملحوظ. النساء حين يخترن يتساءلن، ما هو المقياس؟ ما هو معيار الحرية؟ لقد أصبحن يعترضن على الزواج وعلى شكل الأسرة الذي يفرضه النظام، وهذا أمر مهم وقيم. ومع ذلك، ما زلنا نرى في الأسر الحالية آثاراً صغيرة أو كبيرة، ظاهرة أو خفية، لثقافة "ساتي". لذلك نسعى قدر الإمكان إلى جعل هذه الأسر أكثر ديمقراطية".

ولفتت فيجن آراس الانتباه إلى خطورة إعلان عام 2025 "عام الأسرة"، معتبرةً أن هذه الخطوة تهدف إلى ترسيخ العقلية الذكورية وإضفاء الشرعية عليها وضمان استمراريتها. وأن السلطات تبني سياساتها على أساس القومية والتمييز الجنسي، وأن الرجل الذي سحقته السلطة واستغلته يجد ذاته في علاقة قائمة على التمييز الجنسي، وهو ما يجعل القرار نتاجاً لسياسة تغذي القومية والذكورية معاً.

وأضافت "حين يُقال إن الأسرة مقدسة وإن على الجميع الزواج، ينبغي أن نتساءل عن معنى ذلك في الحياة. فشخصان يقرران العيش معاً يُجبران على توقيع عقد، وإذا أرادا الانفصال فعليهما اللجوء إلى القاضي الذي يملك القرار. هنا يسعى حزب العدالة والتنمية إلى بناء الأسرة المقدسة التي يتخيلها، ويقدّس الأمومة ليُبعد المرأة عن السياسة ويخلق نساءً يعززن النموذج الذكوري الذي يريده".

وأشارت إلى أن كل ثانية تتعرض امرأة للاغتصاب في العالم، وأن معظم الجرائم تحدث داخل الأسر. موضحةً أن المجتمع ينظر إلى الرجل غير المتزوج وكأنه "مسكين"، بينما يُنظر إلى المرأة غير المتزوجة على أنها "بائسة"، وكأن الزواج شرط وجودها. مؤكدةً أن هذا المنطق يسعى إلى فرض تبعية المرأة للرجل باعتبارها ضرورة وجودية، وهو ما ترفضه النساء اليوم، إذ يخترن أن يعشن، يبحثن عن معنى الحياة، يبنين الجمال ويُنتجن بعيداً عن هذه التبعية المفروضة.

وشددت فيجن آراس على أهمية تنظيم النساء والدفاع الذاتي، لافتة إلى أن النساء عبر التاريخ كنّ أساس المجتمع الأمومي، حيث نشرن العلم والفن والفلسفة والإيمان وجعلنها جزءاً من الحياة الاجتماعية. موضحةً أن مواجهة العقليات التي تحاول إبعاد النساء عن هذه القيمة تتطلب مشاركة المعرفة ونشرها، وهو ما يستلزم التنظيم.

وتابعت "المعرفة وحدها لا تكفي، والتنظيم وحده لا يكفي، بل يجب تحويل هذا التنظيم إلى نضال فعلي. فحين تُقتل النساء يومياً ويعشن تحت خطر دائم بالاغتصاب، فهذا يعكس وجود مشكلة عميقة هي مشكلة العبودية، التي تشكل أساس كل المشكلات في الحياة. وبالتالي فإن النساء هنّ الفاعلات الرئيسيات في حل هذه الأزمة، لكن الأهم هو تنظيم هذا الدور وتعزيز النضال. لذلك علينا خلق الظروف التي تجمع النساء وتوحدهن في مواجهة هذه التحديات".

واختمت فيجن آراس حديثها بالقول "إن العثور على إجابة لسؤال من أنا بلا رجل، بلا زواج، بلا دولة؟ يُعد أمراً بالغ الأهمية، ويتطلب أولاً انكشاف الوعي. إن الجنولوجيا التي تؤكد عليه حركة المرأة الحرة وتُكثّف دراساته، تقدّم المنهج للإجابة عن سؤال، من هي المرأة الحرة؟ وحين نقول إن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن المرأة، فإننا نقول ذلك لأننا نرى الأرضية والإمكانات التي تجعل هذا ممكناً. نحن النساء، ما إن نمسك بالأبواب التي تُفتح نحو الحرية، حتى نستطيع التخلي عن أشكال العبودية القائمة، ونصبح رائدات في بناء حياة جديدة. وفي كردستان هناك آلاف الأمثلة التي تجسّد ذلك، ومن المهم أن نُكثّر هذه الأمثلة ونُحوّلها إلى جزء من التاريخ، لأن في ذلك قيمة كبيرة".