كوباني رمز المقاومة... قصة أبٍ اختار الموت ليحيا الوطن

آلاف الحكايات عن الوفاء تتفتح كالأزهار الحمراء في جنوب البلاد، لكن قصة واسطة حاجي مسلم ليست مجرد خبر عابر، بل أسطورة حيّة تنبض بما يتجاوز حدود الحب، لتغدو رمزاً للتضحية والإصرار على الدفاع عن الأرض والكرامة.

رانية - منذ عام 2014، حين تحولت كوباني إلى رمز للمقاومة، اضطر واسطة حاجي مسلم، مثل آلاف من أهالي مدينته، إلى النزوح نحو إقليم كردستان حيث وجد ملاذاً آمناً في مدينة رانية، هناك استقرت حياته حتى دوّت أجهزة الإنذار معلنة هجوماً جديداً على روج آفا.

بينما كانت الأرض تهتز تحت وطأة القصف، شاء القدر أن تحتاج ابنة واسطة حاجي مسلم، ذات الثلاث سنوات، إلى عملية جراحية عاجل، وفي ردهة المستشفى، جلس واسطة حاجي مسلم يتابع عبر هاتفها صور النار والدخان في روج آفا، وكل مشهد منها كان يثقل قلبه، حيث وجد نفسه أمام معضلة مؤلمة، جسد ابنته يرقد على سرير المستشفى بانتظار الأطباء، فيما قلبه مشدوداً إلى المقاتلين والمقاتلات الذين يواجهون الموت دفاعاً عن الأرض والكرامة.

لم يستطع أن يقف مكتوف اليدين بينما مدينته التي تحترق، لذلك اتخذ القرار الأصعب في حياته، ترك أمر ابنته بأيدي الأطباء، وسار نحو الطريق الذي يختلط فيه عبير الحياة برائحة الموت.

وفي تلك اللحظة، كانت شقيقته لمياء مسلم شاهدةً على الموقف، تتحدث بصوت يفيض بالفخر والعزيمة الثورية "كان يوم العملية، إن قلبك هناك في ساحة المعركة، فانطلق! لا تقلق على ابنتك، فنحن هنا وسنكون بمثابة والديها، كان طريقه محفوفاً بالمخاطر والتحديات، لكننا فخورون بخطوته، لقد التحق بالمقاتلين والمقاتلات ليحمي شرفنا جميعاً".

بهذه الكلمات، منحت الأخت شقيقها تذكرةً نحو رحلة محفوفة بالتحديات، وأكدت أن المرأة الكردية كانت وما زالت سنداً للثورة، تحمل روح المقاومة وتغذيها بالإرادة والكرامة.

عاد واسطة حاجي مسلم إلى روج آفا، إلى أرضٍ عطشى للدفاع، حيث اختلطت أصوات الرصاص برائحة البارود، ومن هناك، رفع هاتفه ليتصل بزوجته، التي كانت تجلس بجوار ابنتهما الصغيرة فاقدة الوعي في المستشفى.

بصوتٍ لم يعد يرتجف من القلق، بل امتلأ بالشجاعة، قال لها "لا تقلقي، نحن هنا، شجاعتنا كالجبال، ومقاتلونا كالأسود. نحن على يقين بالنصر، ومع شفاء ابنتنا، سينهض الوطن من هذا البلاء".

هكذا تحوّلت قصة واسطة حاجي مسلم إلى ملحمة أبٍ قدّم حياته قرباناً ليحمي كوباني، وليثبت أن التضحية من أجل الأرض والحرية لا تعرف حدوداً.