كرماشان... أسبوع من القمع والقتل والانقطاع عن العالم
إلى جانب موجة الاحتجاجات التي اجتاحت مختلف أنحاء إيران، شهدت مدينة كرماشان حملة قمع عنيفة، أسفرت عن سقوط عدد كبير من القتلى والمصابين، وقد تمثلت الإجراءات الحكومية في قطع خدمة الانترنت وإطلاق النار على المحتجين إضافة إلى انتشار قوات الأمن.
كرماشان ـ تشهد إيران منذ أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025 موجة احتجاجات واسعة النطاق، اندلعت بسبب الأزمة الاقتصادية الحادة وانهيار العملة، وسرعان ما تحولت إلى احتجاجات ضد النظام، لتدخل عام 2026 بزخم أكبر وسط قمع شديد وانقطاع شامل للإنترنت.
منذ الثامن من كانون الثاني/يناير الجاري، ومع تصاعد موجة التضامن الشعبي في إيران عبر الإضرابات والاحتجاجات الواسعة، شهدت مدينة كرماشان مشاركة متزايدة في هذه التحركات، وقد أقدمت السلطات على قطع خدمة الانترنت في محاولة لعرقة تدفق المعلومات والحد من التواصل الحر، إلا أن هذا الإجراء لم ينجح في ثني المتظاهرين عن مواصلة مقاومتهم للقوى القمعية. وتشير الملاحظات الميدانية في مواقع التجمع إلى أن الأهالي ظلوا ثابتين على موقفهم الاحتجاجي بإصرار وعزيمة.
في اليوم ذاته، شهدت كرماشان والمدن المجاورة احتجاجات وإضرابات واسعة النطاق، حيث أفادت تقارير محلية بسقوط عدد كبير من الضحايا بين صفوف المتظاهرين، ووفقاً لشهادات عيان قتل العشرات من المدنيين في العديد من المناطق، ورغم الأرقام المعلنة التي تبدو محدودة، إلا أنها تثير القلق وتشير إلى أن العدد الحقيقي للقتلى قد يكون أكبر بكثير مما أوردته وسائل الإعلام، إذ أكد العديد من المشاركين في الاحتجاجات أنهم شهدوا مقتل أو إصابة شخص واحد على الأقل في مواقع مختلفة.
إطلاق النار بقصد القتل
وأفاد شاهد عيان نجا من الاعتقال بأن أحد عناصر الأمن أطلق عليه النار عدة مرات، مؤكداً أن قوات الأمن كانت تطلق الرصاص بشكل عشوائي بهدف قتل المتظاهرين، كما قال أحد المحتجين، الذي أصيب برصاصة من بندقية صيد في حي جولستان، أنه استُهدف فقط لأنه كان يطلق بوق سيارته مراراً عند تقاطع جولستان.
وأظهرت التقارير الميدانية أن السلطات لم تقتصر على نشر القوات العسكرية للسيطرة على الاحتجاجات، بل دفعت أيضاً بأعداد كبيرة من عناصر الأمن بملابس مدنية إلى الشوارع والأزقة، وأفاد شاهد عيان أنه حين هتف من نافذة منزله بشعار "الموت للديكتاتور"، صرخت عدة نساء في الشارع معلنات أن منزله قد تم التعرف عليه، في إشارة إلى أن الحكومة تستعين بنساء بملابس مدنية لتحديد هوية المحتجين.
كما كشف مصدر مقرب من دائرة عقاب كرماشان أن الدائرة أصدرت أوامر بجمع تسجيلات كاميرات المراقبة من عدد من المحلات التجارية المطلة على مواقع الاحتجاج، بهدف استخدامها في التعرف على القادة والمحتجين، كما لجئت السلطات إلى استخدام طائرات مسيّرة لرصد وجمع المعلومات في مناطق مثل سيماري دوم ونوباهار وحافظية.
استمرار الاحتجاجات
وعلى الرغم من أجواء القمع والاختناق الشديد، استمرت الاحتجاجات في التصاعد، فيما بقيت خدمة الإنترنت مقطوعة وأبراج الهواتف المحمولة خارج نطاق التغطية، الأمر الذي جعل الهواتف عملياً في وضع الطيران وأعاق التواصل بين المحتجين، ومع ذلك تلقى المواطنون رسائل نصية تهديدية من جهات حكومية، وصفت المحتجين بأنهم "جماعات إرهابية" وحذّرت العائلات بضرورة مراقبة أبنائها، وقد مثّلت هذه الرسائل محاولة واضحة لتبرير العنف وتبرئة السلطات من مسؤولية قتل المتظاهرين على يد قواتها القمعية.
وبعد أسبوع من انقطاع الإنترنت لا يزال إضراب تجار ومسوقي كرماشان مستمراً، وللتقليل من شأن الاحتجاجات وإظهار قوة مؤيديها، دعت الحكومة الناس للمشاركة في مسيرات عبر الرسائل النصية، ويقول شهود عيان إن معظم المشاركين في هذه المسيرات الحكومية كانوا من موظفي الحكومة والعسكريين وعائلاتهم.
جرحى مخفيون ومراكز احتجاز غير رسمية
في ظلّ أجواء القمع والاختناق السائدة في إيران، سقط عدد كبير من القتلى والمصابين بجروح خطيرة، فيما يُجبر كثير من الجرحى على تلقي العلاج في منازلهم خوفاً من الاعتقال في المستشفيات، وهو ما يعرّض حياتهم لمخاطر جسيمة.
وأكد شهود عيان في كرماشان أن القوات الحكومية حوّلت مواقع مدنية مثل مدرسة استقلال الثانوية في نوبهار، ومركز التربية البدنية، وإدارة الإصلاحيات إلى قواعد أمنية. حيث يتم نقل المعتقلين والمصابين بدايةً إلى هذه المراكز، قبل اقتيادهم لاحقاً إلى أماكن أخرى للاستجواب والتعذيب.
ومنذ اندلاع الاحتجاجات، وردت تقارير عن حملات اعتقال واسعة، فيما استغلت السلطات هذه الأحداث كذريعة لملاحقة نشطاء المجتمع المدني في منازلهم، إضافة إلى أشخاص كانوا تحت المراقبة مسبقاً، لتتحول الاحتجاجات إلى غطاء للقضاء عليهم جسدياً وسط هذه الفوضى.
قطع الاتصال بالعالم
يُظهر هذا المسار أن قطع الإنترنت بشكل كامل، إلى جانب التحرك الحكومي الأخير لمصادرة أطباق الأقمار الصناعية، يشكّل جزءاً من خطة منظّمة تهدف إلى عزل إيران عن العالم وتهيئة الأرضية لمجازر أكثر وحشية، ولا تعكس هذه الإجراءات شدة القمع الداخلي فحسب، بل تكشف أيضاً عن مساعي السلطات لفرض روايتها الرسمية، ومنع الحقائق من الوصول إلى الخارج وفي ظل غياب وسائل الإعلام المستقلة والدولية عن المشهد المباشر، تزداد أهمية شهادات شهود العيان والتقارير المحلية أضعافاً مضاعفة.
في المقابل، يبرز استمرار الإضرابات والاحتجاجات في كرماشان ومدن أخرى كدليل على تمسك المجتمع بمطالبه رغم الضغوطات الهائلة، وهو ما قد يقود إلى نشوء شبكات مقاومة محلية وتعزيز التضامن الاجتماعي، أما الحكومة فتلجأ إلى أدواتها الأمنية والدعائية لتصوير هذه التحركات على أنها "أعمال شغب" أو "أنشطة إرهابية"، في محاولة لترسيخ شرعية القمع في الرأي العام.
وفي النهاية، فإن عزل إيران عن العالم لا يُعد مجرد وسيلة حكومية للقتل الجماعي، بل أيضاً محاولة منهجية لمحو الشهود وإخفاء الأدلة الموثوقة على الجرائم المرتكبة بحق المتظاهرين.