ختان الإناث... ممارسة مدمرة تتطلب مواجهة شجاعة
أكدت شوخ محمد أن ختان الإناث لا يمتّ للدين بصلة، بل هو تقليد ثقافي ضار يخلّف آثاراً صحية ونفسية خطيرة، مشددة على ضرورة وعي المجتمع ودعم النساء لمواجهة هذه الممارسة وإنهائها.
هيفي صلاح
السليمانية ـ يُعتبر الختان من أقدم التدخلات الجراحية التي عرفها الإنسان، وربما كان في بداياته شكلاً أقل تطرفاً من بتر الأعضاء الذي ارتبط بالحروب. ومع مرور الزمن، انتقل هذا الطقس إلى الكهنة والنخب في مصر القديمة، ويُرجح أن يكون مستوحى من أسطورة أوزيريس.
في بعض المجتمعات، ما زالت الفتيات الصغيرات يتعرضن لممارسات ضارة تُنفَّذ رغماً عن إرادتهن، حيث يُجبرن على الخضوع لعمليات الختان تحت ضغط اجتماعي وديني، وسط دموع صامتة وأدوات حادة، دون مقاومة تُذكر أو نزيف كبير، ومع ذلك تستمر هذه الممارسة.
تُنفَّذ هذه العمليات لأسباب ثقافية ودينية واجتماعية، وغالباً ما تُقدم كشرط للزواج أو كطقس عبور إلى مرحلة البلوغ، أو كوسيلة مزعومة لحماية الفتاة. غير أن هذه المبررات تُخفي حقيقة كونها انتهاكاً صارخاً لحقوق الطفل، وشكلاً من أشكال العنف ضد النساء، بما يخلّف آثاراً جسدية ونفسية خطيرة. فقد تؤدي إلى مضاعفات صحية مثل العدوى، النزيف، الألم المزمن، صعوبات في التبول والإنجاب، إضافة إلى آثار نفسية عميقة مثل الاكتئاب، القلق، وفقدان الثقة بالنفس.
بحسب تقارير حديثة صادرة عن منظمة الصحة العالمية، اليونيسف، البنك الدولي، وقسم السكان في الأمم المتحدة، فإن معظم الدول التي ترتفع فيها معدلات ختان الإناث، تسجل أيضاً نسباً عالية من وفيات الأمهات. ومن بين أربع دول تُعد الأعلى عالمياً في وفيات الأمهات، هناك دولتان ترتفع فيهما معدلات ممارسة الختان بشكل كبير. كما أن خمسة من البلدان التي ينتشر فيها الختان على نطاق واسع، تسجل معدلات وفيات للأمهات تصل إلى 550 حالة أو أكثر لكل 100 ألف مولود حي.
في الوقت الراهن، يؤكد العلم والطب بشكل قاطع أن ختان الإناث لا يحمل أي منفعة صحية، بل على العكس، يخلّف أضراراً جسدية ونفسية طويلة الأمد، يصعب أحياناً رصدها بسبب ما يحيط بالموضوع من خوف ومحرمات اجتماعية. وهذا ما يجعل القضية ليست مجرد مشكلة طبية، بل قضية اجتماعية وحقوقية تمسّ كرامة الإنسان.
إن إنهاء ممارسة ختان الإناث يتطلب مواجهة المعتقدات الضارة، وزيادة وعي المجتمع، وإعلاء صوت النساء اللواتي تعرضن لهذه التجربة القاسية. التغيير الحقيقي يبدأ عندما يُنظر إلى حياة المرأة لا باعتبارها مجالاً لاختبار الأعراف، بل باعتبارها حقاً أصيلاً يجب أن يُصان ويُحترم.
برامج توعوية للحد من الظاهرة
وفي هذا السياق، أوضحت شوخ محمد، منسقة مشاريع منظمة "الوادي الألماني" في السليمانية، أن المنظمة تعمل على تقييم هذه الظاهرة وتنفيذ برامج تهدف إلى الحد منها، مؤكدة على أهمية تكاثف الجهود لمواجهة هذه الممارسة.
وأوضحت أن العالم يقترب من اليوم الدولي لمناهضة ختان الإناث، المصادف السادس من شباط/فبراير الجاري، مؤكدة أن هذه قضية عالمية، وللأسف ما زالت موجودة في إقليم كردستان أيضاً، مشيرةً إلى أن المنظمة تعمل رسمياً على هذا الملف منذ عام 2004، وما زالت مستمرة حتى اليوم.
وبيّنت أن هذه الممارسة تراجعت بشكل ملحوظ في مناطق مثل كرميان وحلبجة، حيث تُظهر البيانات السنوية التي تنشرها المنظمة أن معدلات ختان الإناث هناك وصلت إلى الصفر منذ عدة سنوات. ومع ذلك، لا تزال بعض المناطق الأخرى مثل أربيل ورانية تشهد حالات، إذ ما زال بعض الأهالي يعتقدون بضرورة إجراء الختان، ويلجؤون إلى نساء أو قابلات لتنفيذه.
وأضافت أن وجود قوانين لمناهضة العنف الأسري، والتي تحظر هذه الممارسة، جعل من الصعب العثور على أشخاص يقومون بها علناً، لكن ما زالت بعض الحالات تُنفذ بسرية، مؤكدة أن المنظمة تراقب هذه الظاهرة وتسعى لتحديد مصادرها، وإذا لم تتمكن من الوصول إلى الأشخاص الذين نفذوا العملية، فإنها تنظم ندوات توعوية في المناطق التي وقعت فيها الحالات، لضمان وصول الرسائل التوعوية إلى المجتمع المحلي.
دور النساء والأمهات اللواتي عانين من الختان
وأكدت شوخ محمد أن وعي المجتمع حول مختلف القضايا، وخاصة قضية ختان الإناث، أمر بالغ الأهمية وله تأثيرات طويلة الأمد، موضحة أن العمل في هذا المجال قد يكون صعباً في السنوات الأولى، حيث تكون المقاومة قوية، لكن مع مرور الوقت تظهر نتائج ملموسة. فقد عملت المنظمة في عدة مناطق مع نساء في أعمار الخمسين والستين، وبعد سنوات من التوعية اقتنعن بضرورة التوقف عن هذه الممارسة، وأصبحن يصرحن بأنهن لن ينفذنها مجدداً.
وأشارت إلى أن دور الأمهات والنساء الأكبر سناً داخل الأسرة والمجتمع مؤثر جداً، إذ تُعتبر آراؤهن ذات وزن كبير، ومن هنا تأتي أهمية تغيير قناعاتهن، مضيفة أن مستوى الوعي يختلف من منطقة إلى أخرى، لكن بشكل عام يمكن القول إن الظاهرة لم تعد بالخطورة السابقة، إذ تراجعت بشكل ملحوظ. ومع ذلك، تبقى هناك مشكلة أخرى، وهي أن نسبة كبيرة من الفتيات والنساء الشابات اللواتي تعرضن للختان يعانين من آثار سلبية على حياتهن الزوجية، مما يخلق أزمات اجتماعية ونفسية عميقة.
وشددت على أن هذه القضية ما زالت قائمة ولم تُحسم بشكل نهائي، وأنه من الضروري مواصلة العمل بأساليب جديدة، سواء من الناحية الصحية أو النفسية، لضمان القضاء التام على هذه الممارسة وحماية حقوق النساء والفتيات.
ويطرح موضوع ختان الإناث بشكل محدود جداً داخل المدارس، حيث إن معظم المناهج لا تتطرق إليه إلا بشكل جزئي ضمن دروس الأحياء والتعريف بالجسد، دون أن يُناقش بعمق. واعتبرت شوخ محمد أن هذا بحد ذاته مشكلة، لأن العلاقة بين الجسد والصحة أمر أساسي بالنسبة للأطفال، ومن المهم أن يتعرف الطفل على جسده ويفهمه، وأن يحصل على معلومات كاملة حول حقوقه.
وأضافت أن هذه القضايا تُناقش بشكل ضئيل في المؤسسات التعليمية، معبّرة عن أملها بأن تلعب الحكومة ووزارة التربية دوراً أكبر في المستقبل، مؤكدة أنه إذا جرى العمل على هذا الموضوع بشكل جدي ضمن المناهج والبرامج التربوية، فإن ذلك سيحقق نتائج إيجابية مهمة على المدى الطويل.
ضغوط اجتماعية ونفسية
ووجهت شوخ محمد رسالة خاصة إلى الأمهات، موضحة أن بعضهن ما زلن يخضعن لضغوط اجتماعية ونفسية شديدة، تصل أحياناً إلى حد حرمانهن من الطعام أو الماء إذا رفضن تنفيذ هذه الممارسة، مؤكدة أن العالم اليوم تغيّر، وأصبح الوصول إلى المعلومات الصحيحة متاحاً للجميع، وبالتالي يمكن للنساء البحث بأنفسهن عن المصادر الموثوقة التي تثبت أن ختان الإناث لا يمتّ بأي صلة إلى الدين، بل هو مجرد تقليد ثقافي خاطئ، وأن كل ما قيل في هذا السياق لا أساس له من الصحة، فيما الأضرار الصحية والنفسية جسيمة.
وأضافت أن النساء اللواتي تعرضن للختان ويصلن لاحقاً إلى مرحلة الزواج بحاجة إلى دعم ومساندة، مشددة على أن عليهن ألا يشعرن بالخجل أو الخوف من طلب المساعدة، لأن هذه قضية تحتاج إلى حلول طويلة الأمد. وأوضحت أن الأمر لا يخص امرأة واحدة فقط، بل هو قضية عالمية تعمل منظمات ونساء كثيرات على مواجهتها.
وفي ختام حديثها، قالت شوخ محمد منسقة مشاريع في منظمة "الوادي الألماني"، إن ختان الإناث في جوهره "ممارسة مدمّرة"، إذ يخلّف أضراراً مباشرة وغير مباشرة على مستقبل النساء، مؤكدة أن هذه الظاهرة وإن كانت ما زالت قائمة، إلا أن الحلول موجودة، وأنه بالإمكان الوصول إلى المعالجة وإنهاء هذه الممارسة بشكل نهائي.