حين استُهدفت رائدات التغيير... حلنج جرح في ذاكرة ثورة المرأة

زهرة بركل وهبون ملا خليل وأمينة ويسي، ثلاث نساء كتبن بدمائهن صفحات من تاريخ حرية المرأة، وكنّ قوة دافعة في مسيرة النساء نحو بناء عالم حرّ وتطوير النضال.

برچم جودي

كوباني ـ في واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في مسيرة نضال المرأة الكردية، تحوّلت مجزرة حلنج إلى رمزٍ للصراع بين مشروع حرية المرأة ومحاولات استهدافه، ففي الوقت الذي واصلت فيه النساء في روج آفا كتابة صفحات جديدة من تاريخهن التحرري، جاءت الهجمات لتستهدف رموزاً نسائية لعبت أدواراً محورية في هذا المسار.

في روج آفا حيث برزت ثورة المرأة كواحدة من أبرز التحولات الاجتماعية والسياسية في المنطقة، حققت النساء خطوات لافتة على طريق التنظيم والمشاركة والقيادة، وأصبحت كل امرأة منخرطة في هذا المشروع صفحة جديدة في تاريخ حرية المرأة.

غير أن هذه التجربة تحولت إلى هدف مباشر للقوى الساعية إلى الحفاظ على البنى التقليدية والهيمنة القائمة، فمع تصاعد دور المرأة في المجتمع، شهدت مناطق روج آفا سلسلة من الهجمات التي استهدفت الناشطات والقياديات، في محاولة لإيقاف هذا المسار وإضعاف مكتسباته.

وفي هذا السياق، شهدت مدينة كوباني، التي انطلقت منها شرارة ثورة المرأة، واحدة من أبرز تلك الهجمات ففي 23حزيران/يونيو 2020، استهدفت مسيّرة تركية منزلاً مدنياً في قرية حلنج شرقي المدينة، كان يضم إداريات في مؤتمر ستار المعني بحقوق المرأة.

وأسفر الهجوم عن مقتل عضوة الهيئة التنسيقية لمؤتمر ستار زهرة بركل، والإدارية في ناحية شيران هبون ملا خليل (بدرية خليل)، إضافة إلى صاحبة المنزل أمينة ويسي، وقد شكّل الهجوم منعطفاً خطيراً تمثّل في الانتقال إلى استهداف القياديات النسائيات بشكل مباشر عبر الاغتيالات والعمليات العسكرية.

النساء الثلاث اللواتي استشهدن في المجزرة لم يكنّ مجرد أسماء، بل شخصيات تركت أثراً واضحاً في المجتمع ومسيرة النضال النسوي.

فزهرة بركل، المولودة في كوباني عام 1987، كرّست سنوات طويلة من حياتها للعمل من أجل حرية المرأة، وأسهمت في العديد من مجالات الثورة والتنظيم المجتمعي.

أما هبون ملا خليل، واسمها الحقيقي بدرية خليل، وُلدت عام 1981 في قرية حلنج، وأمضت أكثر من عقدين في خدمة المجتمع والنساء الكرديات، واستمرت في نشاطها رغم معاناتها من مرض السرطان، حتى رحلت وهي تمارس دورها النضالي.

في حين مثّلت أمينة ويسي نموذجاً للأمهات المناضلات، إذ فتحت منزلها للثوار والمناضلين وحوّلته إلى مساحة احتضان ودعم لكل من انخرط في مسيرة النضال، وقد دمّر منزلها بالكامل خلال الهجوم.

وبعد المجزرة، قررت نساء كوباني تحويل منزل أمينة ويسي إلى متحف يحمل ذاكرة المكان والشهيدات، ليبقى شاهداً على التضحيات التي قُدمت، ورسالة تؤكد استمرار النضال رغم محاولات استهدافه.

         


        

وفي الذكرى السادسة للجريمة تقول نادية حسو، التي عاشت تجربة العمل والنضال إلى جانب الشهيدات، إن النساء قدمن تضحيات كبيرة من أجل أن يعيش المجتمع بحرية وكرامة، مشيرةً إلى أن هبون ملا خليل لعبت دوراً مهماً في مقاومة داعش الإرهابي فيما ناضلت زهرة بركل ضد الاحتلال والتمييز والذهنية الذكورية، بينما كرّست أمينة ويسي منزلها وحياتها لخدمة المناضلين والمناضلات.

وتضيف أن النساء الكرديات دفعن أثماناً باهظة في سبيل الحرية، وساهمن بتضحياتهن في كتابة تاريخ جديد للمرأة، تاريخٍ لا يقوم على الاستعباد والتهميش، بل على المشاركة والإرادة والحرية.

وتؤكد على مواصلة هذا الطريق، قائلةً إن تاريخ استعباد المرأة كُتب على مدى قرون، أما اليوم فإن النساء الكرديات يتقدمن الصفوف لكتابة تاريخ حريتها، مستمدات القوة من تضحيات الشهيدات اللواتي أصبحن صفحات مضيئة في مسيرة النضال نحو بناء عالم أكثر حرية وعدالة للنساء.