في إيران العنف يتجاوز القمع ويصبح جزءاً من معادلات القوة

لم يعد يُنظر إلى العنف في إيران كنتاج مباشر لسياسات القمع، بل تحول إلى أداة فاعلة داخل الحسابات السياسية، حيث تُختزل حياة الإنسان في عنصر من عناصر موازين القوة بدلاً من كونها ثمناً يدفعه الأفراد في مسار الصراع.

برشنك دولتیاري

مركز الأخبار ـ تعيش إيران مرحلة من أكثر فتراتها الحديثة توتراً، إذ أدّت الحرب والأزمات الأمنية إلى تصاعد التشدد داخل البلاد وتضييق المجال العام، وأسهمت المواجهات الإقليمية في ترسيخ النهج الأمني وتشديد الضغط على الأصوات المنتقدة، ما جعل الحدود بين حماية الأمن القومي وتقييد الحقوق المدنية أكثر غموضاً وإثارة للجدل.

أفادت روايات محلية وشهادات نُسبت إلى شهود عيان عن إضافة توتر جديد إلى المشهد، إذ تشير هذه المصادر إلى أن مدرسة شجرة طيبة الابتدائية للبنات في ميناب تعرّضت لهجوم في حادثة وقعت مؤخراً، وأن عدد الضحايا قد بلغ 165 طفلة وفقاً لما يتم تداوله، كما تتضمن بعض الروايات اتهامات تشير إلى دوافع داخلية محتملة وربطاً للهجوم بجهات حكومية، وهي مزاعم بالغة الخطورة لا يمكن تأكيدها دون تحقيق مستقل وموثوق وشفاف يحدد ملابسات الحادث ومسؤولياته.

وبغض النظر عن صحة هذه الادعاءات أو زيفها، فإنّ خلق مثل هذه الروايات ونشرها يعكس عمق الانقسامات الاجتماعية وارتفاع مستوى انعدام الثقة العامة، في حالات الحرب وفي ظل بيئة شديدة الحساسية الأمنية، يكون تدفق المعلومات محدوداً وقد يؤدي غياب المعلومات الرسمية إلى انتشار روايات متضاربة في الرأي العام، لذلك تزداد أهمية الحاجة إلى تحقيقات شفافة، ومساءلة المؤسسات المسؤولة وضمان حماية المدنيين لا سيما الأطفال.

لا يمكن تحليل الأحداث التي جرت خلال الاحتجاجات الدامية التي راح ضحيتها أطفال بمعزل عن هذا السياق الحرج، فعندما تجد حكومة نفسها في حالة حرب أو على وشك الحرب تطغى الأولويات الأمنية على اعتبارات حقوق الإنسان، ويتزايد خطر تطبيع العنف، في مثل هذه البيئة لا يُنظر إلى الاحتجاج الاجتماعي كجزء من الحياة المدنية بل كتهديد للاستقرار السياسي، ونتيجةً لهذه النظرة ينتشر استخدام القوة على نطاق واسع ويتسع نطاق القمع، قمع شمل الأطفال أيضاً، وبشكل غير مسبوق.

يحاول التقرير التالي إظهار كيف أصبحت حياة الأطفال، في خضم الحرب والأزمات، ضحايا صامتين لمعادلات القوة، وهو وضع لا يمثل مأساة إنسانية فحسب بل هو أيضاً علامة تحذيرية على تآكل المعايير القانونية والأخلاقية في حالات الحرب.

بدأت الاحتجاجات في إيران في الثامن والعشرين من كانون الأول/ديسمبر 2025 وعلى مدار عدة أسابيع، قوبلت هذه الاحتجاجات برد فعل عنيف من قبل قوات الأمن، وبلغت ذروتها في 8 و9 كانون الثاني/يناير 2026. وتشير تقارير مستقلة لحقوق الإنسان إلى أن الحكومة استخدمت الذخيرة الحية والأسلحة النارية وأسلحة مكافحة الشغب لقمع المتظاهرين، وهو نهج أدى إلى مقتل مدنيين عُزّل، بمن فيهم أطفال دون سن الثامنة عشرة، يُعد هذا الحدث غير مسبوق أو نادر في تاريخ إيران المعاصر، وقد لفت انتباه المجتمع الدولي.

وبحسب تقرير إحصائي مستقل، قُتل ما لا يقل عن 21 طفلاً دون سن الثامنة عشرة بنيران مباشرة من قوات الأمن خلال احتجاجات كانون الثاني/يناير 2026، وتشير الدراسات إلى أن الضحايا استُهدفوا من قبل القوات الحكومية في مدن مختلفة مثل مرودشت، إمام شهر، قير، كارزين، كرماشان، أصفهان، كرج، ومن بين هؤلاء الأطفال، قُتل طفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات، ما يدل على شدة العنف واستخدامه المفرط وغير المتناسب.

وأشار التقرير إلى تفاصيل إضافية تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، موضحاً أن مصادر حقوقية وثّقت أسماء عدد من الأطفال الذين لقوا حتفهم خلال اشتباكات مع قوات الأمن في مدن تشينارشاهيجان، قم، فرديس، طهران. وتشير هذه المصادر إلى أن من بين الضحايا قاصرين تتراوح أعمارهم بين 16 و17 عاماً، يُقال إنهم استُهدفوا مباشرة بالرصاص أثناء الأحداث.

بالإضافة إلى ذلك، تُظهر بيانات نشرتها وسائل إعلام مستقلة تعتمد على إحصاءات حقوق الإنسان أن ما لا يقل عن 118 طفلاً دون سن الثامنة عشرة قُتلوا في الاحتجاجات بحلول نهاية كانون الثاني/يناير 2026، ويستند هذا الرقم إلى بيانات مستقلة وقابلة للتحقق جمعتها شبكات ناشطي حقوق الإنسان، وتُشير هذه البيانات إلى أن العنف ضد الأطفال كان مُمنهجاً خلال الاحتجاجات، وليس مجرد حوادث عشوائية.

في القانون الدولي، يُعدّ الحق في الحياة والأمان الشخصي من أهم المبادئ الأساسية، لا سيما بالنسبة للأطفال، الذين تحميهم الصكوك الدولية بما فيها اتفاقية حقوق الطفل في جميع أنحاء العالم، وتنص هذه الاتفاقية التي التزمت بها أنظمة قانونية عديدة منها إيران أو تبنت مبادئ مماثلة في صكوكها المحلية على ضرورة حماية الأطفال من العنف والاستغلال والأذى، ولا يحق لأي قوة أمنية استخدام القوة غير الضرورية أو المميتة ضد الأبرياء خاصة الأطفال.

إن قتل مئات الأطفال خلال الاحتجاجات الإيرانية يتناقض بشكل واضح مع هذه المعايير العالمية، حيث أطلقت القوات الحكومية النار ليس فقط على الحشود المسلحة ولكن أيضاً على الحشود السلمية إلى حد كبير، بما في ذلك الأطفال وهو عمل أدانته منظمة العفو الدولية أيضاً.

يُعدّ استخدام الأسلحة النارية والبنادق ضدّ السكان العُزّل، ولا سيما الأطفال الذين كانوا في الشوارع أو ضحايا موجة من الاعتقالات التعسفية انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، ويمكن اعتباره جريمة ضدّ الإنسانية من الناحية القانونية يسمح القانون الدولي باستخدام القوة في ظروف محدودة للغاية ووفقاً لمعايير مُحدّدة، ومع ذلك فإنّ استخدام الذخيرة الحية وإطلاق النار المباشر على السكان العُزّل بمن فيهم الأطفال يتجاوز الحدود المقبولة تماماً، لا تقتصر هذه الأفعال على كونها مُخالفة للمعايير الدولية فحسب بل تُخالف أيضاً قواعد حقوق الإنسان والتزامات الدول بحماية الأطفال.

لا يمكن النظر إلى العنف الممارس ضد الأطفال خلال الاحتجاجات بمعزل عن البنية السياسية السائدة في إيران، تشير التقارير إلى أن الحكومة في مواجهة الاحتجاجات التي عمت البلاد لجأت إلى القمع الوحشي وعسكرة الأماكن العامة، بدلاً من تبني استراتيجية الحوار وإدارة الأزمات، في العديد من المدن ردت قوات الأمن بما فيها الحرس الثوري وقوات الشرطة، بالذخيرة الحية والمعدات الثقيلة، مما يدل على أن الأولوية القصوى هي الحفاظ على السلطة بالقوة بدلاً من الاستجابة لمطالب الشعب أو حماية أرواح المواطنين.

تُظهر الأدلة الميدانية الموثقة أن تعامل السلطات الإيرانية مع احتجاجات كانون الثاني/يناير 2026 لم يكن مجرد "اشتباكات" أو "إجراءات أمنية"، بل حملة قمع منسقة استخدمت فيها قوات الأمن والحرس الثوري الرصاص الحي والغازات وخراطيم المياه لقمع المتظاهرين في عدة مدن. هذا النمط من العنف يعكس إصرار النظام على حماية سلطته بالعنف، حتى لو كان الثمن مقتل مدنيين، بينهم أطفال.

استهداف الأطفال تحديداً يكشف انهيار منظومة الحماية المدنية وضعف مؤسسات المجتمع، إذ وجد كثير منهم أنفسهم وسط الاحتجاجات بسبب غياب المساحات الآمنة وغياب القنوات القانونية للتعبير. وعندما تُجبر العائلات على الاختيار بين الصمت أو المشاركة، فإنها غالباً تختار الاحتجاج رغم المخاطر، ما يعرّض الأطفال لبيئات شديدة الخطورة.

هذا العنف يترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة تمتد إلى ما بعد أسر الضحايا، ليصبح صدمة جماعية تُفاقم انعدام الثقة بالدولة وتزيد من تفكك المجتمع. وتشير الدراسات إلى أن مشاهدة العنف أو التعرض له في سن مبكرة قد يؤدي إلى اضطرابات طويلة الأمد مثل القلق والاكتئاب والمشاكل السلوكية.

من منظور العدالة السياسية، فإن قتل الأطفال يقوّض شرعية أي نظام، لأن الدولة التي تعجز عن حماية الفئات الأضعف تفقد أساسها الأخلاقي. كما أن هذه الانتهاكات لا تُعدّ شأناً داخلياً فحسب، بل تستوجب تحركاً دولياً واضحاً، إذ يُعد استهداف الأطفال جريمة ضد الإنسانية وفق المعايير الدولية.

ولا يمكن تجاهل دور بعض وسائل الإعلام المعارضة التي شجّعت على استمرار الاحتجاجات دون تقدير كافٍ للمخاطر، ما قد يكون ساهم في زيادة عدد الضحايا. فالمسؤولية الأخلاقية تشمل أيضاً تقييم أثر الخطاب الإعلامي والسياسي على سلامة المدنيين.

إن مقتل الأطفال في الاحتجاجات الإيرانية ليس مجرد رقم في تقرير، بل مؤشر على انهيار حماية حقوق الإنسان أمام منطق القمع السياسي. وإذا لم يتحرك المجتمع المدني والمنظمات الدولية بجدية، فإن تكرار مثل هذه المآسي سيظل احتمالاً قائماً، لأن الصمت أمام الجرائم المرتكبة ضد الأطفال يعني قبولاً ضمنياً بالعنف كأداة سياسية.