بين نيران الداخل والخارج... نساء شرق كردستان يواجهن الحرب بإرادتهن
أكدت نساء شمال كردستان على أن مواجهة الحرب والعنف تتطلب وحدة نسوية عابرة للحدود، وأن فلسفة "Jin Jiyan Azadî" باتت اليوم أكثر إلحاحاً كطريق لمقاومة القمع وصناعة مستقبل تُنيره النساء بأيديهن.
آرجين ديليك أونجل
آمد ـ شهدت منطقة الشرق الأوسط تصعيداً عسكرياً واسعاً عقب الهجوم الذي شنته إسرائيل والولايات المتحدة على إيران صباح 28 شباط/فبراير الفائت، وهو تطور دفع المنطقة إلى حافة مواجهة شاملة تهدد أمن واستقرار الإقليم بأكمله، خاصة بعد رد إيران على الهجمات بشكل مباشر.
ويرى مراقبون أن الحرب الدائرة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، باتت تشكل تهديداً واسعاً للمدنيين، وأن استمرار العمليات العسكرية قد يؤدي إلى انهيار الوضع الإنساني في عدة مناطق.
وفي ظل هذه التطورات، ناقشت "منصة اتحاد المرأة الكردية" خلال اجتماعها الذي عقد أمس الاثنين الثاني من آذار/مارس بمدينة آمد شمال كردستان، تحت شعار "نحو بناء الوحدة الوطنية عبر ريادة ووحدة المرأة الكردية"؛ أوضاع النساء في مختلف أجزاء كردستان، مع التركيز على تأثير الحرب في إيران وشرق كردستان.
وتناول الاجتماع ملفات متعددة، أبرزها السياسات العنيفة الموجهة ضد النساء، وسبل تعزيز شبكات النضال النسوي، وإمكانية بناء وحدة وطنية للنساء في الأجزاء الأربعة من كردستان.
وأكدت المشاركات أن النساء في إيران وشرق كردستان يواجهن تحديات مزدوجة، تتمثل في قمع النظام الإيراني من جهة، وتدخلات القوى الخارجية من جهة أخرى، مشددات على أن أي حل حقيقي يجب أن يستند إلى إرادة الشعوب وليس إلى التدخلات العسكرية.
وترى الناشطات أن تصاعد العنف في المنطقة يضاعف من المخاطر التي تتعرض لها النساء، سواء في الحياة اليومية أو في الفضاء السياسي والاجتماعي، وأن المرحلة تتطلب تعزيز التنظيم النسوي وتوسيع مساحات العمل المشترك.
"نحن ضد النظام وضد تدخل القوى الخارجية"
وشدّدت الناشطة في مجال حقوق المرأة بيرغول أولوغ على أن الهجمات الإسرائيلية ـ الأمريكية لا يمكن أن تشكّل حلاً للشعب الإيراني "عندما تعيشون في بلد لا يوجد فيه علم ولا حرية ولا قانون ولا عدالة، فلن تتمكنوا من النجاح، وهو ما يدفع أحياناً إلى التعلق بأي تدخل خارجي يبدو وكأنه بصيص أمل، إن الظروف القاسية قد تجعل المساعدة القادمة من الخارج تبدو كضوء في نهاية النفق، رغم أنها في الحقيقة تحمل أهدافاً أخرى لا تخدم مصالح الشعب".
وأوضحت أن إسرائيل والولايات المتحدة لا تنظران إلى مستقبل الشعوب بقدر ما تتحركان وفق حساباتهما السياسية، مؤكدة أن موقفها يقوم على رفض طرفَي المعادلة معاً؛ النظام الإيراني بما يمارسه من قمع وضغط وظلم، - والقوى الخارجية التي تتدخل تحت غطاء المساعدة بينما تسعى إلى تحقيق مصالحها الخاصة.
وأضافت "هذه القوى تتصرف وكأنها تمسك مصباحاً يضيء طريقنا، علينا أن نخلق النور بأنفسنا ونضيء طريقنا"، مشيرةً إلى أن النساء في إيران اليوم يحاولن بالفعل رسم طريقهن بجهودهن الذاتية، وقد أدركن من خلال التجارب المتراكمة أن أي دولة أو ثقافة خارجية لن تجلب لهن السلام أو الحرية، وأن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يأتي إلا من الداخل".
"علينا أن نبتعد عن السياسة الذكورية"
ولفتت بيرغول أولوغ إلى أن النساء يتفقن في العديد من القضايا، وعلى رأسها الحرب والعنف "النساء بطبيعتهن يمِلن إلى الحلول. يقتربن من المشكلات بعقلية إيجاد حل، بينما يميل الرجال أكثر إلى السلطة والتفكير القائم على القوة. لذلك نقاط التقاء النساء مع الرجال في السياسة قليلة جداً. اليوم يسود العالم نظام أبوي، والنساء لأسباب عديدة قد ينجرفن نحو هذا النظام القائم على القوة والسلطة. نحن كنساء مضطرات إلى فصل سياستنا عن سياستهم، لأن مقاربتنا بعيدة عن الحرب، ونعتقد أننا نستطيع حل المشكلات دون اللجوء إلى القتال".
"على النساء إنشاء مجالسهن الخاصة"
وشددت بيرغول أولوغ على أن قوة النساء تكمن في قدرتهن على التنظيم المشترك وبناء هياكلهن الخاصة، موضحة أن تأسيس سياسة نسوية مستقلة ومنظمات تقودها النساء سيتيح إيجاد حلول أكثر فعالية للمشكلات التي تواجههن.
وأشارت إلى أن النساء لا ينقسمن وفق العرق أو اللغة أو الدين أو المعتقد، لأن معاناتهن متشابهة في كل مكان، لافتةً إلى أنه خلال زياراتها إلى الخارج لاحظت أن النساء هناك أيضاً يعانين من الفقر والعنف والاعتداءات الجنسية، ما يجعل الحاجة إلى تنظيم نسوي مستقل أكثر إلحاحاً.
وترى أن الخطوة الأساسية تكمن في أن تؤسس النساء أحزابهن ومجالسهن الخاصة، بما يضمن لهن مساحة سياسية حقيقية.
"في الحروب تكون النساء أول المستهدفات"
وفي السياق نفسه، أكدت سونغول كوركماز من سكرتارية منصة اتحاد المرأة الكردية أن نساء شمال كردستان يقفن إلى جانب نساء روج آفا وشرق كردستان اللواتي يتعرضن لهجمات متواصلة، مشيرةً إلى أن التضامن النسوي العابر للحدود بات ضرورة في ظل تصاعد العنف، مؤكدة أن النساء في مختلف أجزاء كردستان يشتركن في المصير ذاته ويواجهن التحديات نفسها.
وأوضحت أن الشرق الأوسط بات يستيقظ كل يوم على حرب جديدة، حتى تحول إلى دائرة من النار "نساء شمال كردستان اجتمعن وطرحن سؤال "كيف نواجه الحرب؟"، ومن هذا السؤال انطلقن في مسار جديد من التنظيم والنضال. فالأحداث في روج آفا وشرق كردستان تكشف بوضوح أن النساء هن أول المستهدفات في أي حرب، إذ يستهدف وعي المرأة وإرادتها ووجودها، ويهاجم النظام الذي تبني من خلاله حياتها".
وأشارت إلى ما تتعرض له النساء سواء كنا مدنيات أو مقاتلات في روج آفا "بعض المقاتلات أُلقين من أماكن مرتفعة وقصت ضفائر شعرهن، في رسالة مفادها أن الهجوم يبدأ بالنساء أولاً"، لكنها تؤكد أن النساء لم يلتزمن الصمت، وأن قص ضفيرة امرأة واحدة يقابله صوت ملايين النساء اللواتي يثبتن أن إرادتهن ووعيهُن ما زالا حيّين.
وشددت على ضرورة أن تؤمن نساء شرق كردستان بقوتهن وأن يبنين تنظيماً يستند إلى هذه القوة لتوسيع دائرة النضال، مشيرةً إلى أن نساء شمال كردستان يقفن إلى جانب نساء شرق كردستان رغم الحدود التي تفصل بينهن "هذه الحدود لا تعني شيئاً أمام وحدة النضال. فمنذ مقتل جينا أميني اندلعت انتفاضة ما زالت مستمرة، ولترسيخ فلسفة "المرأة، الحياة، الحرية" وتوسيعها، ستبقى النساء دائماً في الميدان".
"كما توحّدنا من أجل روج آفا سنتحد من أجل شرق كردستان"
من جانبها قالت منسقة منصة اتحاد المرأة الكردية كُلبياز غونيش إن الهجمات الإسرائيلية على إيران تزامنت مع تصاعد الضربات التي يشنها النظام الإيراني ضد الكرد في شرق كردستان، مؤكدة أن ما يتعرض له الكرد هناك "ظلم لا يمكن قبوله".
وشددت على أن نساء شمال كردستان يقفن إلى جانب نضال نساء شرق كردستان من أجل الحرية، مضيفة "إن منع تكرار المآسي يتطلب تنظيماً واسعاً للنساء في كل مكان ومجال، مستندات إلى فلسفة تمنحهن القوة وتتيح لهن تحقيق الحرية في الأجزاء الأربعة من كردستان"، مشيرة إلى أن النموذج الذي قدمه القائد عبد الله أوجلان للمرأة يشكّل مصدر إلهام لتعزيز هذا التنظيم وتوسيعه.
وأكدت أن وحدة الكرد التي ظهرت في مواجهة الهجمات على روج آفا ستتكرر أيضاً دعماً لشرق كردستان، موضحة أن النساء سيواصلن تنظيم أنفسهن بإمكاناتهن الذاتية، ومن دون أي دعم خارجي، تحت شعارjin" jiyan azadî".