"أشبال الخلافة"... أطفال الحرب المنسيون
.
مقال بقلم الإعلامية سوسن أمين خلف دبلوماسية في مؤتمر ستار
لم يكن تنظيم الدولة الإسلامية مجرّد كيان عسكري أو جماعة متطرفة عابرة، بل مشروعاً أيديولوجياً استُثمر فيه الإنسان قبل السلاح والطفل قبل المقاتل، فمنذ لحظة تمدّده الواسع في سوريا والعراق أدرك التنظيم أن استمراريته لا تقوم فقط على السيطرة الجغرافية بل على إعادة إنتاج ذاته عبر الأجيال فكانت الطفولة إحدى أخطر ساحات الاشتباك غير المعلنة التي صبّ كامل تركيزه عليها، ولا سيما بعد انهيار ما سُمّي "الخلافة".
فجغرافياً في آذار/مارس 2019 وعقب معركة الباغوز وُضعت مناطق شمال وشرق سوريا أمام واقع غير مسبوق تمثّل بوجود عشرات الآلاف من النساء والأطفال المرتبطين بالتنظيم، بينهم آلاف الأطفال الذين وُلدوا داخل مناطق داعش أو نشؤا في ظل عقيدته وخضعوا لبرامج تلقين منظّمة عُرفت باسم "أشبال الخلافة".
لم يكن السؤال المطروح في تلك المرحلة أمنياً فحسب، بل أخلاقياً وقانونياً وإنسانياً في آنٍ واحد: من هم هؤلاء الأطفال؟ هل هم ضحايا أم قنابل موقوتة؟ وأين تبدأ مسؤولية الإدارة المحلية، وأين تنتهي مسؤولية المجتمع الدولي الذي شارك في الحرب على التنظيم ثم انسحب من تبعاتها؟
إن مصطلح "أشبال الخلافة" يشير إلى الأطفال الذين استهدفهم داعش ضمن برامج منظّمة للتنشئة الأيديولوجية والعسكرية هؤلاء الأطفال لم يكونوا فئة واحدة بل خليطاً ممن وُلدوا داخل مناطق سيطرة التنظيم، وآخرين جرى خطفهم أو استقطابهم من المدن والمناطق التي سيطر عليها التنظيم بعد هجماته، إضافة إلى قاصرين دُفعوا قسراً إلى معسكرات تدريب.
كما وثّقت تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، وفي مقدمتها اليونيسف وهيومن رايتس ووتش منذ عام 2016 إنشاء داعش لمعسكرات خاصة بالأطفال يتلقون فيها تدريبات على استخدام السلاح، إلى جانب تلقين ديني مؤدلج، ومشاهدة مشاهد عنف وإعدامات بوصفها جزءاً من عملية "التطبيع مع الدم"، لم يكن الهدف منها إعداد مقاتلين صغار فقط، بل كسر الحاجز النفسي بين الطفولة والعنف وتحويل الطفل إلى أداة طيّعة وفاعلة، وهو ما يجعل توصيفهم القانوني والإنساني بالغ التعقيد إذ يجتمع فيهم عنصر الضحية مع خطر محتمل إذا تُركوا دون تدخل.
بعد تحرير الباغوز نقلت عوائل داعش إلى مخيمات أبرزها الهول وروج، هذه المخيمات التي لم تُنشأ كعقوبة ولا كمراكز اعتقال بالمعنى القانوني، بل كإجراء اضطراري فرضه غياب أي خطة دولية لاستيعاب هذا العدد الهائل من البشر، فمخيم الهول، الذي أُنشئ أساساً في عام 2019 كأكبر تجمع لعائلات داعش في العالم، ووفق تقارير هيومن رايتس ووتش حتى عام 2022، بلغ عدد قاطنيه نحو 56 ألف شخص، فيما تشير البيانات الميدانية إلى أن أكثر من 60% من سكان مخيمي الهول وروج هم من الأطفال، معظمهم دون سن الثانية عشرة، ونحو ثلثهم دون سن الخامسة، ما يؤكد أننا أمام أزمة طفولة جماعية لا مجرد ملف أمني.
فالأطفال في هذين المخيمين لم يخضعوا لمحاكمات جنائية ولم يكونوا يقيمون في سجون تقليدية، بل يعيشون في مخيمات مغلقة أو شبه مغلقة نتيجة الخطر الأمني وغياب البدائل الكافية لاحتوائهم، أما فصل بعض القاصرين عن أمهاتهم، فقد جرى في حالات محددة تتعلق بتورط الأمهات في تطرف عنيف أو استخدام الأطفال في أنشطة داخل المخيم، وهي إجراءات وثّقتها تقارير هيومن رايتس ووتش واليونيسف، مع تأكيد واضح على ضرورة توسيع برامج التأهيل بدل الاكتفاء بالعزل.
فرغم هزيمة داعش عسكرياً إلا أن فكره لم يختفي داخل المخيمات، وبحسب تقارير صادرة عن هيومن رايتس ووتش والمركز الدولي لدراسة التطرف، تم التأكيد على استمرار شبكات نسائية تابعة للتنظيم داخل مخيم الهول، كانت تفرض ما يشبه "شرطة أخلاقية" وتعمل على إخضاع الأطفال والمراهقين لخطاب ديني متطرف.
كما وردت في تحقيقات صحفية وتقارير أمنية شهادات عن علاقات جنسية قسرية أو مغطّاة بذرائع دينية بين نساء داعشيات ومراهقين، تحت شعار "استمرار النسل الجهادي"، وهو ما يشير إلى خطر حقيقي يتمثل في إعادة إنتاج التطرف داخل بيئة مغلقة وفقيرة نفسياً واجتماعياً.
كما لا يمكن فصل حادثة اغتصاب امرأة مسنّة على يد ثلاثة قاصرين في مدينة الرقة العام الماضي مقابل سرقة جرة غاز عن هذا السياق العام، فالحادثة التي تناولتها وسائل إعلام محلية باعتبارها جريمة صادمة، عُدّت من قبل مختصين مرآة لفشل جماعي إذ إن هؤلاء القاصرين لم يولدوا مجرمين، بل نشأوا في بيئة حرمتهم من الطفولة وطبّعت العنف وكسرت الحدود الأخلاقية في وعيهم، ثم تُركوا في فراغ نفسي واجتماعي قاتل.
السؤال هنا ليس تبرير الجريمة، بل فهم مسارها: كيف يتحول طفل إلى معتدٍ، وأين كان العالم حين كان هؤلاء الأطفال يُعاد تشكيل وعيهم؟
ضمن هذا المشهد المعقّد، يبرز سجن الأقطان في مدينة الرقة كنموذج مكثّف لإدارة ملف الأطفال المرتبطين بتنظيم داعش في شمال وشرق سوريا، فقد خضع السجن لسنوات لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية واستخدم كمرفق احتجاز لعناصر التنظيم، إضافة إلى قاصرين وُجّهت لبعضهم تهم تتعلق بالانتماء أو الارتباط بداعش، في ظل غياب مسار قضائي واضح أو توصيف قانوني جامع لوضعهم، وهو ما تناولته تقارير الجزيرة نت ووكالة هاوار ويورونيوز عربي ضمن ملفاتها عن سجون التنظيم وأقسام الأحداث.
عاد سجن الأقطان إلى واجهة المشهد الإعلامي أواخر كانون الثاني/يناير 2026 مع تسليم إدارته إلى الحكومة السورية المؤقتة، وما تبع ذلك من إطلاق سراح 126 قاصراً بعد مراجعة ملفاتهم وفق ما أعلنته وزارة الداخلية السورية، حيث أعادت مشاهد خروج الأطفال فتح النقاش حول شرعية احتجاز القاصرين في منشآت أمنية، خاصة مع شهادات بعد الإفراج تحدثت عن سوء معاملة وظروف احتجاز قاسية وغياب برامج دعم نفسي وتأهيل اجتماعي، كما ورد في تقارير إنسانية نُشرت في وسائل إعلام عربية ومحلية.
وفي ردّها على الانتقادات أوضحت إدارة السجون التابعة للإدارة الذاتية أن عدداً من القاصرين لم يُحتجزوا اعتباطياً، بل على خلفية شكاوى رسمية تتعلق باستغلالهم من قبل داعش في أنشطة خطيرة داخل الرقة، شملت التجنيد القسري والاستغلال الجنسي والتورط في ترويج المخدرات، والمشاركة في إعادة تشكيل خلايا نائمة، وفق تصريحات رسمية تداولتها وسائل إعلام عربية. وأكدت الإدارة أن نقل هؤلاء القاصرين جاء لدواعٍ أمنية وتنظيمية في ظل خطورة تركهم داخل بيئات مفتوحة دون رقابة أو احتواء، مع الإشارة إلى تقديم برامج تأهيل داخل أقسام مخصصة للأحداث.
كما أن توظيف قضية الأطفال المرتبطين بداعش كسلاح سياسي ضد الإدارة الذاتية لا ينفصل عن حساسيتها الأخلاقية، بما يتيح تشويه تجربة سياسية كاملة عبر ملف إنساني معقّد، دون تقديم بدائل عملية أو مساءلة الدول التي ترفض استعادة مواطنيها أو تمويل برامج تأهيلهم.
فالعالم الذي يحمّل الإدارة المحلية مسؤولية انتهاك حقوق الأطفال، هو ذاته الذي يتركهم في المخيمات ويرفض تحمّل نصيبه من المسؤولية القانونية والإنسانية، والأطفال أو أشبال داعش ليسوا عبئاً محلياً على شمال وشرق سوريا، بل نتاج فشل دولي مركّب، وحرب على الإرهاب خيضت على الأرض ثم تُركت نتائجها لمن بقي.
هؤلاء الأطفال إما أن يُعاملوا كضحايا نزاع يُعاد إليهم الحق في الطفولة والشفاء وإعادة الإدماج، أو يُتركوا ليكونوا وقود جولة عنف جديدة.
وبين هذين الخيارين، لا توجد منطقة رمادية أخلاقياً، إذ إن الصمت الدولي لا يمكن اعتباره حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في إعادة إنتاج المأساة.