التمكين الحقيقي يبدأ من الميدان... المرأة الفلسطينية تقود مشروع نوعي

في مشهد يعكس صمود النساء الفلسطينيات في وجه الحروب والأزمات، اختتم مركز شؤون المرأة مشروعه الريادي لتعزيز دور المرأة في النزاعات بعد عامين من العمل، مؤكداً على أن التمكين الحقيقي يبدأ من الميدان وينتهي بصنع القرار.

نغم كراجة

غزة ـ خرج المؤتمر الذي نظّمه مركز شؤون المرأة في قطاع غزة بعدة توصيات من أبرزها، ضرورة دمج مخرجات المشروع في خطط ومشاريع المؤسسات ذات العلاقة مع التأكيد على أن تمكين المرأة في مناطق النزاع لا يجب أن يكون خياراً بل أولوية قصوى لتحقيق الاستقرار والسلام.

نظّم مركز شؤون المرأة في قطاع غزة أمس الجمعة الرابع من نيسان/أبريل، مؤتمراً رقمياً ختامياً لمشروعه الريادي "تعزيز دور المرأة الفلسطينية في الحروب والصراعات"، الذي استمر تنفيذه خلال العامين الماضيين بدعم من صندوق المرأة للسلام والأمن (WPHF).

وعُقد المؤتمر عبر تقنية الزووم بمشاركة واسعة ضمّت ممثلين عن المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، والقيادات النسائية الشابة، وناشطين في مجال حقوق الإنسان والعمل المجتمعي.

ويهدف المشروع النوعي إلى توسيع نطاق مشاركة النساء في صنع القرار المتعلق بمنع النزاعات، وتعزيز حضورهن في مسارات الحماية والاستجابة الإنسانية، لا سيما في ظل التحديات التي تواجهها النساء في قطاع غزة نتيجة الحرب المستمرة منذ أكثر من عام ونصف، حيث تسعى المبادرة إلى تقديم دعم عملي واستراتيجي لتمكين النساء من أن تكنّ شريكات فاعلات في بناء السلام، بدلاً من أن تكنّ مجرد ضحايا للحرب والدمار.

وقالت منسقة المشروع في مركز شؤون المرأة خلال ريم البحيصي "إن هذا المشروع لم يكن فقط مساحة للتدريب والتمكين بل كان بمثابة منصة لإعلاء صوت النساء، وتعزيز مشاركتهن في بيئة مشحونة بالتحديات والمعاناة، ونطمح من خلال هذه الجهود أن تُمثل النساء عنصراً محورياً في جهود الإغاثة، وفي رسم السياسات التي تضمن مستقبلاً أكثر استقراراً وعدالة لمجتمعنا الفلسطيني".

وأشارت إلى أن المشروع ارتكز على مجموعة من الأنشطة المدروسة التي هدفت إلى رفع الوعي بقضايا الجندر والعنف المبني على النوع الاجتماعي، مع التركيز على القرار الأممي 1325، الذي ينص على ضرورة حماية النساء خلال النزاعات المسلحة، وضمان مشاركتهن في عمليات حفظ السلم والأمن.

 

تدريبات وتوعية ولقاءات حوارية

وشهد المشروع تنفيذ سلسلة متكاملة من التدريبات والورشات واللقاءات المجتمعية التي استهدفت ما يقارب خمسين شخصاً من الفئة الشابة ومن القيادات المجتمعية الواعدة حيث خضعوا لبرامج تدريبية مكثفة مكّنتهم من اكتساب مهارات في تنظيم اللقاءات التوعوية، وإدارة الجلسات الحوارية، وقيادة الحوارات المجتمعية، بما في ذلك "اللقاءات الحكواتية"، وهي صيغة تفاعلية مبتكرة لاستحضار القصص الشخصية وتجارب النساء في ظل الأزمات.

وقالت الناشطة دعاء النجار "شكلت مشاركتي في هذا المشروع تحولاً كبيراً في وعيي تجاه مفاهيم العنف القائم على النوع الاجتماعي، لم نعد فقط نتحدث عن العنف كشكل من أشكال الاضطهاد بل بدأنا نعمل على تفكيك جذوره المجتمعية والثقافية، والبحث في آليات التصدي له على المستويين الفردي والجماعي، إن تمكيني من الوقوف أمام مجموعة من النساء النازحات للحديث عن حقوقهن، لم يكن ليحدث لولا ما اكتسبته من معرفة وثقة خلال المشروع".

 

تفعيل القرار 1325على أرض الواقع

وركز المشروع بشكل خاص على القرار 1325 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي يعد من أبرز الأدوات الدولية التي تدعم قضايا النساء في مناطق النزاع، وقد عملت المشاركات على تطبيق مبادئ هذا القرار من خلال جلسات حوارية مكثفة، ناقشن فيها سبل حماية النساء، وآليات إدماجهن في عمليات الإغاثة، بالإضافة إلى تقييم أثر الحرب على احتياجات النساء والفتيات في المجتمع الفلسطيني.

وفي مداخلة لها خلال المؤتمر، قالت الناشطة آلاء شحادة إحدى خريجات البرنامج التدريبي "نسمع دائماً عن القرار 1325 لكنه كان مجرد وثيقة بعيدة عن الواقع، خلال مشاركتي في هذا المشروع فهمت للمرة الأولى كيف يمكن تحويل النصوص القانونية الدولية إلى أدوات عملية نستند إليها في عملنا الميداني، اليوم ونحن نعيش واحدة من أكثر الفترات دموية في غزة، بات من الضروري أن تُتاح للنساء فرصة حقيقية للمشاركة في لجان الإغاثة وصنع القرار لأنهن الأكثر قدرة على التعبير عن احتياجات النساء الأخريات، والأكثر التزاماً بتحقيق العدالة".

 

مبادرات إلكترونية ومنتديات رقمية

وضمن الأنشطة النوعية التي تضمنها المشروع، تم إطلاق منتدى إلكتروني حمل عنوان "غزة الأمل" وُضع ليكون مساحة تفاعلية رقمية للقيادات الشابة بهدف تبادل الخبرات والممارسات الفضلى، وتعزيز الوعي بالقضايا الحقوقية والنسوية، كما نُفذت حملة مناصرة رقمية على وسائل التواصل الاجتماعي، هدفت إلى تسليط الضوء على قصص نساء غزة في زمن الحرب، والترويج لمفاهيم الحماية والمشاركة السياسية.

 

لجنة توجيهية وقيادة جماعية

وشكّل المشروع لجنة توجيهية من ذوات الخبرة في مجالات حقوق الإنسان، والتنمية، والعمل النسوي كانت مهمتها الإشراف على تنفيذ الأنشطة وتقديم التوجيه الاستراتيجي لفريق العمل، وقد أشادت اللجنة خلال مداخلاتها في المؤتمر بالدور القيادي الذي لعبته الشابات المشاركات، مؤكدةً أن الاستثمار في الطاقات النسائية الشابة هو حجر الزاوية لأي تحول مجتمعي مستدام.

وفي هذا السياق، علّقت عضو اللجنة التوجيهية منى سليم  قائلة "إن المرأة الفلسطينية، ورغم كل ما تواجهه من أهوال الحرب وفقدان الأمن والتهجير لا تزال تملك من القوة والعزيمة ما يؤهلها لقيادة المشهد المجتمعي، رأينا في هذا المشروع كيف يمكن أن تُترجم الكلمات إلى أفعال، وأن تُصنع القيادة في أزمنة الظلام".

 

استعراض إنجازات المشروع

وتخلل المؤتمر عرض فيديو قصير لخص أبرز إنجازات المشروع، بدءاً من التدريبات النوعية، مروراً باللقاءات الحوارية، ووصولاً إلى الأيام الدراسية والندوات المتخصصة التي ناقشت سبل حماية المرأة، ووسّعت دائرة النقاش المجتمعي حول التحديات التي تواجهها النساء في زمن الحرب.

وأشاد الحضور بالفيديو الذي عكس حجم الجهد المبذول خلال المشروع، وبين أثره الملموس في تمكين النساء وتعزيز حضورهن المجتمعي خاصة في ظل الأوضاع الإنسانية القاسية التي يعيشها قطاع غزة.

 

توصيات المؤتمر

وفي ختام المؤتمر أجمعت المشاركات على أهمية استدامة هذه المبادرات، وضرورة دمج مخرجات المشروع في خطط ومشاريع المؤسسات ذات العلاقة مع التأكيد على أن تمكين المرأة في مناطق النزاع لا يجب أن يكون خياراً بل أولوية قصوى لتحقيق الاستقرار والسلام.

كما دعا المؤتمر إلى تبني سياسات أكثر شمولية تراعي الفئات الأكثر تهميشاً مثل النساء ذوات الإعاقة، والنازحات، وربات الأسر، في خطط الاستجابة الإنسانية، وتطوير برامج بناء قدرات مستدامة تضمن إدماج النساء في مواقع التأثير وصنع القرار على مختلف المستويات.

وبينما طويت صفحة هذا المشروع بنتائج إيجابية، أكد مركز شؤون المرأة عزمه على مواصلة العمل والمناصرة من أجل حقوق النساء الفلسطينيات، وتوسيع دائرة المشاركة السياسية والمجتمعية لهن، مهما كانت التحديات.