مضيق هرمز "معقل القوة" في السياسة العالمية

مع تصاعد التوتر العسكري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، تتجه أنظار الأسواق العالمية مرة أخرى نحو مضيق هرمز؛ وهو ممر يمر عبره جزء كبير من نفط العالم، مما يحول أي تهديد أو اضطراب له إلى أزمة عالمية في سوق الطاقة.

برشنك دولتياري

مركز الأخبار ـ إنّ الحرب الدائرة حالياً بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى أزمة جيوسياسية في سوق الطاقة والاقتصاد العالمي.

في اليوم العاشر من التصعيد العسكري، شهدت الأسواق المالية العالمية اضطراباً حاداً؛ إذ قفزت أسعار النفط بأكثر من 25% لتقترب من 120 دولاراً للبرميل، بينما هبطت أسواق الأسهم الأوروبية إلى أدنى مستوياتها منذ أشهر. وقد أدى اضطراب مسارات نقل الطاقة، ولا سيما القلق بشأن أمن مرور النفط عبر مضيق هرمز، إلى تعزيز مخاوف حدوث صدمة في الإمدادات العالمية، في الوقت الذي ارتفعت فيه عوائد السندات في أوروبا وبريطانيا، وهو ما يعكس عودة المخاوف التضخمية في اقتصادات الغرب.

وفي ظل هذه الظروف، كان مجرد احتمال تقييد حركة نقل الطاقة في الخليج كافياً لدفع المستثمرين نحو الأصول الآمنة، ووضع الأسواق العالمية على أعتاب أزمة طاقة جديدة.

في التحليل الكلاسيكي لبنية القوة في النظام الدولي، تعد الدول والجيوش والقدرات الاقتصادية عادةً أهم مصادر القوة. ومع ذلك، تظهر التجربتان التاريخيتان في القرنين العشرين والحادي والعشرين أن هناك إلى جانب هذه العوامل نوعاً آخر من القوة البنيوية، يتمثل في السيطرة على الممرات الحيوية للاقتصاد العالمي.

يعد مضيق هرمز أحد أبرز الأمثلة على هذه الظاهرة؛ فهذا الممر البحري الضيق ليس فقط طريق عبور جزء ضخم من طاقة العالم، بل هو نقطة تتقاطع فيها الجغرافيا والاقتصاد والسياسة العالمية بشكل مكثف.

ومن هذا المنظور، يمكن الحديث عن إطار نظري في العلاقات الدولية يمكن تسميته بـ "نظرية ممرات القوة". ووفقاً لهذا التصور، فإن العالم الذي تتركز فيه سلاسل الطاقة والتجارة في مسارات جغرافية محدودة، يجعل من السيطرة على هذه النقاط أو حتى التهديد بعرقلة عملها شكلاً من أشكال القوة الجيوسياسية؛ قوة قد تتجاوز أحياناً تأثير القوة العسكرية المباشرة.

في منطق هذه النظرية، لا تتجسد القوة فقط في نطاق الدول أو قدراتها العسكرية، بل تتراكم أيضاً في العقد الجغرافية للاقتصاد العالمي. ويعد مضيق هرمز مثالاً كلاسيكياً على مثل هذه العقد؛ فهو ممر ضيق يمر عبره جزء كبير من النفط والغاز في العالم، وقد أدى هذا التركز غير المسبوق لتدفقات الطاقة إلى جعل استقرار الاقتصاد العالمي مرتبطاً بدرجة كبيرة بأمن هذا الممر.

في مثل هذا الهيكل، يمكن حتى لاضطراب محدود أن يخلق سلسلة من التداعيات الاقتصادية على نطاق عالمي، لأن نظام الطاقة العالمي منظّم بطريقة تجعل المسارات البديلة محدودة ومكلفة. ومن ثم، فإن أهمية مضيق هرمز لا ترتبط فقط بموقعه الجغرافي، بل بدوره في هندسة الاعتماد العالمي على الطاقة.

ولا شك أن الأهمية الجيوسياسية لمضيق هرمز هي نتاج مسار تاريخي طويل، فمع تشكل الاقتصاد النفطي في الشرق الأوسط، وتطوير الحقول النفطية الضخمة في إيران والعراق والكويت والسعودية، أصبح الخليج أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم.

وبعد الحرب العالمية الثانية ومع النمو السريع لاقتصادات الدول الصناعية، ازدادت تبعية الدول الغربية لنفط الشرق الأوسط بشكل كبير، وفي تلك المرحلة، كانت ناقلات النفط المنطلقة من موانئ الخليج مضطرة لعبور مضيق هرمز للوصول إلى الأسواق العالمية.

وهكذا تحول مسار جغرافي بسيط تدريجياً إلى شريان حيوي للاقتصاد العالمي، ويمكن اعتبار هذه اللحظة التاريخية النقطة التي تحّلت فيها الجغرافيا إلى رأس مال جيوسياسي؛ فمع تشكل هذا الشريان الحيوي، أصبحت مسألة تأمينه إحدى أبرز هواجس القوى العالمية، وقد ظهر أول اختبار جدي لهذه المسألة في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب بين إيران والعراق.

ففي ذلك الوقت، أدت الهجمات المتبادلة على ناقلات النفط التي عُرفت لاحقاً باسم "حرب الناقلات" إلى تهديد أمن طرق الطاقة، وقد استهدفت مئات السفن التجارية، مما وضع تدفق الطاقة العالمية في دائرة الخطر.

جاء رد القوى الغربية على هذه الأزمة عبر التدخل المباشر لحماية طرق الملاحة البحرية، وقد أظهر هذا التدخل أن أمن الطاقة بالنسبة للقوى الكبرى ليس مجرد قضية اقتصادية، بل جزء أساسي من بنية الأمن العالمي.

وبعد انتهاء الحرب، ترسخ الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، وأصبح تمركز الأسطول الخامس في البحرين أحد الركائز الأساسية في استراتيجية واشنطن لضمان التدفق الحر للطاقة. وهكذا تحول مضيق هرمز تدريجياً إلى واحدة من أكثر النقاط عسكرةً في العالم؛ حيث تتحرك السفن الحربية وناقلات النفط ومعادلات القوة العالمية في نطاق جغرافي ضيق للغاية.

وفي هذا السياق، سعت إيران بدورها إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى أداة ردع، فمع تصاعد العقوبات الاقتصادية، أعلنت طهران مراراً أنها قادرة على تعطيل مرور السفن في مضيق هرمز إذا منعت من تصدير نفطها، ويأتي هذا التهديد ضمن العقيدة الأمنية الإيرانية بوصفه جزءاً من استراتيجية الردع غير المتكافئ. ولهذا السبب، أصبح مضيق هرمز في الحسابات الجيوسياسية الإقليمية أكثر من مجرد ممر ملاحي؛ إنه أداة للمساومة الجيوسياسية.

 

الحرب والصدمات المتسلسلة في الاقتصاد العالمي

مع دخول الحرب المباشرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أسبوعها الثاني، تواجه الأسواق العالمية للطاقة والمال اضطراباً شديداً. ففي اليوم العاشر من الحرب، ارتفع سعر النفط بأكثر من 25%، ووصل خام برنت العالمي في لحظة ما إلى نحو 119.50 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ منتصف عام 2022.

وفي الوقت نفسه، تعرضت الأسواق المالية الأوروبية لضغوط كبيرة، إذ تراجع مؤشر STOXX Europe 600 الشامل لليوم الثالث على التوالي، ليصل إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من شهرين.

وسجلت البنوك وشركات التكنولوجيا أكبر الخسائر، بينما شهد قطاع الطيران هبوطاً حاداً في أسهم شركات مثل Lufthansa وAir France–KLM بسبب ارتفاع تكاليف الوقود وتصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي.

ولا يقتصر ارتفاع أسعار النفط على كونه تحولاً في سوق الطاقة، بل يمكن أن ينتقل سريعاً إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد العالمي؛ فارتفاع أسعار الطاقة يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل، وارتفاع كلفة الإنتاج الصناعي، وارتفاع أسعار المواد الغذائية. ونتيجة لذلك، تواجه العديد من اقتصادات العالم خطر عودة التضخم. وفي هذا السياق، أشارت تقارير إلى أن وزراء مالية دول مجموعة السبع يدرسون إمكانية الإفراج عن جزء من الاحتياطيات الاستراتيجية للنفط لتهدئة الأسواق.

كما أن ارتفاع تكاليف التأمين البحري، واضطراب سلاسل النقل، وزيادة أسعار الوقود قد يؤثر على طيف واسع من الصناعات من الطيران إلى الزراعة وصناعة السيارات. وقد حذر مسؤولو قطاع الطاقة مراراً من هذه المخاطر، ومن بينهم الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية، الذي أكد أن استمرار الاضطراب في الملاحة داخل هذا الممر البحري قد تكون له عواقب كارثية على أسواق النفط العالمية.

وتُظهر هذه التحذيرات أن أزمة في ممر بحري ضيق يمكن أن تتحول إلى خلل منهجي في الاقتصاد العالمي. وبعبارة أخرى، فإن ما يجعل مضيق هرمز قضية عالمية ليس فقط حجم الطاقة التي تمر عبره، بل التركز غير المسبوق للقوة الجيوسياسية في نقطة جغرافية واحدة.

وفي إطار "نظرية ممرات القوة"، تتحول مثل هذه النقاط إلى مراكز تتقاطع فيها الاقتصاد والسياسة والأمن العالمي. ومن هذا المنظور، يمثل مضيق هرمز نموذجاً لعالم لا تزال فيه الجغرافيا قادرة على تحديد مصير الاقتصاد والسياسة. وفي عالم ما يزال يعتمد على الوقود الأحفوري، يمكن أن يكون التحكم في ممرات الطاقة مؤثراً في موازين القوى بقدر تأثير الجيوش.

ولهذا السبب، فإن مستقبل هذا الممر البحري ليس مجرد قضية إقليمية، بل جزء من معادلة أوسع تتعلق بالنظام العالمي؛ نظام لا تزال فيه الطاقة واحدة من أهم أدوات القوة والضغط السياسي.