القمع في الاحتجاجات الشعبية الإيرانية بين روايات الدولة وحقائق الميدان

في ظل استمرار التوتر الداخلي وتزايد الضغوط الخارجية، يسود ترقب حذر بشأن مسار الاحتجاجات الشعبية المستمرة منذ عشرين يوماً في إيران وسط تصاعد غير مسبوق في مستوى القمع الحكومي.

مركز الأخبار ـ دخلت الاحتجاجات الشعبية في إيران، المستمرة في أسبوعها الثالث، مرحلة أكثر عنفاً، وسط تصاعد القمع الأمني وانقطاع الإنترنت على مستوى البلاد.

في اليوم العشرين من الاحتجاجات الشعبية التي تعم مختلف أنحاء إيران، التي اعتبرتها منظمات حقوقية واحدة من أعنف موجات الاضطرابات التي تشهدها البلاد منذ عقود؛ بلغ فيها القمع الحكومي مستويات غير مسبوقة.

وفي الوقت الذي لم تصدر فيه السلطات الإيرانية أي بيان رسمي يوضح حصيلة القتلى أو الجرحى، تستمر المداهمات المفاجئة لمنازل وأحياء وأماكن عمل المتظاهرين. 

وفي مشهد يعكس حجم الكارثة الإنسانية، بدأت مشرحة بهشت زهراء في طهران عملية التعرف على جثث الضحايا المجهولين باستخدام أجهزة بيومترية، بينما تقف عائلات مفجوعة في طوابير طويلة أمام الشاشات بانتظار التعرف على أحبائها، هذه الصورة القاتمة تكشف عن التكلفة الاجتماعية الباهظة للقمع الذي يمارسه النظام الإيراني في محاولة للحفاظ على بقائه. 

 

إطلاق نار مباشر

وفي تصعيد جديد للقمع الدموي في شرق كردستان، أفادت شبكة حقوق الإنسان في كردستان، بمقتل 45 مواطناً كردياً خلال احتجاجات شعبية امتدت إلى محافظات إيلام وطهران وألبرز ومركزي وكرماشان وأصفهان ومناطق أخرى، شملت الضحايا نساءً وأطفالاً، إضافة إلى مواطنين من ييرسان ومهاباد وبوكان، بينهم جلاله محمودي آذر وزهرة مرادي اللتان قُتلتا برصاص حي وطلقات خرطوش. 

وأكدت تقارير حقوقية أن السلطات الإيرانية، عبر قوات الأمن والحرس الثوري، لجأت إلى إطلاق النار المباشر والاعتقالات الجماعية، وفرضت غرامات باهظة على العائلات مقابل تسليم جثامين الضحايا، وغالباً ما تُقام الجنازات تحت حراسة مشددة وسط تهديدات للأهالي بالصمت أو قبول روايات رسمية محرفة، وليس ذلك فحسي، فقد داهمت قوات وزارة المخابرات مستشفى ميلاد في أصفهان واختطفت أطباء كانوا يقدمون العلاج للجرحى، ما عرض حياتهم للخطر.

وفي الوقت نفسه، قُتلت عدة متظاهرات من بينهم نازلي جانباروور (27 عاماً) في بجنورد، ونيجين غادمي في شاهسوار، ونسيم بوآغاي في طهران، وموبينا بهشتي (21 عاماً) في جرجان، برصاص قوات الأمن، لتصبحن رموزاً لجيل شاب يطالب بالحرية والمساواة.

وطالت القيود الصارمة خدمات الاتصالات والإنترنت ما جعل من المستحيل تحديد العدد الحقيقي للضحايا، لكن الأدلة المتاحة تشير إلى استمرار عمليات قتل منظمة تستهدف أهالي شرق كردستان. 

في المقابل، وصفت السلطات ما يجري بأنه امتداد لـ "الحرب السياسية والأمنية التي استمرت 12 يوماً"، فيما برزت الاشتباكات وأعمال العنف بشكل أوضح بعد اليوم العاشر من اندلاع الاحتجاجات، وتعمل مؤسسات الإذاعة والأجهزة الأمنية التابعة للجمهورية الإسلامية على بث روايات تضفي الشرعية على القمع والعنف، وتنكر مسؤولية الدولة عن سقوط آلاف الضحايا، حيث يواصل الإعلام الحكومي تصوير الاحتجاجات على أنها "حرب إرهابية"، والمتظاهرين على أنهم "مثيرو شغب"، في محاولة واضحة للتنصل من المسؤولية عن القتل المنهجي. 

 

نداء نسائي

وأصدرت أكثر من 500 ناشطة نسوية إيرانية في الشتات بياناً، حذرن فيه من "القتل الجماعي والقمع" الذي يتعرض له المتظاهرون، ودعين المجتمع المدني والنسويات حول العالم إلى إظهار تضامن فعلي وعملي مع الشعب الإيراني. 

وأكد البيان أن الاحتجاجات الحالية تمثل امتداداً لانتفاضة "العدل، الحرية، الاستقلال" ومطالب تراكمت عبر السنوات الماضية، وشددت الموقعات على أن مستقبل إيران يجب أن يكون حراً، ديمقراطياً، علمانياً، ومحايداً جنسياً، رافضات فرض سردية واحدة على المجتمع، ومطالبات بممارسة ضغط سياسي وحقوقي فوري لإنهاء القمع ورفع القيود المفروضة على الاتصالات. 

وحذرت الموقعات من تجاهل أصوات المتظاهرين، مؤكدات أن تمثيل التنوع الاجتماعي والسياسي والجنساني جزء أساسي من النضال من أجل الحرية والعدالة، وأن انتفاضة "Jin Jiyan Azadî" لا تزال قائمة، وأنهن يسعين إلى مستقبل شامل وخالٍ من التمييز بين الجنسين.

 

تحذيرات دولية

وفي جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي عُقدت أمس الخميس 15 كانون الثاني/يناير، لوح أعضاء المجلس بفرض مزيد من العقوبات على طهران بسبب حجم القمع وقسوته، وجددوا الدعوة للإفراج الفوري عن جميع المعتقلين تعسفياً وتعليق عقوبة الإعدام، وأشاد المجتمعون بشجاعة الشعب الإيراني لا سيما النساء، مطالبين السلطات الإيرانية بتغيير مسارها بشكل عاجل واحترام الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحق في الاحتجاج دون خوف من العنف أو القمع. 

وتعتبر الدعوات لإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية وإنهاء الحصانة الهيكلية لمسؤولي النظام اختباراً حقيقياً لإرادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، فإذا بقيت هذه الإرادة محصورة في بيانات متكررة واجتماعات غير مثمرة، فإنها لن توقف "المزيد من عمليات القتل"، بل ستبعث برسالة واضحة إلى السلطات الإيرانية مفادها أن عنف الدولة لا يزال بلا تكلفة. 

وحذرت منظمة العفو الدولية في وقتاً سابق من "مجازر غير مسبوقة"، مؤكدةً أن قوات الأمن ارتكبت عمليات قتل واسعة النطاق، مدعومة بأدلة موثوقة من مقاطع فيديو وشهادات شهود عيان، مطالبة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني بوقف الاستخدام غير القانوني للأسلحة النارية وإعادة الوصول الكامل إلى الإنترنت.