عيد النوروز وذكريات الاضطهاد في زمن حكم البعث

يستعد الشعب الكردي في سوريا وخاصة في مناطق روج آفا للاحتفال بعيد النوروز ولا تغيب عنهم ذكريات منع الاحتفال خلال سنوات حكم حزب البعث.

نغم جاجان

قامشلو ـ مع اندلاع ثورة روج آفا عام 2012 عاد الكرد للاحتفال بالنوروز بحرية وبشكل علني، ليستمر بكونه رمزاً للمقاومة، واستعادة الحقوق، وشهادة حية على أن لا قوة تستطيع كسر الإرادة الحرة، وفي كل عام تشعل الكرديات نار نوروز وتحافظن على تراثهن وهويتهن.

تستذكر نافية أسعد، عضوة دار المرأة بمدينة قامشلو في روج آفا تلك الأيام، وتقول أن العديد من الصعوبات واجهت الشعب الكردي في سوريا "ارتكب نظام البعث ظلماً كبيراً بحق الكرد، تم قمع المكون الكردي وحرمانه من الاحتفال بعيد النوروز المُتوارث منذ عهد أجدادنا".

وأضافت "أتذكر عندما كنت طفلة، لم نكن نستطيع الخروج للاحتفال بنوروز. كنا نُشعل الشموع ونُوقد بعض النار في منازلنا، ونقول لأمي إنه نوروز ويجب الاحتفال به في الخارج، لكن تجيبنا بأن نظام البعث سيأتي ويقتلنا، ولهذا السبب نخاف الاحتفال به"، مضيفةً "أحياناً كانت أمي تأخذنا إلى مكان بعيد، لنرقص ونحتفل بنوروز دون رقابة الأجهزة الأمنية".

 

"واجهنا خطر الاحتفال حتى عام 2011"

سُجن الفتيان والفتيات الذين أشعلوا نار نوروز لسنوات على يد نظام البعث، حتى الشعب العربي لم يكن يعرف لماذا يتم منع الكرد من الاحتفال، تقول محدثتنا أنه "ذهبنا إلى وادٍ، وكان المطر يهطل، ولنحتمي منه توجهنا إلى منزل عائلة عربية، ورحّب بنا أهل المنزل، وسألونا باستغراب لماذا لا يسمح لكم نظام البعث بالاحتفال بعيد نوروز؟".

لقد تمت معاملة عائلتها بمحبة واحترام من قبل هذه العائلة "فرحوا بنا وساعدونا من أجل العودة إلى منزلنا، لكن عناصر الأمن هاجموهم قائلين "لماذا أطلقتم سراحهم؟"، لقد استطعنا الهروب واتجه كل شخص منا إلى مكان، فكلما اقترب النوروز يكثف النظام من قمعه، حتى أنه يراقب السيارات خوفاً من توجهنا للاحتفال".

حتى عام ٢٠١١ كان هذا هو حال الكرد السوريين تم اعتقال كل من يحتفل وفي المعتقلات تعرضوا للتعذيب لقد كانت مسألة أمن قومي بالنسبة للحزب الذي رفع شعار العروبة في وجه جميع المكونات الأخرى "في المعتقل يقول السجانون للمعتقلين "لماذا تشعلون نار نوروز؟ لن نسمح بهذا الاحتفال".

هذا الرعب من النوروز وصل حد مشاهدة النار من بعيد، كما تقول نافية أسعد "أُلقي القبض على ابني في الطريق، وسألوه لماذا نظرتِ إلى نار نوروز؟"، تم اعتقاله وحتى أن رجال الإطفاء حضروا في إحدى المرات ليطفئوا نار نوروز المتقدة أمام منزلها.

الاحتفال بنوروز يعد قضية وطنية للشعب الكردي كما تؤكد "خرجنا واحتفلنا بالنوروز بقلوبٍ مفجوعة، وقلتُ حتى لو كان أبنائي العشرة في السجن، سأخرج وأحتفل بالنوروز".

بعد انطلاق ثورة روج آفا في 12 تموز/يوليو 2012 تغير الحال بنضال هذا الشعب الذي لم يقبل بالقمع "استعدنا تلك الأرض بأيدينا ليتمكن شعبنا من الاحتفال بالنوروز فيها، وُلدنا كرداً وسنبقى كذلك، ونحن فخورون بهويتنا الكردية. كثيراً ما اعتدوا على النساء، ولكن رغم كل شيء، احتفلنا".

 

"استشهد مئات الشباب من أجل النوروز"

وأشارت نافية أسعد إلى أن نظام البعث سلبهم حقوقهم وثقافتهم ووجودهم وكل شيء "أغلق معلمو مدارس النظام الأبواب في وجه أطفالنا حتى لا يأتوا ويحتفلوا بعيد النوروز، لقد سلبنا نظام البعث حقوقنا وثقافتنا ووجودنا وكل شيء"، موضحةً أنه "في العام الذي اندلعت فيه ثورة روج آفا، أشعلنا نار نوروز، فذهب ثلاثة من شبابنا لارتداء الزي الكردي، فقتلهم نظام البعث، لقد استشهد مئات الشباب من أجل النوروز، ورغم كل شيء احتفلنا".

 

استبدال العيد حتى لا يتم الاحتفال

شكل الاحتفال بعيد النوروز أزمة للنظام البائد حتى أنه أعلن يوم 21 آذار/مارس عيداً للأم، لمنع الاحتفال به كما تقول نافية أسعد "دخل شاب يُدعى سليمان القصر الجمهوري التابع لنظام البعث وطالب بالاحتفال بعيد النوروز، لكن تم قتله من قبل الحرس الجمهوري، وكان رد الكرد حاسماً سننتفض ونحتفل بالنوروز مهما كلف الأمر، ولن يقول أحد إن الكرد أموات، فنحن موجودون".

 

"فخورين بثورتنا"

وعن سياسة التفرقة التي استخدمها النظام البائد بين شعوب المنطقة قالت أنه حرض العرب ضدهم "في السنوات الأولى عندما تمكننا من الاحتفال هاجمنا بعض العرب بالحجارة كانوا يحطمون سياراتنا بالحجارة، نحن نقدر موقفهم فقد كانوا ضحايا لخطاب نظام البعث، ومن الجيد أن الثورة اندلعت وأنهينا تلك السياسات  فبفضل الثورة، وبفضل دماء الشهداء وأفكار وفلسفة القائد عبد الله أوجلان، يحتفل الشعب الكردي اليوم بجميع أعياده بفخر وحرية. نحن فخورين بثورتنا".

 

كرد عفرين يحتفلون في مدينتهم

ولم تنسى نافية أسعد التطورات الإيجابية الأخيرة فيما يخص عودة نازحي عفرين "نحن سعداء للغاية لأن أهالي عفرين سيحتفلون في عفرين هذا العام، ونأمل أن يعود كل نازح ويحتفل بالنوروز في موطنه. أقول لجميع أبناء شعبنا: اخرجوا واحتفلوا بالنوروز بالزي الكردي".

واختتمت نافية أسعد حديثها بالتأكيد على دور من ضحوا بحياتهم من أجل الحصول على هذا الحق "في جميع مناسباتنا، نذهب إلى مقبرة الشهداء، ونُشعل الشموع على القبور، ونقول أنتم أحياء في قلوبنا، ولن تموتوا أبداً".