النيوبهلويّة بديل بلا ذاكرة تاريخية

تيار النيوبهلويّة الأوروبي يستغل ضعف البديل السياسي، هيمنة الإعلام، وتآكل الذاكرة الجماعية لتقديم نفسه بديلاً "حديثاً" دون مواجهة جرائم الماضي أو الاعتراف بحقوق القوميات، مما يحوّل الفن والسياسة إلى أفعال رمزية تخدم القوى المهيمنة.

شيلان سقزي

مركز الأخبار ـ في الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة، برزت إحدى القضايا المثيرة للجدل في الفضاء العام والإعلامي، وهي دعم أو تعاطف بعض الفنانين الكرد، بل وحتى جزء من المجتمع اللُّوري، مع تيار "النيوبهلويّة" المقيم في أوروبا؛ ذلك التيار الذي يقدّم نفسه بديلاً ما بعد الجمهورية الإسلامية، دون توضّح علاقته بتاريخ العنف، والقمع القومي والعرقي، ومشروع الدولة ـ الأمة السلطوي في عهد البهلويين.

هذا المشهد يبدو، للوهلة الأولى، وكأنه تناقض أخلاقي وتاريخي، كيف يمكن لذواتٍ تنتمي إلى مجتمعات كانت ضحية للمجازر، والقمع العسكري، وإنكار اللغة، والإقصاء السياسي في الحقبة البهلوية، أن تدافع اليوم عن الورثة الرمزيين لذلك النظام نفسه؟

الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في "نسيان بسيط" ولا في "خيانة فردية"، بل في تقاطع معقّد بين أزمة البديل السياسي، وهيمنة الإعلام، وتآكل الذاكرة الجماعية، واختزال السياسة إلى مجرد بُعد رمزي.

 

ذاكرة مغيّبة في سرديات النيوبهلويّة

المستوى الأول يرتبط بالمنطق السائد في سياسة إيران المعاصرة، وهو منطق النفي السلبي للجمهورية الإسلامية، ففي ظل نظام شمولي، معادٍ للنساء ومتمركز حول السلطة، جرى سحق كل إمكانية لفعلٍ سياسي منظّم، لتُفرغ السياسة من مضمونها الإيجابي والبرنامجي، وتُختزل إلى مجرد رفض النظام القائم.

في هذا السياق، لم يعد التاريخ يُستحضر بوصفه مرجعاً للنقد والمساءلة، بل يُنظر إليه كعائق أمام التحرر الفوري، ومن هنا يظهر تيار "النيوبهلويّة" كرمزٍ للرفض، أكثر من كونه مشروعاً سياسياً متماسكاً، إنها اللحظة التي تصفها الفلسفة السياسية بـ "تعليق التاريخ في حالة الطوارئ"؛ أي حين يجعل الألم الراهن والعنف المباشر، جراح الماضي العميقة أقل وضوحاً وأهمية، ولو مؤقتاً.

تلعب وسائل الإعلام الفارسية الناطقة من خارج إيران دوراً حاسماً في هذا المسار، فهذه المنابر، خصوصاً بعد انتفاضة Jin Jiyan Azadî""، أعادت إنتاج سردية نوستالجية عن الحقبة البهلوية، حيث يُقدَّم التاريخ بصورة مقلوبة ومطهَّرة من كل أشكال القمع، تحديث بلا استعمار داخلي، أمن بلا قمع للأطراف، حرية اجتماعية بلا إنكار للهويات القومية، بينما الحقيقة التاريخية تثبت العكس تماماً.

في هذا السرد، تُمحى أو تُختزل إلى "ضرورات بناء الدولة" أحداث دامية مثل مجازر عشائر اللور في ثلاثينيات القرن الماضي، القمع العسكري لشرق كردستان بعد سقوط جمهورية مهاباد عام 1946، إعدام ونفي واغتيال القادة الكرد، وتدمير البنى المحلية للحكم الذاتي، وبهذا، يجد الفنان نفسه، وهو غالباً متأثر بهذه السرديات المصوّرة والعاطفية والمبسّطة، أمام تاريخ منزوع الألم؛ تاريخ بلا جسد، بلا دم، وبلا مسؤولية.

ولفهم هذا التناقض على نحو أعمق، لا بد من العودة إلى التاريخ الدموي للحقبة البهلوية، ففي عهد رضا شاه، كانت عشائر اللور، خصوصاً في لورستان وإيلام وبختياري، هدفاً مباشراً لسياسة "تخت قابو" القائمة على نزع السلاح القسري والقمع العنيف، كثير من القبائل تعرّضت للمجازر أو التهجير، فيما جرى تفكيك بنيتها الاجتماعية باسم "النظام والمركزية".

أما في شرق كردستان، فقد تعاملت الدولة البهلوية في كلا الحقبتين مع الكرد لا باعتبارهم مواطنين، بل كتهديد أمني دائم، اغتيال إسماعيل آغا سامكو عام 1929 في إطار خطة مدبّرة، أعقبه قمع عسكري واسع، ثم إعدام قادة جمهورية مهاباد عام 1946، وحظر اللغة الكردية، وإلغاء أي شكل من أشكال الإدارة الذاتية، هذه السياسات لم تكن استثناءً، بل جزءاً بنيوياً من مشروع الدولة ـ الأمة المركزية.

لكن لماذا يبدو هذا التاريخ اليوم باهتاً؟ أحد الأسباب يكمن في فردنة السياسة؛ إذ إن كثيرين، خصوصاً في فضاء الفن العالمي، لا يرون أنفسهم حاملي ذاكرة جماعية، بل ذوات فردية عابرة للحدود، في هذا السياق، تتحول السياسة إلى مجرد موقف أخلاقي لا التزاماً تاريخياً، ومع ضعف الارتباط بالحركات الجماعية والذاكرة التاريخية، يصبح الماضي مجرد فكرة مجردة يمكن إزاحتها مؤقتاً لصالح "حاضر التحرر".

ومن هنا يتغذى تيار النيوبهلويّة المقيم في أوروبا على هذا الانقطاع؛ فهو يقدّم نفسه بديلاً "حديثاً وعلمانياً" من دون أي مساءلة للماضي، ومن دون الاعتراف بدور البهلويين في المجازر وقمع الأطراف، ومن دون التزام واضح بمشاريع اللامركزية أو الفدرالية أو الكونفدرالية أو الحقوق القومية، إنه ما يمكن وصفه بـ "الاستبداد بلا ذاكرة"؛ سلطة تسعى إلى بناء المستقبل من دون أن تتحمّل مسؤولية جرائم الماضي أو حتى أن تُبدي ندماً أو اعتذاراً.

 

الاستبداد بلا ذاكرة وإعادة إنتاج النسيان

لعل أحد المفاهيم الجوهرية لفهم هذا التحوّل المتناقض هو مفهوم "سياسة الطوارئ"؛ أي الحالة التي يُعلَّق فيها البُعد الأخلاقي للتاريخ أمام عنف الحاضر، ففي ظلّ القمع اليومي الذي تمارسه الجمهورية الإسلامية ضد الجسد واللغة والحياة الاجتماعية، يصل بعض الفاعلين، ومن بينهم الفنانون، إلى قناعة مفادها أن أي قوة قادرة على إيقاف هذا الوضع، ولو بشكل مؤقت، تستحق الدعم، غير أن هذا المنطق، وإن بدا عاطفياً، يظل سطحياً، ومن منظور الفلسفة السياسية يعني تعليق المسؤولية التاريخية.

في هذا الإطار، لا يُستحضر الماضي كجرح مفتوح، بل يُختزل إلى عبء "غير ضروري" أمام إنقاذ الحاضر، وهنا تحلّ "أخلاق البقاء" محل "الأخلاق السياسية"؛ أخلاق تقوم على شعار "أولاً التحرر، ثم لاحقاً المحاسبة إن لزم الأمر"، لكن التجربة التاريخية أثبتت مراراً أن أي تحرر يقوم على تعليق المحاسبة، سرعان ما يتحول إلى إعادة إنتاج دورة العنف نفسها، ويُعيد تأسيس الاستبداد في صورة جديدة.

وهذه الظاهرة لا تقتصر على إيران وحدها؛ ففي العديد من المجتمعات ما بعد السلطوية، سعت القوى التي ورثت الأنظمة القمعية إلى تهميش الماضي بالاعتماد على الإرهاق الاجتماعي ومنطق الطوارئ، ففي إسبانيا ما بعد فرانكو، جرى تقديم "ميثاق النسيان" كطريق للانتقال، لكنه في الواقع ضحّى بالعدالة التاريخية لصالح الاستقرار السياسي، وفي تشيلي بعد بينوشيه أيضاً، أدى التأخر في مواجهة الماضي بجدية إلى إبقاء الانقسامات الاجتماعية العميقة لعقود طويلة.

واليوم، يستفيد تيار النيوبهلويّة المقيم في أوروبا بوعي من هذا المنطق؛ إذ يطرح فكرة تجاوز الجمهورية الإسلامية من دون مواجهة جذرية لمسألة الدولة المركزية، والعنف ضد الأطراف، وإنكار الطبيعة متعددة القوميات للمجتمع، وفي هذا السياق، فإن الفنانين الذين يقعون في فخ هذا المشروع يساهمون، من حيث لا يشعرون، في إعادة إنتاج هذا "النسيان المنظّم".

أما النقطة الأخرى المهمة فهي تحوّل السياسة إلى مجرد فعل رمزي؛ ففي فضاء وسائل التواصل الافتراضي، غالباً ما يُنظر إلى دعم شخصية أو تيار سياسي لا باعتباره التزاماً طويل الأمد، بل كفعل استعراضي وفوري، وهذه السياسة الرمزية، بما أنها تقوم على الصورة والصوت والجسد، تبدو أكثر جاذبية للفنانين، غير أن السياسة الرمزية، إذا انفصلت عن التحليل البنيوي، يمكن أن تتحول سريعاً إلى أداة في خدمة القوى المهيمنة.

ولا يمكن إغفال أثر ضعف التعليم التاريخي وإقصاء السرديات المحلية، فالتاريخ الرسمي، سواء في الحقبة البهلوية أو في عهد الجمهورية الإسلامية، لطالما قمع أو همّش الروايات الكردية واللورية، مما جعل التاريخ ينتقل حتى بين أبناء الضحايا بصورة متقطعة وناقصة وغالباً شفهية.

وفي ظل غياب مؤسسات قوية لحفظ الذاكرة ـ مثل المتاحف والأرشيفات والسينما النقدية والأدب التاريخي الشامل ـ لم تستطع هذه السرديات الجريحة أن تنافس الروايات الإعلامية البراقة. وهنا يبرز تيار النيوبهلويّة، مستنداً إلى لغة حديثة وصناعة صور احترافية وإحالات إلى "الغرب"، ليملأ هذا الفراغ السردي ويُقصي تاريخ العنف إلى الهامش.

عند هذه النقطة يصبح السؤال عن مسؤولية الفنان أمراً حتمياً، ففي مجتمعات مثل كردستان ولورستان، حيث ارتبطت الذاكرة الجماعية بالمجازر والنفي والإنكار، لا يكون الفنان مجرد منتج للجمال أو الصوت؛ بل هو حامل للذاكرة، شاء أم أبى، فالفعل الفني، سواء كان واعياً أو غير واعٍ، يكتسب معناه داخل حقل السلطة، والدفاع عن مشروع لم يحدد علاقته بهذه الذاكرة يعني المشاركة في عملية تطهير التاريخ، وهو أمر بالغ الخطورة حين يتحول الفنان، بفعل مكانته الرمزية، إلى مرجع أخلاقي للمجتمع.

وعليه، يمكن القول إن الدفاع عن النيوبهلويّة الأوروبية خلال الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة ليس مجرد خطأ فردي، بل انعكاس لأزمة متعددة الأبعاد، بل أزمة البديل السياسي، وسياسة الطوارئ، وهيمنة الإعلام، وتآكل الذاكرة التاريخية، وغياب القيادة الفكرية الجماعية، لكن التاريخ يحذرنا، لا يمكن لأي انتقال سياسي يقوم على نسيان العنف الماضي وتعليق الحقوق الجماعية أن يقود إلى حرية مستدامة، فالاستبداد قد يغيّر وجهه، لكنه يحتفظ بمنطقه.

إن التحرر الحقيقي لا يتحقق إلا حين تتشابك الذاكرة والعدالة والمستقبل في أفق واحد، وهذه مسؤولية لا تقع على عاتق السياسيين وحدهم، بل أيضاً على الفنانين والفاعلين الثقافيين، ومع ذلك، لا يجوز أن يُستخدم هذا النقاش ذريعة لإعفاء أحد من المسؤولية الأخلاقية؛ ففي المجتمعات التي عاشت المجازر والإقصاء والإنكار، لا يحق لأي مشروع سياسي، سواء كان دينياً أو متظاهراً بالعلمانية، أن يُطهّر أو يُطبّع من دون مواجهة صادقة مع الماضي، فالتحرر إذا بُني على النسيان لن يكون نهاية للعنف، بل شكلاً جديداً من إعادة إنتاجه.