جرائم قتل النساء في ازدياد والقضاء لا يقوم بدوره

تشهد تركيا جرائم عنف متكررة ضد النساء تصل إلى حد القتل ويتحمل القضاء مسؤولية كبيرة في ارتفاع نسب ارتكاب هذه الجرائم.

مميهان هلبين زيدان

وان ـ قضية العنف ضد المرأة وما يرتبط بها من سياسة الإفلات من العقاب أدت لتفاقم العنف مجدداً في تركيا وشمال كردستان فالأحداث المأساوية التي تقع يومياً تكشف قصص العنف ضد المرأة، وسلسلة الإهمال في هذه العملية التي تقودهن إلى الموت، كما أن حقيقة قتل النساء رغم تقديم العديد من الطلبات وأوامر الحماية تفتح باب النقاش حول النظام القضائي في تركيا.

بحسب بيانات منظمات نسائية تركية وكردية قُتلت 22 امرأة في شهر كانون الثاني/يناير الماضي، وعُثر على جثث 14 امرأة في ظروف غامضة، وتشير التقارير إلى أنه خلال عام 2025، قُتلت 294 امرأة على الأقل على يد رجال، وسُجّلت 297 حالة وفاة على أنها "مشبوهة".

 

أوامر الحماية لا تحمي النساء

قُتلت مليحة كسكين في جامعة ارجيس على يد زوجها السابق، بعد أن استمر الجاني بتهديدها منذ عام ٢٠١١، ورغم تقديمها نحو ٥٠ بلاغاً، وإصدار أكثر من ٨٠ أمر حماية، وحتى تركيب جهاز مراقبة إلكتروني في كاحل الجاني مرتين، إلا أنه أقدم على قتلها.

وفي آكري، قُتلت غولر أوزكان، البالغة من العمر ٣٥ عاماً، على يد زوجها، وهو رجل عنيف سبق أن أبلغت عنه الشرطة سبع مرات.

وفي أنقرة، قَتل رجب جنكيز الذي كان قد أُفرج عنه مؤقتاً من السجن، والدته وطفله والمرأة التي كان بصدد الطلاق منها.

 

قُتلت ست نساء في يوم واحد

خلال شهر شباط/فبراير الفائت وفي يوم واحد فقط قتلت 6 نساء، ففي إسطنبول، قُتلت فيليز شعبان غول على يد الرجل الذي كانت بصدد الطلاق منه، في جبزة، قُتلت آيلين بولات على يد رجل كان قد صدر بحقه أمر تقييدي، أما في وان، قُتلت غونول ألكان بسلاح ناري على يد رجل كان قد صدر بحقه أيضاً أمر تقييدي، وفي عثمانية، قُتلت إيلكنور كوتش على يد طليقها، وكذلك في أق سراي، قُتلت كبرى كيليتش على يد طليقها، كما قتل الجاني ابنة عمته الكبرى، زينب آياز، بسلاح ناري.

 

"لا يمكن القول أن ازدياد العنف يعود إلى سبب واحد"

قالت المحامية ماريا بيلديري بورازان، من نقابة المحامين في وان بشمال كردستان، حول سياسة العنف ضد المرأة والإفلات من العقاب في تركيا، أن للعنف أسباباً عديدة "إنها ليست قضية واضحة بما يكفي لتُعزى إلى سبب واحد. العنف ضد المرأة مستمر في الازدياد في جميع الظروف وعلى جميع المستويات التعليمية، وهذا يستلزم تقييم المشكلة من منظور أكثر شمولية".

وفيما يتعلق بأسباب ازدياد العنف أوضحت "يمكننا عموماً ربط ذلك بمفهوم الرجولة، ونحن بحاجة إلى الحديث عن وجود مواقف تؤدي إلى ظهور هذا المفهوم للرجولة وتغذيه، وربما حتى إحيائه".

 

"القوانين كافية لكنها غير مُطبقة"

وأشارت إلى أن أحد الأسباب الرئيسية لزيادة جرائم قتل النساء هو التصور الاجتماعي الذي يُغذي "الذكورية"، وسياسة الإفلات من العقاب، وكذلك "غياب تدابير الحماية الوقائية"، مؤكدةً أنه لا ينبغي لنا أن ننظر إلى القضاء كهيكل أحادي الجانب، وأنه على الهيكل الذي نسميه القضاء أن يُطور آليات وقائية أيضاً، فالعقاب وحده لا يكفي؛ ففي أي حقبة من التاريخ، لم يكن العقاب وحده كافياً لمنع الجريمة".

وأضافت "تكمن المشكلة الحقيقية في أن القضاء لا يستخدم سلطته الوقائية، فالقوانين كافية؛ إذ يمكن لأي شخص من خارج الجهاز القضائي أن يقرأ أي قانون ويقول "لا تُرتكب جرائم هنا، ولا يوجد عنف ضد المرأة"، بإمكان النساء الحصول على أوامر تقييدية وأوامر حماية، ويمكنهن طلب المأوى عند الحاجة، ويمكنهن اللجوء إلى الملاجئ، ويمكنهن تغيير هوياتهن... هناك العديد من الخيارات المتاحة بالفعل، ولكن للأسف، لا نرى ذلك يحدث على أرض الواقع".

وذلك يعود إلى أن التطبيق الفعال لأوامر الحماية "ضروري" للنساء، وتوضح ماريا بيلديري بورازان أن العديد من النساء في تركيا ما زلن يتعرضن للأذى رغم وجود هذه الأوامر، وأنه من الضروري مناقشة أوجه القصور في القوانين والمشرعين "يُفرج عن الجناة الذين يُسجنون مبكراً بشروط حسن السلوك".

 

"يجب أن نتصرف وفقاً لمبادئ الدولة الاجتماعية الديمقراطية"

وأكدت أن جميع أشكال العنف والتمييز ضد المرأة تُعدّ مشكلةً بارزةً في أجندة المرأة "تخوض المنظمات النسائية شتى أنواع النضالات؛ فهي موجودة في الشوارع وفي المؤسسات، ولكن هذا ليس بالأمر الذي يمكننا القيام به بمفردنا. سنناضل نحن النساء من أجل حقوقنا، ولكن حتى دون أن نضطر إلى النضال بأنفسنا، هناك هياكل يجب أن تتخذ إجراءاتٍ أمامنا، وأن تعمل وفق نهج دولة الرفاه الاجتماعي".

 

ارتكاب الجرائم خلال الإجازة من السجن

وحول ارتكاب السجناء المفرج عنهم مؤقتاً لجرائم انتقامية بحق النساء، أشارت المحامية إلى أن "الرجال المفرج عنهم من السجن في إجازة يرتكبون جرائم ضد النساء أو الأطفال مجدداً"، موضحةً أن ذلك يعود إلى أن "الإجازات من السجن لا تتعلق بالجرائم السياسية، ربما يكون من الضروري تشديد الرقابة في هذه الحالة، خاصة فيما يتعلق بالجرائم العنيفة، على الأقل الجرائم ضد الحياة، يمكن تطوير آليات للرقابة، ويمكن وضع قيود على تصاريح الأشخاص المدانين بهذه الجرائم وما شابهها، مما يحد من وجودهم في أماكن معينة ويقيدهم في مجالات محددة من الحياة الاجتماعية".

 

"يجب إعادة تأهيل مرتكب العنف"

والعنف ضد المرأة كما تؤكد ليس مشكلة يمكن حلها بمعاقبة مرتكب العنف أو سجنه "على الدولة أن تضمن لنا إعادة تأهيل هذا الشخص المدان بقتل النساء لأن هؤلاء الجناة يُطلق سراحهم بعد فترة، لذا، من الضروري ألا يبقوا في السجن ويتدهور وضعهم أكثر خلال فترة احتجازهم، وعلى الدولة أن تضمن لنا ذلك، وبينما ما زلنا نناقش سياسات الإفلات من العقاب، قد يبدو هذا ترفاً بالنسبة لنا، ومع ذلك، يجب ألا نتوقف أبداً عن المطالبة بجميع حقوقنا".

 

"أنظمة الردع غير فعّالة ومهملة للغاية"

ماريا بيلديري بورازان ترى أنه بالنسبة لشخص لديه ميل للعنف، شخص يُشكّل خطراً جسيماً، فإن القرارات غير الرادعة عديمة الجدوى، فالشخص المُستعد للقتل كما تؤكد لن يتراجع عن قتله خوفاً من عقوبة السجن لمدة ثلاثة أشهر "ما نسميه أمر تقييدي يجب أن يردعه فعلاً، أما أوامر الحماية، فقد كانت غير فعّالة في هذا البلد لفترة طويلة، وهناك تطبيق مراقبة الكاحل الإلكتروني، لكنه لا يُستخدم أحياناً بحجة عدم توفره، وتكمن مشكلتنا الرئيسية في أن الأنظمة الفعّالة الحالية غير فعّالة ومهملة للغاية، لذلك لا بد من تغيير هذا الوضع أولاً".

 

"لغة الإعلام تُؤجّج العنف"

لغة الإعلام أيضاً تُؤثر على العنف والقتل ضد النساء "لا تزال التقارير الإخبارية تُبرر العنف. شهدنا فترةً انخفضت فيها جرائم القتل التي تُعرف بجرائم الشرف، لكننا نشهد في الآونة الأخيرة عودة هذه الظاهرة إلى الارتفاع مجدداً".

والحل كما تبين يتمثل بدراسة أسباب ذلك بعناية وبحثها بدقة "يتأثر شعبنا بشدة بالمسلسلات التلفزيونية ولغة الإعلام. يحمل الأطفال الصغار مسدسات ألعاب، وأثناء اللعب يرددون عبارات مثل أنتِ شرفي، وفي هذا السياق، يتبنى المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون (RTÜK) سياسة مثيرة للاهتمام، إذ يمكنه فرض قيود فورية وإيقاف بث البرامج إذا رأى أنها تتعارض مع قيمه".

وانتقدت اللغة المتحيزة جنسياً في وسائل الإعلام "عندما تقولون 'جريمة حب'، فإنكم تضفون طابعاً رومانسياً على تلك الجريمة، تجعلونها تبدو مثيرة للشفقة، وكأنكم تقولون 'سأموت أو أقتل من أجل حبي'، وبالمثل، فإن لغة الأخبار مثل 'قتل زوجته بعد أن رآها مع رجل آخر، رأى رسالة نصية فقتلها' تضفي شرعية على الجريمة. يجب على وسائل الإعلام التخلص من هذه اللغة".

 

"النساء يُقتلن"

وفي ختام حديثها أكدت المحامية ماريا بيلديري بورازان أن "الصور التي تم إعدادها بشأن النساء والأطفال المقتولين تخفي مدى العنف، فلا ينبغي مشاركة صور امرأة مقتولة أو طفل معنف كما لو كانوا ملائكة بأجنحة، لأننا حين نُقتل، أو نُلقى من ارتفاع شاهق، أو يُعتدى علينا، لا ننتقل فجأةً إلى عالمٍ رومانسي. نُقتل، ونُجرح، ونُدمَّر. نترك وراءنا حياةً وأحلاماً لا تُحصى. يجب أن ينعكس هذا الواقع بكل تفاصيله".