المرأة الكردية هوية وصمود
مقال بقلم لمعان شيخو عضوة أكاديمية جنولوجي
شهدت سوريا منذ عام 2011 تحولات بنيوية عميقة مست جوهر بنيتها السياسية والاجتماعية، ولم تقتصر على تغييرات ظرفية أو آنية، بل طالت أسس الحكم وأنماط السلطة, وزعزعت مركزية الدولة السلطوية التي حكمت البلاد لعقود، وتآكل احتكارها للقرار السياسي ولأدوات العنف مقابل صعود فاعلين جدد من غير دول تمثلت في تدخلات محليين وإقليمين ودوليين. ولم يعد الصراع السوري صراعاً داخلياً محضاً، بل تحول إلى ساحة صراع نفوذ متعددة المستويات، انعكس ذلك على نماذج الحكم، والهوية، والعيش المشترك، وبنية المجتمع المحلي عموماً.
في هذا السياق، برز استخدام الحصار والتجويع كأدوات سياسية وعسكرية لإخضاع المجتمعات المحلية، إلى جانب استهداف ممنهج لمكونات اجتماعية بعينها، ولا سيما المكونات وفي مقدمتها الكرد ومن ناحية أخرى بشكل خاص النساء، بوصفهن حوامل للهوية والذاكرة الجماعية، وذلك ضمن محاولات إعادة تشكيل المجتمع وفق موازين قوى جديدة.
تُعد مدينة حلب من أكثر المدن السورية أهمية من حيث الثقل السياسي والاقتصادي والديموغرافي، وقد اكتسب حيّي الشيخ مقصود والأشرفية رمزية سياسية وميدانية خاصة نظراً لموقعهما الجغرافي الاستراتيجي داخل المدينة، حيث يتيح ارتفاعهما الإشراف على محاور حيوية والتحكم بالمناطق المحيطة.
ويُعرف حي الشيخ مقصود بالكردية باسم Çiyayê Seydê، أي "جبل سيدة"، نسبة إلى عالم دين صوفي كردي استقر مع عائلته في التلة وأسهم في تشكّل البنية الاجتماعية الأولى للحي. هذه الخصائص جعلت الحيين أهدافاً متكررة للهجمات والحصار منذ اندلاع النزاع، وفي الوقت ذاته معقلاً للمقاومة المجتمعية والتنظيم الذاتي للسكان في مواجهة محاولات الإخضاع السياسي والعسكري والاقتصادي.
يشكّل الكرد الغالبية السكانية في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، بعد سياسات حزب البعث الفاشي بدءاً بمشروع الحزام العربي وصولاً لسياسة شل الحركة الصناعية والاقتصادية في المدن الكردية. رداً على ذلك اضطرت العوائل للاستقرار بمدينة حلب وذلك لتأمين المصاريف ولقمة العيش. ومع وجود التنوع القومي والديني، جعلهما هدفاً مباشراً لسياسات الإقصاء، والتي تشمل حرمانهم من المشاركة في صنع القرار والإدارة، عدم تأمين فرص العيش الكريم، إنكار اللغة والتاريخ والرموز الثقافية، والتهميش على أساس العرق والدين.
ولم يكن استهداف الكرد في سوريا حدثاً طارئاً أو معزولاً، بل جاء ضمن سياق تاريخي وسياسي أوسع يهدف إلى منع تشكّل هوية سياسية كردية مستقلة، وإعاقة نشوء نموذج إدارة ديمقراطية بديلة، وإبقاء المنطقة خاضعة للسيطرة المركزية. وعليه، فإن الاستهداف لم يكن قائماً على الاختلاف القومي فحسب، بل ارتبط بالمطالب الكردية التاريخية بالاعتراف والحقوق والتنظيم السياسي.
امتدت الانتهاكات وسياسات الإخضاع في الحيين إلى عدة مستويات، الحصار والتجويع، فرض حصار خانق ومنع وصول المواد الأساسية منذ عام 2011، وتضييق اقتصادي وخدمي ممنهج. خلق بيئة من الخوف وعدم الاستقرار, مما فاقم الأزمة الإنسانية وجعل الظروف المعيشية غير محتملة، في محاولة واضحة لإجبار السكان على الخضوع أو النزوح. بالرغم من ذلك، أبدى سكان الحيين مقاومة شعبية لافتة، حافظوا من خلالها على تماسكهم الاجتماعي وقدرتهم على الصمود في وجه سياسات الإخضاع.
استهداف المرأة لا يُعد تفصيلاً جانبياً في النزاع السوري، بل يشكّل ركيزة أساسية في استراتيجيات السيطرة. فالمرأة تُعد العمود الفقري لاستمرارية المجتمع، وحاملة للهوية عبر اللغة والثقافة والذاكرة الجماعية، إضافة إلى دورها المحوري في تماسك الأسرة ونقل القيم للأجيال القادمة.
وبالتالي، فإن استهداف المرأة لا يطال الحاضر فقط، بل يستهدف مستقبل المجتمع بأكمله، عبر ضرب أسسه الأخلاقية والتنظيمية. في التجربة الكردية، كسرت المرأة الأدوار النمطية التقليدية وشاركت بفاعلية في مجالات التنظيم، واتخاذ القرار، والإدارة المجتمعية، وتحولت من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، ومن صورة الضحية إلى رمز للمقاومة المجتمعية. الأمر الذي شكّل تهديداً مباشراً للبنى الذكورية والسلطوية، ودفع إلى اعتماد سياسات أكثر بنيوية ضد المرأة، من بينها تشويه صورة المرأة الحرة، محو الهوية والذاكرة الجماعية، تفريغ الأرض من سكانها الأصليين.
الأحداث السياسية في المناطق الكردية عند ربطنا للأحداث السياسية في عفرين، سري كانيه/رأس العين والشهباء، والضغوط المستمرة على الشيخ مقصود والأشرفية، يتضح أنها ليست أحداثاً منفصلة، بل تشكّل مساراً واحداً ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر الإرادة السياسية الكردية، إنهاء أشكال التنظيم الذاتي وضرب النموذج المجتمعي الذي تتموضع فيه المرأة كقوة مركزية.
عفرين (2018): أدى التدخل العسكري التركي باسم عملية "غصن الزيتون" إلى التهجير الواسع للسكان الأصليين، مصادرة الممتلكات الخاصة والأراضي الزراعية، الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، وتدمير الرموز الثقافية والاجتماعية، مع تغيير أسماء القرى في محاولة لقطع العلاقة التاريخية بين الإنسان والمكان. خطف النساء واقتيادهن الى أماكن مجهولة.
سري كانيه (2019): هدفت العمليات العسكرية التركية وفصائلها الموالية إلى إنهاء تجربة الإدارة الذاتية عبر تفكيك المجتمع المحلي والمؤسسات المدنية، وفرض واقع عسكري يمنع أي مشاركة مجتمعية حقيقية.
الشهباء (2024): أصبحت ملاذاً قسرياً لأهالي عفرين، وتعرضت لحصار اقتصادي وخدمي، وضغوط مستمرة، مع قصف عشوائي للقرى والمخيمات المأهولة بالنازحين، وتقييد حرية التنقل، ومنع العودة إلى مناطقهم الأصلية، مع حرمانهم من الخدمات الأساسية، لتصبح المنطقة امتداداً لسياسات التهجير والإقصاء، رغم ذلك حافظ السكان على نمط من الإدارة الذاتية، وتحولت الشهباء إلى رمز للصمود المدني.
أثبتت المرأة دورها ومقاومتها في تلك المناطق وإن دورها لا يقتصر على التكيف مع الأوضاع الصعبة، بل كان فاعلاً محورياً في صمود المجتمع واستمراره في مواجهة الانتهاكات المختلفة. برز دورها في مدينة عفرين، سري كانيه، الشهباء، الشيخ مقصود والأشرفية كفاعل أساسي في المجالات السياسية، الدبلوماسية، المجالس المحلية، اللجان الاجتماعية، الإعلامية، وإدارة الأزمات اليومية (الغذاء، التعليم، التضامن المجتمعي)، وترسيخ ثقافة العيش المشترك عبر صوت نسائي موحد.
كما امتد دورها إلى العمل الصحي والإغاثي والتنظيم المجتمعي، ولم يقتصر على ذلك، بل نظمت نفسها لتصبح في خطوط الدفاع الأولى، مما عزز الروح المعنوية للمجتمع في أحلك الظروف، رغم ما تعرّضت له من قتل، أسر، اعتداء، استهداف مكانتها وابتزاز.
في النهاية، يتضح أن استهداف المرأة في السياق السوري عامة، والكردي خاصة، لم يكن أمراً عارضاً، بل جزءاً من استراتيجية ممنهجة لتفكيك المجتمع وضرب ركائزه التنظيمية والأخلاقية. والأحداث الأخيرة كانت خير دليل وشاهد على ما نقوله. ما حصل في الساحل السوري والسويداء، وما يحدث في المناطق الكردية، يدل على خوفهم من تنظيم المرأة لنفسها ورفع صوتها منادياً بالحرية والمساواة، وتربية جيل لا يقبل الخضوع أو الانصياع.
المرأة في الشيخ مقصود والأشرفية، وعفرين، والشهباء، وسري كانيه، والآن في المناطق الكردية المهددة بالحرب، تعيد مرة أخرى تعريف المقاومة لحماية الحياة والهوية والذاكرة الجماعية. مقاومة المرأة تدل على القوة والوعي والفاعلية، والقدرة على التغيير، والأمل في بناء مستقبل أكثر عدلاً. الأحداث شاهدة على أن المرأة ليست مجرد ضحية، بل فاعل ومقاوم.
وثورة روج آفا نموذج واضح على أرض الواقع يبيّن كيف نظمت النساء أنفسهن، واستعددن لأي هجوم، ودافعن وسيدافعن عن أرضهن وكرامتهن مهما كان الثمن، دون أي خوف. وكل هذه التجارب تؤكد أن أي حل سياسي في سوريا سيبقى ناقصاً ما لم يُعترف بدور المرأة كفاعل أساسي في التغيير، وأن السلام الحقيقي يبدأ من القاعدة المجتمعية لا من أعلى هرم السلطة. فالمرأة هي نواة المجتمع، وتحرير المجتمع يبدأ بتحرير المرأة.