اللاذقية بين إرث لاوذيسيا وقيود الحاضر

مقال بقال الصحفية روشيل جونيور

تحمل اللاذقية في اسمها ذاكرة امرأة. فقد أسسها القائد السلوقي سليقوس نيكاتور وسماها "لاوذيسيا" تكريماً لوالدته، في دلالة رمزية على مكانة المرأة في الوجدان والتاريخ. هذا الإرث ليس تفصيل عابر، بل جزء من هوية مدينة ولدت بفعل تكريم للمرأة، لا من فعل إقصاء.

وعلى امتداد تاريخ هذه المنطقة، برزت أسماء نساء تركن أثراً يتجاوز حدود الجغرافيا. من الأميرة أليسا مؤسسة قرطاجة، إلى الإمبراطورة جوليا دومنا القادمة من حمص، والتي لعبت دوراً محورياً في الحياة السياسية والفكرية في روما. كانت المرأة في هذه الرقعة من الأرض شريكة في صنع القرار، وفاعلة في بناء الدول، لا موضوعاً للوصاية أو التقييد.

في المقابل، يثير صدور قرارات عن مسؤولين في هيئة تحرير الشام تقضي بمنع المكياج أو فرض قيود على مظهر النساء تساؤلات عميقة حول النظرة إلى المرأة اليوم. فحين يختزل دورها في شكلها الخارجي، ويتعامل معها ككائن يحتاج إلى ضبط دائم، فإن ذلك يعكس تقليل من قيمتها الإنسانية والعقلية والاجتماعية.

إن فرض قيود على تفاصيل شخصية كالمكياج أو اللباس لا يعبر عن قوة المجتمع، بل عن خوفه من حرية أفراده. والمرأة التي كانت يوما رمزاً لتأسيس المدن والإمبراطوريات، تصبح في هذا السياق محصورة ضمن تعريف ضيق لدورها وحدودها. هكذا يتحول الجسد إلى ساحة قرار، بدل أن يكون العقل والكفاءة هما معيار التقدير.

 

بين ماضٍ مشرق وواقع مأزوم

المفارقة المؤلمة أن هذه الأرض نفسها قدمت نماذج نسائية جسدت القوة والحكمة والنفوذ. لكن بدل أن نبني على ذلك الإرث ونتقدم نحو تمكين أوسع لدور المرأة في التعليم والسياسة والاقتصاد، نجد أنفسنا ننشغل بفرض قيود إضافية عليها، وكأن تقدم المجتمع يتحقق بتقييد نصفه الآخر.

إن المجتمعات التي تسعى إلى النهوض لا تختصر المرأة في مظهرها، ولا تعتبر حريتها تهديداً، بل ترى فيها شريكاً كامل الأهلية. فالتاريخ يشهد أن ازدهار هذه المنطقة لم يكن يوماً نتيجة إقصاء النساء، بل نتيجة مشاركتهن الفاعلة.

اللاذقية، التي حملت اسم امرأة منذ تأسيسها، تستحق أن تكون مدينة تعكس هذا المعنى في حاضرها كما في ماضيها مدينة تصان فيها كرامة المرأة، ويعترف بدورها، وتحترم حريتها باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من حرية المجتمع كله.