الفاشية الملكية في المنفى... هستيريا الماضي وهروب من الحاضر

لماذا يتحدث بعض الملكيين الإيرانيين في الخارج بخطاب أكثر عنفاً، إقصاءً، وهستيرية من نظرائهم داخل البلاد؟ من أين ينبع هذا الراديكالية الكلامية، وما هو المنطق النفسي ـ السياسي الذي يعيد إنتاجها؟

شيلان سقزي

مركز الأخبار ـ الفاشية، قبل أن تكون أيديولوجيا متماسكة أو جهازاً نظرياً كلاسيكياً، هي "تكنولوجيا تعبئة"؛ تكنولوجيا تُفعَّل في لحظات الأزمات البنيوية ـ الاقتصادية، الهوياتية أو الجيوسياسية، ومن خلال ارتباط خاص بين العاطفة، الجسد، الأسطورة والسلطة، تُنتج جماهير غير مستقرة لكنها صاخبة. 

تُظهر التجارب التاريخية في ألمانيا الهتلرية، إيطاليا الموسولينية، وكذلك النسخ الأحدث في تركيا المعاصرة، أن الفاشية لا تستند حصراً إلى الطبقات الدنيا أو إلى النخب، بل تقوم على تحالف هش يجمع بين الطبقات الوسطى المنهارة، البرجوازية الصغيرة المتداعية، شرائح من البروليتاريا غير المستقرة، إضافة إلى شبكات من المهمشين رمزياً. هذه الفئات، وقد خبرت الإذلال وفقدان المكانة والقلق من المستقبل، تصبح أكثر استعداداً لتوجيه غضبها نحو الخارج.

الجماهير الفاشية تُظهر نزوعاً مفرطاً إلى اليقين، وعجزاً عن تحمّل الغموض، مع ميلٍ واضح إلى الطاعة السلطوية، ورغبة في تبرير العنف بوصفه وسيلة للتطهير والعلاج. هذه الجماهير لا تتشكل عبر الوعي النقدي، بل تُعاد صياغتها من خلال لذّات جسدية مرتبطة باستعراض القوة؛ في المسيرات، والهتافات، والعروض التي تمنحها إحساساً زائفاً بالتماسك والقدرة.


البروليتاريا في الفاشية العالمية وتاريخها السياسي في إيران

البروليتاريا، بوصفه موقعاً اجتماعياً/نفسياً، لها دور بنيوي في الفاشية. في ألمانيا النازية، حولت الوحدات الضاربة في الشوارع، الشبكات شبه العسكرية وثقافة العنف اليومي الفاشية من أيديولوجيا إلى ممارسة. موسوليني أيضاً اعتمد على التحالف بين البروليتاريا والبرجوازية الصغيرة لكسر النظام الليبرالي المتزعزع عبر "الفعل المباشر". البروليتاريا، بسبب فقدان الأمن الرمزي والاقتصادي، تتشبث بالعنف ليس فقط كأداة بل كهويّة؛ عنف يحل محل الرأسمال الثقافي والمكانة المفقودة.

في التاريخ المعاصر لإيران، للبورليتاريا السياسية جذور طويلة: من تعبئة القوى الشعبية في عهد الشاه لمواجهة الخصوم، إلى الاستخدام المنهجي للجمهورية الإسلامية لشبكات شبه ـ بروليتاريا (من جماعات الضغط إلى التعبئات العاطفية). النمط واحد: الأنظمة السلطوية، في لحظات أزمة الشرعية، تحتاج إلى أجساد جاهزة للعنف. البروليتاريا هنا أداة وذات في آن واحد؛ أداة لممارسة القوة وذات تُمنح وعداً بالظهور، الامتياز والمعنى.

جذب البروليتاريا إلى الفاشية يُفسَّر بتزامن ثلاثة نواقص: نقص المكانة، نقص المستقبل، ونقص اللغة للتعبير عن الألم. الفاشية تعوّض هذه النواقص بـ "اختصار"؛ العنف بدل السياسة، الولاء بدل النقد، والأسطورة بدل التاريخ. من هذا المنظور، كل من النظامين، البهلوي والجمهورية الإسلامية، استخدما البروليتاريا كوسيلة لامتصاص الأزمات.


التحليل النفسي لهستيريا سياسية

لماذا يظهر البروليتاري الفاشيستي بين بعض الملكيين في الدياسبورا (أوروبا، كندا، أمريكا) بشكل هستيري وأحياناً أعنف من الداخل؟ الجواب يكمن في تداخل عدة عمليات:

تحويل الأذى: الهجرة، خصوصاً حين تكون قسرية أو مرتبطة بفشل رمزي، تترك جروحاً تتحول إلى غضب في غياب شبكات دعم ولغة سياسية ناضجة.

اقتصاد المقارنة: العيش في مجتمعات ليبرالية ذات معايير رفاه عالية يبرز الفجوة بين الطموح والقدرة؛ فجوة تولّد شعوراً بالتحقير الداخلي ثم تُسقط على الخارج.

إعلامية الانفعال: شبكات التواصل الافتراضي، بخوارزمياتها التي تضخّم الغضب، نقلت البروليتاريا من الحي إلى المنصّة الرقمية. العنف الرمزي ـ التهديد، الإهانة، الإقصاء ـ يصبح منخفض التكلفة وعالي المكافأة.

نوستالجيا بلا تاريخ: ماضٍ أسطوري يُستحضر في صورة نقية، قوية، مجيدة، لكنه يُستهلك كمسكّن نفسي أكثر مما يُستعاد كذاكرة حقيقية. فالملكية الدياسبورية، في جوهرها، ليست مشروعاً سياسياً متماسكاً، بل محاولة علاجية غير ناجعة لقلق الحاضر، إذ تتحول إلى وهمٍ رمزي يقدّم الطمأنينة بدل أن يفتح أفقاً للتغيير.

يمكن الحديث عن عودة المكبوت؛ فالغضب الذي يُكبح أو يُشتت في الداخل، ينفجر في الخارج بشكل مكثف واستعراضي. غياب مجال الفعل الواقعي يقود إلى راديكالية خطابية؛ حيث تتحول مفردات مثل "القتل" و"التطهير" إلى استعارات يومية. هذه الهستيريا السياسية ليست علامة قوة، بل دلالة على العجز عن القيام بعملية الحداد التاريخي.


الأسس الفكرية ووظيفة الفاشية الإيرانية

الفاشية الإيرانية، في نسختها الملكية، تقوم على ثلاثة أعمدة: أسطورة التاريخ، أخلاق النظام، وسياسة الإقصاء. هنا يصبح التاريخ رواية موحّدة من المجد، لا ساحة للتعددية والصراع. فلسفياً، نواجه تعليقاً لمنطق الاختلاف والتعقيد، ونفسياً نواجه إنكار الفقد. تعمل الفاشية لأنها تعد بملء هذا الفقد بـ "الاسم الكبير".

تبسيط القضايا المعقدة، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، إلى تعليمات سطحية هو الوظيفة المركزية للفاشية. عندما يُختزل الأزمة البنيوية إلى "عدو"، يصبح العنف مشروعاً. القتل الرمزي للمعارض، التطهير الفكري، ولغة الإقصاء تحل محل السياسة. هذا المنطق يظهر أيضاً في فاشيات أخرى، أما خصوصيته الإيرانية فتتجلى في ارتباط النوستالجيا الملكية بجروح الاستعمار المكبوتة منذ العهد القاجاري، وباللامساواة الإقليمية خصوصاً تجاه الدول العربية، وبفشل مشروع الدولة ـ الأمة الحديثة.

مقارنة بالفاشية الأوروبية، الفاشية الإيرانية أقل اعتماداً على حزب منظم وأكثر ارتباطاً بالشبكات الإعلامية والشخصيات البارزة؛ أقل تركيزاً على البرامج وأكثر اعتماداً على العاطفة. هذا يجعلها غير مستقرة لكنها قابلة للانفجار. من منظور التحليل النفسي، يتجسد "الجسد الفاشي" في عرض القوة: من الصراخ والتهديد إلى إقصاء الآخر في اللغة. هذا الجسد يهرب من قبول التعدد وعدم اليقين.


النوستالجيا، الإذلال، والمستقبل الكارثي

النوستالجيا هنا ليست مجرد شعور فردي بريء، بل جهاز نفسي ـ تاريخي لإنتاج المعنى؛ جهاز يهاجم الماضي ليخفي فقدان المستقبل حين يعجز المجتمع عن العيش في الحاضر. الفاشية الملكية تولد تحديداً في هذه النقطة، حيث يصبح الماضي بديلاً عن المستقبل لا تاريخاً له. نفسياً، هذا شكل من "الحداد المستحيل"؛ الذات التي لا تستطيع قبول الفقد ولا تحويله إلى رغبة خلاقة، تلجأ إلى إنكار الفقد عبر صناعة الأسطورة.

الإذلال التاريخي، سواء كان واقعياً أو متخيلاً، يلعب دوراً محورياً في هذه العملية. لكنه ليس مجرد نتيجة "هزائم وطنية" أو "مؤامرات خارجية"، بل هو نتاج فجوة بنيوية بين الرغبات المتراكمة والقدرات الفعلية للفعل السياسي. هذه الفجوة، حين تقترن بالهجرة، انهيار الشبكات الاجتماعية، والمقارنة الدائمة مع "الآخر الناجح" في المجتمعات الرأسمالية المتأخرة، تتحول إلى اقتصاد نفسي انفجاري. في هذا الاقتصاد، لا يمكن ترجمة الغضب إلى سياسة، فيتحول إلى عنف رمزي ثم إلى خيال عنف واقعي.

من هذا المنظور، الفاشية الملكية ليست عودة إلى الماضي بل هروب من الحاضر؛ حاضر شديد التناقض، متعدد الأوجه، ومقاوم للتبسيط. النوستالجيا هنا تقنية إقصاء: إقصاء تعقيد التاريخ، إقصاء التعدد الاجتماعي، إقصاء التناقضات الداخلية، وأخيراً إقصاء الذوات التي تذكّر بهذه التعقيدات. "التطهير"، سواء في اللغة أو في الخيال أو في البرنامج السياسي، ليس انحرافاً عن الفاشية بل منطقها الداخلي؛ محاولة لبناء عالم بلا فائض، بلا غموض، بلا آخر.


الخطر البعيد

الخطر الأكبر ليس مجرد إعادة إنتاج نظام سلطوي، بل تطبيع المنطق الفاشي في الثقافة السياسية. الفاشية بلا دولة، إذا ما وصلت إلى السلطة، قد تكون أكثر تدميراً؛ فهي وإن كانت تفتقر إلى أدوات الحكم الرسمية، يمكنها أن تحتل فضاء التخيل السياسي، تغلق الآفاق البديلة، وتجعل العنف لغة مشروعة للفعل. في مثل هذا الوضع، حتى المشاريع التحررية المحتملة تُضطر إلى تعريف نفسها في علاقة مع منطق الإقصاء، ما يعني هزيمة السياسة مسبقاً.

إمكانات الخروج

الخروج لا يكون عبر الإدانة الأخلاقية للفاشية ولا عبر فضح أكاذيبها التاريخية فقط. القضية أعمق: إنها إعادة بناء علاقتنا بالزمن؛ القدرة على الحداد على الماضي دون أسطرة، العيش في الحاضر دون تطهير بالعنف، وتخيّل المستقبل دون وعود خلاص سلطوية. هذا يتطلب سياسة ترى في التعقيد شرطاً للتحرر لا تهديداً؛ سياسة تتيح الكلام مع الفقد بدلاً من ملئه بأسماء كبيرة. ومع هيمنة الخطاب الفاشي في أوساط المعارضة الملكية والنظام القائم، لا يبدو أن هناك أفقاً واضحاً لهذا المسار.

إذا لم يتم ذلك، فإن الفاشية الملكية، حتى في غياب الدولة أو الحزب أو الجيش، يمكن أن تعمل كفيروسٍ نفسي سياسي؛ تنتقل من جيل إلى جيل، وتُفعَّل في لحظات الأزمات، وتعود كل مرة بوجه جديد لكن بمنطق ثابت، لتَرهن المستقبل بالماضي.