الدول الاستبدادية ومحاولاتهم لتجزئة الأمة الكردية
لم تعد القضية الكردية في الشرق الأوسط مجرد مطلب شعبي أو قضية قومية، بل تحولت إلى عنصر أساسي في لعبة سياسية معقدة، وهكذا، أصبحت حقوق الشعب الكردي ومصيره رهينة لتوازنات القوى وصراعات النفوذ، أكثر من كونها استجابة لمطالب مشروعة بالحرية والعدالة.
السليمانية ـ تُعتبر القضية الكردية واحدة من أعقد القضايا السياسية في الشرق الأوسط، إذ ما تزال عالقة بين تناقضات القوى الداخلية وتشابك المصالح الدولية، بسبب الغموض المحيط بحقوق الشعب الكردي ومصيره، تراكمات تاريخية ممتدة منذ الحرب العالمية الأولى.
بعد رسم حدود الدول الجديدة في المنطقة، وجد الكرد أنفسهم أكبر شعب بلا دولة، موزعين بين أربع دول، لتُهمَّش حقوقهم السياسية والوطنية بشكل متواصل، وقد أثبت التاريخ أن الكرد في مختلف هذه المناطق يواجهون تحديات سياسية واجتماعية واقتصادية متكررة.
ففي إقليم كردستان، تمكن الكرد من تحقيق حكم ذاتي وتأسيس حكومة وبرلمان خاص بهم، غير أن هذه التجربة ما تزال تعاني من صراعات داخلية، وأزمات مالية، وتنافسات حزبية، فضلاً عن ضغوط إقليمية وخيانات من بعض القوى الكردية نفسها.
القضية الكردية في جوهرها ليست مجرد مطلب قومي، بل هي مزيج معقد من السياسة والحرب والأيديولوجيا، تتداخل فيه مصالح القوى الإقليمية والدولية، حيث تُعدّ القضية الكردية في شمال كردستان من أكثر القضايا السياسية تعقيداً في المنطقة، وقد ازدادت حدّتها بفعل السياسات العسكرية، وقمع اللغة والهوية الكردية، إضافة إلى الحرب المستمرة بين الدولة والقوى المسلحة، وعندما طُرح السؤال على وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، حول الوضع في شرق كردستان وإيران، أجاب قائلاً "هذه قضية مهمة، ونحن نتابعها عن كثب باستمرار".
في المقابل، يعيش الكرد في شرق كردستان وإيران تحت ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية متواصلة، حيث تُصوَّر مطالبهم الوطنية غالباً كتهديد أمني مباشر، وتُقمع محاولاتهم لنيل الحكم الذاتي أو الحقوق السياسية بعنف شديد فقد تم اعتقال أكثر من 24 ألف متظاهر ومتظاهرة، فيما اعترف المرشد الإيراني علي خامنئي بقتل المحتجين واعتبر ذلك مبرراً، خلال الاحتجاجات التي انطلقت في 28 كانون الأول/ديسمبر الماضي.
من جانبها، عبّرت المحامية ريزان شيخ دلير عن أملها الكبير في أن يتمكن الكرد من تحقيق حلم الدولة المستقلة والتوحد، مؤكّدةً ضرورة المضي قدماً نحو إدراك أهمية استقلال مناطقهم الكردية. ومع ذلك، يواجه الحزبان الرئيسيان في إقليم كردستان، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، أزمات سياسية عميقة، بينما يعاني سكان الإقليم من أزمة الرواتب نتيجة السياسات الاستبدادية.
وترى أنه في ظل هذه الظروف، تبرز الحاجة إلى قيادة كردية كفؤة قادرة على إدارة المرحلة المقبلة وضمان سلامة الشعب الكردي، خصوصاً بعد انتهاء موجة المظاهرات "القضية الكردية تتطلب اليوم تهيئة بيئة سياسية مناسبة، إذ إن عدم نجاح الكرد في تأسيس دولة أو إقليم مستقل تحت إدارتهم سيعني ضياع فرصة تاريخية قد لا تتكرر، وبالتالي استمرار حرمانهم من حقوقهم المشروعة".
ولفتت إلى الظروف بالغة الصعوبة التي يواجها الكرد في روج آفا خلال الفترة الماضية "يُقتل العديد من المدنيين يومياً لمجرد انتمائهم القومي، وعلى الرغم من الخسائر المستمرة، فقد أثارت هذه الأحداث ردود فعل واسعة على المستوى العالمي، خاصة في ظل عصر شبكات التواصل الافتراضي، الذي منح القضية الكردية في الغرب دعماً كبيراً عبر الوسوم والحملات الرقمية"، موضحةً أنه "في جوهر الأمر، تتمتع الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بنفوذ واسع على أحمد الشرع، ما يجبره على اتخاذ قرارات لا يستطيع رفضها، إذ إن تدمير أمة قاومت داعش أمر يتجاوز قدرته".
وأكدت ريزان شيخ دلير أنه في هذا السياق، تُعد النساء الكرديات نموذجاً متقدماً مقارنة بالدول ذات الأنظمة الاستبدادية والمتخلفة، حيث أثبتن قدرتهن على العمل جنباً إلى جنب مع الرجال، بل والتفوق عليهم في مجالات سياسية وعسكرية متعددة.
وعن سعي الدول الاستبدادية في المنطقة إلى توسيع حدودها بالقوة، قالت إنه ذلك أدى إلى تقسيم الأمة الكردية إلى كيانات صغيرة "تركيا، على سبيل المثال، تدرك أن استقلال كردستان سيؤدي إلى خسائر كبيرة لكل من العراق وإيران وسوريا. ورغم الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها كردستان، فإن نفوذ الدول المحتلة جعل بعض القوى المحلية خاضعة لأفكار متطرفة تخدم مصالح تلك الدول. ومع ذلك، تبقى الأمة الكردية قادرة على بناء منطقة متقدمة ومزدهرة إذا ما أُتيحت لها الفرصة".